بعد مرور سبع سنوات على افتتاح نفق المانش، الذي يعبره الألوف من المسافرين يومياً على عمق 46 متراً تحت قاع البحر فإن هذا المشروع لم ينته بعد، اذ انه جزء من مشروع عملاق يصل كبرى المدن الأوروبية، مثل لندن وباريس وبروكسل وكولونيا وامستردام وغيرها بشبكة من القطارات فائقة السرعة. وفي طول القارة الأوروبية وعرضها تتزايد مشروعات الطرق والقطارات طموحاً وهي المشروعات التي تعتمد بشكل أساسي على شق الانفاق تحت سلاسل الجبال ووديان الانهار وقيعان البحار ذات التشكيلات الجغرافية المتباينة. وتتزايد هذه الانفاق في طولها وعرضها بفضل جيل جديد من آلات حفر الانفاق التي أصبح بعضها يناهز ناطحات السحاب حجماً. ففي ابريل الماضي، تم الانتهاء من تصنيع اكبر آلة حفر انفاق حيث بلغ طولها 60 متراً ووزنها 2600 طن وقطر مثقابها 142 متراً ليتم تحميلها على باخرة وشحنها إلى روسيا. وهناك تقوم هذه الآلة الآن بحفر نفقين متوازيين للسيارات بطول كيلومترين ليكون جزءاً من طريق دائري ثالث يطوق العاصمة موسكو. كما تقوم هذه الآلة أيضاً واسمها «ترود» «وهو اختصار لعبارة عميقاً تحت الالب، بالألمانية» بحفر نفق رباعي تحت نهر الالب في مدينة هامبورج بألمانيا. وهذه الآلة هي من انتاج شركة هيرنيكينشت الألمانية وهي من كبرى الشركات الموردة لتقنيات حفر الانفاق في أوروبا ويتراوح قطر الانفاق التي تحفرها آلاتها بين متر واحد فقط 142 مترا هو! مثقاب ترود. والمثير في نفق هامبورج هو ان المسافة بين النفق وقاع النهر لم يكن يتجاوز في بعض النقاط سبعة أمتار أي نصف قطر ترود. ولهذا كانت المراقبة الدقيقة للضغط في منطقة الهز أمراً بالغ الحيوية لتجنب انهيار قاع النهر. ومع ان طريق ترود كان يمر عبر مزيج من الحصى وكتل الجرانيت والرمال ورواسب النهر وخامات الميكا، الا ان ترود لم تقم بحفر الانفاق الأربعة فحسب بل انجزت عملية تبطين الانفاق بطبقة من الاسمنت المسلح بالفولاذ سماكتها 70 سنتيمتراً أولاً بأول لمسافة 25 كيلومتر. وحينما برزت ترود على سطح الأرض، عند نهاية النفق، لم تكن قد انحرفت عن النقطة المستهدفة المحددة مسبقاً سوى بخطأ مقداره 75 ملليمترات. ويقول الدكتور اريك هيرنيكينشت، مدير الشركة الصانعة: «مع تطوير ترود، فتح امامنا عصر جديد في عالم بناء الانفاق. اذ ان القطر الضخم للنفق والتركيب شديد التعقيد للتربة والمرور تحت طبقة رقيقة من الأرض والضغط الكبير لعملية السحب، كل ذلك يجعل المتطلبات من الآلة ضخمة جداً... وشأن آلات الحفر الضخمة فقد صمم الرأس الثاقب في ترود البالغ وزنه 380 طناً بحيث يمكن للعمال الدخول إلى جوفه من جوانب الحفارة وذلك ليتفحصوا السطح الداخلي للنفق والمعدات التالفة مثل اسنان الحفر واستبدالها من داخل الآلة في ظروف ضغط جوي عادية. وفي هذا الوقت تقوم آلتان اخرييان من طراز ترود بحفر مشروع هائل تحت جبال الألب السويسرية. فقد بدأت سويسرا ببناء خط قطارات جديد عبر الألب سيكون الجزء الأساسي منه هو نفق سانت جوثارد بطول 57 كيلومتراً يتوقع الانتهاء منه عام 2010 ليكون أطول نفق في العالم. كما يتضمن المشروع أيضاً نفقاً اخر بطول 34 كيلومترا. ورغم قساوة الصخور تحت الجبال فإن مثقاب ترود يقوم حالياً بحفر 14 متراً من النفق يومياً. وهناك آلة اخرى تحفر نفقاً بطول 42 كيلومترات في روتردام. وتقول الشركة المنتجة ان ترود تزيد من سرعة شق الانفاق وتجهيزها بنسبة 60 في المئة. وقد يسأل البعض عن السبب في كون أنفاق الخطوط الحديدية أطول بكثير من انفاق طرق السيارات بالنظر إلى ان تقنيات الحفر وظروفه هي نفسها بالنسبة للنوعين. والجواب هو السلامة. اذ ان مئات من سائقي السيارات الذين يتدفقون بسياراتهم مسرعين داخل انبوب طويل عبر جبل او تحت قاع البحر يشكلون خطراً أكبر على السلامة من قطار وحيد سريع يبقيه خطه الحديدي على مساره. وحتى وقت قريب كان نفق آرلبرج في النمسا أطول نفق للسيارات في العالم حيث يبلغ طوله 14 كيلومتراً. لكن النرويج افتتحت العام الماضي نفق لياردال للسيارات بطول 245 كيلومتراً تحت سلسلة من الجبال. وعمد مهندسو النفق لكسر رتابة هذه الرحلة بتضمين النفق ثلاث مساحات واسعة ومنارة بعرض 30 متراً لتكون نقاط للتوقف والاستراحة. والآن تدرس شركة يورو تونيل التي تمتلك وتشغل نفق المانش بناء نفق آخر بين بريطانيا وفرنسا، لكن للسيارات هذه المرة. جلال الخليل