أموت وأعرف ما الذي جعل كلمات الشاعر محمد عفيفي مطر في مطلع قصيدته «الوجه الهارب» تنساب في وجداني وخاطري، كحبات مطر في مساء مفعم بالشجن، فيما كانت الطائرة الصغيرة تشرع في الاقتراب من جزيرة ساموي، عروس خليج تايلاند. رحت اردد لنفسي: جئت اليك من سفر الى سفر ركبت عواصف الطرقات واستلقيت في السفن ... ... ... وأعرف انك أيها الوجه الفضي ستصلصل في عروق الأرض حتى يورق العالم. والحق انني جئت الى جزيرة ساموي من سفر الى سفر، بالفعل، فبعد ست ساعات من انطلاق طائرة الخطوط التايلاندية من دبي الى بانكوك، حيث شاء لي الحظ الطيب ان احتل مكاني المترف بعيدا عن الدرجة الاقتصادية، بادرت الى ركوب طائرة اخرى صغيرة من مطار بانكوك، انطلقت في الأجواء نحو الجنوب، على امتداد ساعة كاملة. لكنني ـ والشهادة لله ـ لم اركب عواصف الطرقات، ولا استلقيت في السفن، وانما ركبت جناحي الخيال، مستبقاً الطائرة الى المجهول الذي ينتظرني في الجزيرة، التي توصف بأنها الأجمل في خليج تايلاند، ولا تضارعها في شهرتها واستقطابها للسياح الا جزيرة فوكيت، في بحر الاندامان، على الجانب الاخر من تايلاند. وربما يساعدك هنا ان تلقى نظرة عاجلة على خريطة تايلاند، فهي تمتد بين خطي العرض الشماليين السادس والحادي والعشرين، مما يعني أنها تمتد بين الشمال والجنوب عبر 1650 كيلومتراً، تتخللها جبال مكسوة بالأشجار ذات الخضرة، التي تبدأ ثم لا تنتهي، والوديان العميقة والانهار، التي تمتد الى شواطيء بحر الاندامان غرباً وخليج تايلاند شرقاً. ولو انك خيرت احد أبناء الخليج، فيما يتعلق بالمكان الذي يريد ان يمضي اليه في تايلاند، لبادر بالاشارة الى العاصمة بانكوك، او حرص على تأكيد رغبته في الانطلاق الى تشانج ماي، حيث الشمال البارد المتوج بضباب الصباح الساحر والليالي الشتوية التي يحلو فيها السمر. اما اذا كان الخيار محصوراً في الجنوب، فإنه سيفضل جزيرة فوكيت حيث فندق اماري، الذي يمتلكه رجل أعمال يمني، يعرف كيف يخاطب ذوق الزوار الخليجيين، مع كل خطوة يخطونها في الجزيرة الساحرة. لكنني سأختار ساموي، وقد عرفت أن هذا الاختيار في موضعه منذ الاطلالة الاولى عليها مع شروع الطائرة الصغيرة في الهبوط، فخط الأفق يعكس الجمع المدهش بين الجبال والسهول، ولا تخلو بقعة واحدة من خضرة، تبدو وكأنها طلعت لتوها من كتاب للأساطير، او خرجت ـ كالسحر ـ من حكاية من حكايات السندباد وسفراته السبع. غير انك لست سندباد زمانك، وإنما انت زائر شاء له الحظ الطيب ان يحمل حقائبه، ويمضي الى طائرة حين اقلعت به ظن أنها لن تقوى على المشوار، لكن هذه الطائرات الصغيرة فيما يبدو اقوى مما يوحي به مشهدها، فها هي بعد تحليقها الذي دام ساعة، بالتمام والكمال، تشرع في الهبوط في مدرج مطار جزيرة ساموي. ولكن ما هذا بالله عليك؟ أهذا مطار حقاً؟ السؤال في موضعه تماماً، لأنك اذا ضربت صفحاً عن رحابة الافق في منطقة المطار والخضرة الزمردية التي تحيطه باحكام، فسوف تجد نفسك في مكان اقرب الى استراحة ذات طراز كولونيا لي مترف، وهو أبعد ما يكون عن الايحاء بالاجواء التقليدية للمطارات، ووسيلة المواصلات التي ستقلك الى حيث تلتقط الامتعة هي عربة مكشوفة، من النوع الذي يستخدم في بعض المنتجعات والمصايف العربية، ويعرف تقليدياً بالاسم الشعبي «الطفطف». بسهولة ويسر. ولكن بشكل بالغ الدقة والنظام ايضا، تلتقط امتعتك، وتمضي الى السيارة الفان شائعة الاستخدام في ساموي، والتي ستقلك ماضية على الطريق الدائري المعانق لشواطيء الجزيرة، والذي يمتد من الفتنة الى السحر عبر 54 كيلومترا. ولكن الى اين؟ الخيارات عديدة، تبدأ ثم لا تنتهي، فقد يخطر ببالك الانطلاق الى متنزه «آنج ثونج» الوطني للحياة البحرية، ويؤثر غيرك المضي الى شاطيء تشاوينج او شاطيء لاماي او بلدة ناثون او الى رحاب الهدوء في بوبوت او قرية هو ثانون، وهي قرية للصيادين سكانها من المسلمين او لتأمل الشمس لحظة المغيب في ليبانوي، الى الجنوب مباشرة من هو ثانون. اما أنا، ذلك الكسول الأزلي، او كما يعبر الانجليز «صاحب العظام الكسولة» فإني سأدع لك النشاط كله والحيوية بأسرها تفعل بهما ما تشاء، وأفضل الانطلاق الى فندق سنترال، الواقع على الطريق الدائري، قاب قوسين او ادنى من حركة التسوق والفرجة في كل ساعات الليل والنهار. بالطبع، ربما تختلف معي، هذا من حقك، وتصر على الانطلاق الى قرية سنترال السياحية، حيث شاءت عبقرية المزاوجة بين الطبيعة البكر وصناعة السياحة ان تضع القرية بكاملها على جانب تل ينحدر في نعومة الى شاطيء بديع يمتد بلا انتهاء جامعاً بين زرقة البحر وبياض الرمال وخضرة الأشجار. سيكون في انتظارنا، في القسم المركزي من القرية، على سبيل التحية، شراب جوز الهند البارد، وبعد ان تستريح وتحصل على مفتاح الكوخ او «البانجالو» اذا شئت الذي ستنزل به، تأكد من انك سترسم في ذهنك خارطة للمكان، والا ضللت الطريق بسهولة ويسر، كما حدث لي، فتجد نفسك امام حسناء اوروبية ترتدي اكثر الازياء التي رأيتها في حياتك اختصاراً، وهي لاهية عن الطبيعة الفاتنة من حولها، ومشغولة بقراءة كتاب «صورة تايلاند» فتصر على انه لا شيء في الكون سيمنعك من الحصول على نسخة من الكتاب نفسه، حتى لو كان ذلك اخر ما تفعله قبل مغادرتك تايلاند. وهكذا ستهدر ساعات طويلة في مطاردة هذا الكتاب، لكنك ستحصل عليه، ولو بعد طول عناء، وصدقني فقد كان ثمنه باهظا، في بلد يبدو انه لا يمد جسور الصداقة طويلا مع الكتب. الدنيا، كما يقولون، اهتمامات، فإلى اين تمضي؟ بعد ان تنال قسطاً من الراحة دعنا ننطلق الى شاطيء القرية، حيث تقضي اكثر الساعات التي عرفتها في حياتك ـ على الاقل منذ سنوات ـ هدوءا وسكينة وقدرة على إزالة التعب والتوتر. منذ وضعت قدمي على الجزيرة لم يفارق خيالي ذلك المشهد الذي ابدع تصويره الكاتب الياباني يوكيو ميشيما في الجزء الثالث من رباعية «بحر الخصب» من ترجمة العبد الفقير كاتب هذه السطور وهو الجزء الذي يحمل عنوان «معبد الفجر» حيث يمضي البطل محلقاً بلا انتهاء مع خواطره وتأملاته تحت مياه الشلال المتدفقة كالسحر. فلنمض، اذن، الى أحد شلالات الجزيرة، وهي بالمناسبة تضم ثلاثة شلالات، لعل ابرزها وأكثرها ارتفاعا شلال وانورم، وربما يليه في الأهمية شلال العم نيم، ولا تنشغل بالسوق الصغيرة القريبة من الشلال، وانس امر البائعة التايلاندية التي توزع الابتسامات وتحصد اكواماً من البات، وهي العملة المحلية، التي يعادل الدولار وقت كتابة هذه السطور 45 منها بعد ان كان يعادل 25 فقط، وهو ما يفسر موجات السياح الخليجيين المتدفقة الى تايلاند، على الأقل جزئياً. قرب الشلال، او تحت مياهه ان شئت، انت مدعو للتأمل، للتسامح مع الآخرين، وللتصالح مع زمان لا يرحم. وربما للتسامح مع نفسك في المقام الاول. لا تنس، وأنت في الطريق الى الشلال، ان تعرج على منطقة عجيبة من الشاطيء يسمونها هنا «الجد والجدة» تلفت الانظار بتضاريسها الطريفة، وأيضا وللمرة العشرين بسوقها الصغير، الذي يستقطب السياح. والمجالات لقضاء الوقت سواء مع العائلة او الاصدقاء او «الربع» او بمفردك لا اول وليس لها اخر، فبامكانك في ساموي ان تتلقى دروسا في فن الطهي التقليدي التايلاندي، او تمضي في جولة مع دليل متخصص في الادغال، وهي كثيفة حقاً في ساموي، او تنطلق في رحلة على ظهور الفيلة، او تمارس رياضة الغوص، او التجديف بزوارق الكاياك، او مشاهدة مباريات الملاكمة التايلاندية، او زيارة مزرعة الثعابين او مسرح القردة، او مزرعة التماسيح، او اكواريوم ساموي، او حديقة النمور، او حديقة الفراشات. ولكن ماذا لو كان صغارك بصحبتك؟ المجال امامهم فسيح، فهناك رياضة الجولف المصغرة في جزيرة الكنز، وهناك منتجع الواحة الذي يتيح للعائلة والصغار بيئة جذابة، وهناك مركز الرعاية الصحية للصغار، وهناك «رايكي» وهو واحة لعشاق الكمبيوتر والصغار الراغبين في تحسين مستوى لغتهم الانجليزية. ولكن ألم أقل لك إن الدنيا اهتمامات؟ اهتمامات البعض تقودهم الى تقليد تايلاندي عمره بالضبط 2500 عام، وهو المساج او التدليك التايلاندي التقليدي، وهو بالمناسبة شيء محترم للغاية، وان كانت شريحة من السياح لم تجعله كذلك. ما علينا، او لا علينا، هذا التقليد العريق المعروف بالتايلاندية باسم «نواد فان بوران» يجمع بين اساليب. اليوجا وفن الضغط على المراكز العصبية الحساسة في الجسم، حيث تتحكم حركاته بطاقة الجسم الداخلية، وذلك باستخدام نقاط الضغط هذه وأوضاع اليوجا. ومن المعروف تاريخيا ان التدليك التقليدي الياباني وصل الى ذروته قبل 200 عام بحيث أمر الملك راما الثالث بتسجيل كل علومه ومعارفه على ألواح الحجر في المعبد المعروف باسم «وات بو». ومن منظور الكثيرين من الصغار والكبار، على السواء، لا تكتمل الرحلة الى سوماي الا بالانطلاق الى مدرسة القرود، حيث يتلقون دروسا في فن التقاط ثمار جوز الهند من أشجاره السامقة، وكم هو طريف ان تلتقي هناك بالفيلة الصغيرة «ليندا» التي تداعب السياح وتلاعبهم كرة القدم وشد الحبل وبطريقتها المرحة تجرى لهم تدليكا لا ينسون طوال عمرهم طرافته، ويتوج اللقاء معها بحصولها هدية من السياح على كم مدهش من الموز الذي تلتهمه بمزيد من السعادة وهي تلوح لأصدقائها الذين يتهافتون على التقاط الصور معها. جولاتك في طرق ساموي لا تخلو من المضي الى السهرات، حيث الموسيقى والرقص والغناء، وجولات التسوق تتوجها دائما جولات لا تنتهي من الفصال، كما في كل اسواق الشرق، حيث تسلم في نهاية المكان ببراعة هؤلاء البائعين وطرافة ما يبيعونه وخاصة من المشغولات والادوات وابداعات الفنون التقليدية التايلاندية. ليس ما يهرب منك في ساموي وجها كالوجه الفضي الذي حدثنا عنه الشاعر الصديق محمد عفيفي مطر، وانما الهارب بحق هنا هو الزمن، الذي يتسلل من بين اصابعك كحفنة من رمال ساموي المترامية بين زرقة البحر وخضرة الغابات، وهذا الزمن الهارب ـ بطريقته الخاصة يتحداك ان تنس ذكرياتك في جزيرة هاربة من المتاعب وسط امواج خليج تايلاند، كعروس هربت من كتاب للأساطير. رسالة بانكوك: كامل يوسف