لو أنك أمسكت بمنظار مقرب، واستطعت أن ترى غرفة الطعام الفخيمة لرأيت أسرة سعيدة مترابطة. ولكن المنظار المقرب لا يكفي لتعرف من خلاله إذا كانت الأسرة سعيدة أو أنها ليست كذلك.. وبمناسبة المناظير المقربة لو كنت أحد أفراد هذه الأسرة التي لا نعرف إذا كانت سعيدة أو غير سعيدة، وأمسكت بواحد من هذه المناظير واطلعت على ما حولك لرأيت مظاهر التعاسة. فالقصر الضخم الذي نطل عليه أو نحاول أن نطل عليه يقع في أفقر أحياء كاثا ماندو، ولا تدعي أنك تجهل هذه المدينة، فلقد تردد اسمها في الأخبار طوال الأسابيع الماضية، وعرف الكثيرون لأول مرة اسم عاصمة نيبال ولاشك أن المشهد العظيم الذي نحكي عنه رغم هوله عرف بنيبال وعاصمتها ونظامها أكثر من أية وزارة سياحة. وكان على رأس المائدة ملك ليس من ملوك الحكايات بل ملك حقيقي، وكان الملك بيرندرا يشارك زوجته اشواريا الصدارة، وحولهم ثلاثة من الأولاد، واثنتان من أخوة الملك ولعله كان هناك آخرون فالقصة الواقعية أخذت شكلا اسطوريا، وبالنيابة عن كثيرين أعلن أنا كاتب هذه السطور أننا لا نعرف ولا نفهم ما حدث! لكننا نحاول. يقال أن الموضوع الذي تحدثت فيه الأسرة على العشاء كان زواج الابن الأكبر وهو ما نشك فيه، ليس لأننا لا سمح الله نعرف الموضوع الذي تحدثوا فيه، ولكن لأن كل الموجودين ماتوا ولم ينطقوا حرفا فهل كان هناك شهود لم يعلن عنهم أو أجهزة تنصت أو أن الملك قبل دخوله غرفة الطعام أعلن في بيان هام أنهم سيتحدثون عن زواج ابنه، قبل أن يغادروا دار الفناء إلى دار البقاء. لا نظن أن شيئا من هذا قد حدث ولكننا نلاحظ، ولعلك أنت أيضا قد لاحظت أن في المسرحية دورا للراوي، يحكي لنا ما حدث، ويشرح لنا بطريقة السينما الصامتة، عندما كان يقف إلى جوار الشاشة (المفهماتي) ويحكي أن هذه أخت (الشجيع)، وأنها تتعرض للأهوال، وأن العصابة الشريرة تخطفها، ولكن الشجيع يقفز في النار، ليصل إليها ويخلصها. وعندئذ يلتقيان في قبلة ويقع المفهماتي حيص بيص فالبنت ليست أخت الشجيع، وعليه أن يعدل الحكاية. والراوي عندنا لا يقف أمام الشاشة، بل لا يراه أحد، ولا يعدل حكاياته، فهو يعتقد أن كل مايقوله مصدق: والبنت أخت الشجيع ثم هي حبيبته ماالمانع؟ اذا لم يكن هناك من يسأل. لن نوافق ولن نرفض أن موضوع الحديث كان زواج ديبندرا الابن الأكبر للملك وولي عهده وعلى أي حال يقول الراوي أو المفهماتي ان هذا كان الموضوع الرئيسيي لأحاديث الأسرة في الفترة الأخيرة. ذلك أن الأمير الطائش أراد أن يتزوج من دينياني رانا، تصوروا! ومافيها؟ ويقول الراوي انها من أصول هندية، وأن أهل نيبال يكرهون الهنود. وأن الملكة كانت غاضبة جدا للفكرة. والراوي يقول مايريد أن يقول حتى لو خلط بين الأخت والحبيبة ولكن البنت وهي جميلة جدا حسب الصور ابنة لوزير تولى من قبل وزارة المالية ووزارة الخارجية وهما من الوزارات الهامة في أي بلد. ولم يكن الوزير متزوجا من هندية، بل من نيبالية من أصول هندية على مايقول الراوي! ونحن عانينا ماعانينا من اليهود، ومع ذلك ضمتنا جلسة مع أفراد أسرة كان جدها يهودي وأسلم، ولاحظت جو المودة الذي ضم الجميع، ولم يحس الذين عانوا أن هؤلاء يحملون دم شهدائهم. وعندما قيل ان فلانا الذي كان وزيرا هاما متزوج من يهودية، تحدث الناس في ذلك، لكنهم لم يكرهوه لهذا السبب، بل كرهوه بسبب سياساته. استبعد أن المشكلة كانت هي أن أحد جدود البنت ربما كان هنديا. لكن على الراوي أن يحكي مايريد. فالرجل مشغول بتفسير ماحدث. حقا يفسره على هواه. لكنه يبذل جهدا. ولأن الراوي وحده الذي يعرف فيقول ان المنجمين حذروا من زواج الابن قبل بلوغه الخامسة والثلاثين. ويبدو أن المنجمين كانوا صادقين، لأن الابن مع الوالدين والاخوة كلهم ماتوا لمجرد نية الابن الزواج. ماذا كان سيحدث لا قدر الله لو أن الزواج تم فعلا. أنا لا أصدق المنجمين، لكنني بصراحة أصدقهم في هذه المرة فمجرد تفكير الابن أوصل الى كارثة. رحم الله دولة نيبال بكاملها من الذبح لو كان قد تزوج البنت الجميلة. ولكن قصة المنجمين هي قصة جانبية أراد الراوي بها أن يزيد من المؤثرات الصوتية، ويجعلنا أو يجعلهم يميلون الى التصديق. وهي مثل كل المؤثرات الفنية في هذا المشهد المسرحي قمته ساذجة، لكننا نحترمها لأنها من صنع الراوي، ولا صوت غيره يحكي لنا. وهكذا نرى في هذا المشهد المسرحي الأسرة تأكل وتتكلم وتلوم الابن على فكرة زواجه من فتاة جدها لامها من أصول هندية. وغضب الابن من اعتراض اسرته. وبدلا من أن يناقش وهو قادر على ذلك فهو في التاسعة والعشرين من عمره، ضاق بهم وانسحب الى جناحه. وبدلا من أن تهدأ أعصابه زادت ثورة وقال ان الأسرة التي تمنعه من زواج حبيبته، أسرة لا تستحق الحياة. لم يقل الراوي هذا، لكننا نساعده في بعض الأحيان كرما منا، ولأننا نحس انه تعب ولم يعد قاردا على الحكي. سيقول واحد منكم: مسرحية فاشلة، فلماذا لم يفكر الابن كما فكر الملك ادوارد عندما أحب ليدي سمبسون فتنازل عن العرش وتزوجها ولبطلنا أخان ممكن تهيئتهما للعرش خاصة وأن الملك لم يصل الى الستين بعد. وسيقول واحد منكم: لماذا لا يتزوجها خلسة ويضع الاسرة امام الأمر الواقع ولقد استخدم الراوي هذه الفكرة كمؤثر صوتي، لكننا نراها فكرة فاشلة. فزواج ولي العهد أمر يهم البلاد كلها. واختار الابن بندقيتين آليتين وعاد بهما الى قاعة الطعام ولا تسأل لماذا أتي ببندقيتين، ألم يكن كافيا أن يأتي بواحدة خاصة وانها آلية، وانه خبير في الأسلحة؟ هكذا قال الراوي، وله حكمة فيما يقول. ولسنا دائما قادرين على كشف كنه عبقريته. ودخل ديبندرا على اسرته وأطلق عليهم الرصاص، وقتلهم في أبشع مجزرة ملكية منذ الحرب العالمية الأولى. وأراد الراوي أن يجعله مشهدا شكسبيريا يذكرنا بماكبث ولير وغيرهما من مآسي الكاتب العظيم. لكنه خرج مشهدا بشعا يفتقد الى عظمة المسرح، ويشبه أفلام (الاكشن) الرخيصة. ويزداد الموقف سخافة عندما أطلق الابن في النهاية النار على نفسه، ونقل الى المستشفى أو ربما لم ينقل، المهم أنه مات في النهاية. وهكذا انتهى المشهد العظيم دون أن يكون له شهود، البعض حاول أن يراه بالمنظار المقرب، لكن الجميع سمعوه من خلال الراوي. وقبل أن تجف الدماء أتى العم يجلس على العرش غير آبه بأي تشابه بين هذا الموقف ومسابقة هاملت التي قتل فيها العم أخاه الملك وجلس على عرشه، وتزوج أرملته. ولعل الراوي يعتمد هنا على الخلاف البيني بين ماحدث ومسرحية هاملت. ففي قصة نيبال قتلت الملكة، والعم متزوج والحمد لله. ثم ليس في القضية النيبالية ابن تلميذ مثل هاملت يحقق ماحدث ويحتار ويقول: أكون أو لا أكون، الى أن يصل الى يقيني بأن العم قتل الأب واغوى الأم. وهناك فرق آخر يبعد بين القصتين. ففي النيبالية تحدث المجزرة الملكية في المشهد الأول. كنا جالسين في صفوف المسرح، وانفرج الستار لنرى البندقيتين الآليتين على مايحكي الراوي ترشان رصاصهما على أبطال المسرحية. أما في القصة الشكسبيرية فلقد حدثت المذبحة قبيل أسدال الستار. ولكن مذبحة شكسبير كانت أجمل وأروع وأخلد وأصدق!