يظل الإيمان والتوحيد جزءاً أصيلاً من تراث المصريين يملأ نفوسهم ويسري في عروقهم منذ فجر التاريخ. وكل من حكم مصر أدرك هذه الحقيقة منذ قديم الأزل. وصارت مشاركته في بناء المعابد والكنائس والمساجد تشكل جزءا كبيرا من تفكيره ووقته. ولم يمر على مصر حاكم إلا وترك أثرا وغالبا ما كان الأثر دينيا. وبدءا من الأهرام في مصر القديمة مرورا بالمعابد في الدولة الحديثة لم يتغير التفكير. وحتى عندما دخل المسلمون إلى مصر اتبع كل من حكمها من الولاة المسلمين هذا النظام فقاموا ببناء المساجد بطرز معمارية بديعة ومدارس زخرفية متعددة وصلت إلى أوجها وعظمتها في أواخر العهد المملوكي. وعمرت قاهرة المعز بلاليء متناثرة من المساجد تشكل منظومة بديعة يزداد رونقها وجلالها في شهر رمضان وفي أواخر العهد المملوكي لم تكن هذه المساجد فقط مساجد جامعة بل ضمت مدارس للعلم وأسبلة للماء. وعرفت القاهرة مساجد ضخمة مثل مسجد ومدرسة السلطان الصغير حفيد قلاوون أحد مؤسسي دولة المماليك البحرية الذي أنشأ مسجداً كبيراً ضم مستشفى ومدرسة وسبيلا في شارع المعز لدين الله. وازدان هذا الشارع بمساجد عديدة وقصور جميلة، فقد كان قلب القاهرة النابض وأصبح أكثر شوارعها ازدحاما بالأثار النادرة من الدولة الفاطمية وحتى عهد محمد علي. إلا أن باقي شوارع القاهرة الرئيسية كان لها نصيب كبير مثل شارع الصليبة الذي امتلأ بالمساجد والقصور التي مازال بعضها قائما حتى الآن. المماليك البرجية أيضا اهتموا بناء المساجد في منطقة الدراسة مثل فرج ابن برقوق والسلطان أشرف برسبان والسلطان أينال وقرقماس أحد قادة المماليك البرجية المعروفين وكلهم بنوا مساجد وأضرحة أجملها درة مساجد القاهرة وهو مسجد ومدرسة سبيل وضريح السلطان قايتباي الذي يعد قمة الفن المملوكي في الزخارف والعمارة. وحتى بعد قدوم العثمانيين إلى مصر وتصديرهم لعمالة مصر الماهرة إلى الاستانة لم ينضب ابداع المصريين في بناء المساجد وانتشر نموذج السبيل والكتّاب مثل سبيل وكتّاب عبدالسر حسن كتخدا وأسبلة عهد محمد علي في شارع المعز لدين الله. ومساجد المحروسة ليست أبنية وزخارف فقط وكلها سيرة وتاريخ وحكاية شعب فالأزهر كان بمثابة مدرسة يتخرج منها العلماء والثوار وملجأ للمظلومين من الحكام ورمزا لرد المظالم.. وفي أكثر الأحيان بداية للثورة والتعبير عن الغضب.. حتى الآن.. إلى حد حاول معه نابليون بونابرت عند غزوه لمصر اسكاته بالقنابل من أعلى جبل المقطم ولكن بقي الأزهر ورحل نابليون. وتحكي الوقائع القديمة أن السلطان فؤاد يعد من أوائل حكام مصر الذين دشنوا الصلاة الرسمية في الجوامع الشهيرة بداية من عام 1918 وصارت مثالا حتى يومنا هذا. وكان خبر صلاة الجمعة «لعظمة مولانا السلطان فؤاد الأول» ـ كما تقول صحيفة الأهرام حينئذ ـ يتصدر الصفحات الأولى.. وحظى جامع عمرو بن العاص بالنصيب الأكبر من صلاة الجمعة للسلطان فؤاد الأول تبعه جامع أحمد بن طولون مؤسس أول دولة إسلامية استقلت بمصر. وتدخلت السياسة أحيانا في بناء المساجد وتنافست كبار الشخصيات في البناء مثل سنان باشا أحد باشوات العثمانيين الذين حكموا مصر عام 975 هجرية والذي بنى جامعا في حي بولاق باسمه. ويعد جامع عمرو بن العاص أول الجوامع التي بنيت في مصر في عام 21 هجرية وكان طوله عند اقامته خمسين ذراعا وعرضه ثلاثين واتسع تدريجيا حتى أصبح حاليا 12 ألفا و960 مترا مربعا وهو نصف مساحة جامع أحمد بن طولون تقريبا. كما يعتبر جامع السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون المعروف باسم جامع السلطان حسن أشهر المساجد المملوكية والذي بلغت مساحته 9530 مترا مربعا واستغرق انشاؤه سبع سنوات من 475 ـ 464 هجرية وجاء من أحسن الجوامع عمارة وأحكمها هندسة وأضخمها بنيانا. عادل السنهوري


