سيدتان عجوزتان تعيشان معا .. كانتا ذات يوم نجمتين سينمائيتين مشهورتين تسلط عليهما الأضواء .. لكن هذه الأضواء انحسرت عنهما .. مضى العمر .. لم يبق لهما إلا ذكريات الماضي تعيشان عليها تجترانها تستعيدانها لكن الحاضر لا يتركهما لحالهما يتحايل ثم يتدخل لتحقيق مطامعه . عن نص بعنوان (زهور الأوركيد في ضوء القمر) للكاتب المكسيكي كارلوس فوينتوس (37 سنة )وهذه أول مرة يقدم مسرحاً بالعربية ويعتبر من أهم أدباء أمريكا اللاتينية يقف ندا مساويا لجارسيا ماركيز وله أعمال روائية ومسرحية وسينمائية مرموقة، وقد شهدت إحدى دورات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي فيلم (العم جرنجو) عن إحدى رواياته، ترجمته الكاتبة الصحفية الأردنية حياة الدويك عطية، ثم قام الكاتب المسرحي والناقد نبيل بدران باعداده متدخلا برؤيته في تمصيره وإضفاء صبغة نقدية على بعض القضايا العصرية، وبإضافة شخصيات من تأليفه على النص الأصلي تعمق الموضوع المطروح. تضعنا سينوجراف في جو العزلة التي تعيش فيه النجمتان السابقتان غرفة تبدو جدرانها متهالكة، أثاث متداع ألوان غامقة على اليسار لوحة نحاسية محفورة بآيات قرآنية، وعلى اليمين لوحات مسيحية وتمثال صغير أبيض للسيدة العذراء، تبدو لنا شوشو سوسن بدر ولولو «سحر رامي» رفيقتين صديقتين في تفاهم ووئام كأنهما كما أكدا جسدان في روح واحدة. شوشو هي الأكبر منحنية الظهر ترتعش يدها .. تتذكران أيام الماضي الجميلة، وما حملت اليهما من مجد وشهرة، يضيف بدران مشهدا لهما وهما تؤديان دوري كليوباترا «لولو» وأنطونيو «شوشو» تأكيدا لذلك المجد لكنهما تدركان في النهاية أن لا شئ يبقى، وأن الخلود وهم وسراب . يجسد المخرج الشاب هشام جمعه وهو ابن الفنان الكبير حسين جمعة رؤية الكاتب نبيل بدران عن طريق تقسيم الخشبة إلى مستويين .. المستوى الأدنى هو غرفة النجمتين السابقتين .. والمستوى الأعلى لأحداث الماضي الذي تسترجعه الممثلتان العجوزتان . بدءا من حضور الفتاة الريفية ( شلبية ) إلى القاهرة حيث تتلقاها محطة مصر، قبل أن تشق طريقها للشهرة وتصبح (شوشو) وتدعي في أحاديثها الصحفية أنها سليلة أسرة راقية وخريجة مدرسة (مير دي ديي) الفرنسية، وكان لها مرضعة من استانبول، وينشر أحد الصحفيين مذكراتها هذه التي لم تكتب فيها حرفاً أو لعلها لم تقرأها ! كما يجسد لنا لمعان اسم لولو من خلال بهرجة حفلات الإفتتاح وظهورها بأحدث الأزياء واستقبال الجمهور لها بالتصفيق، وهي تحيي وترقص. كل هذا يبدو للمشاهدين في عمق المسرح عن طريق شرائط تلفزيونية، لأحداث الماضي وأمجاده، يمتزج الحاضر بالماضي، والواقع بالمتخيل، إلا أنهما لابد أن تعودا لحاضرهما، والأنزواء إلى دفء الصداقة ووحدتها إلى جانب الجوار الجميل بين سوسن بدر وسحر رامي، قام الممثل سامي مغاوري بأكثر من دور.. يدخل ويخرج منه بمهارة وبخفة ظل بروح كوميدية تكسر الرتابة .. بدءا من المصور في محطة السكة الحديد الذي يستقبل شلبية ويحملها آلته. إلى سائق الحنطور (وأغاني زمان) إلى زوج النجمة الذي يرضى ان يعيش عالة عليها في الظل مقنعا نفسه كما قالت أن نجاحها هو نجاحه .. إلى المخرج السينمائي الذي عليه أن ينهي الفيلم في ثلاثة أيام .. ولا مانع من يوم ونصف . إلى رجل الأعمال الشرس الذي يريد أن يشتري كل شئ .. أدب أو قلة أدب .. ويسمح له بمساحة للإرتجال ينتقد المرحلة الثانية من ضريبة المبيعات، ويسخر من سينما رايح جاي ! زهور الاوركيد في ضوء القمر اسم مسرحية الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتوس إذا ما سلطت عليها الأضواء الساخنة تموت .. هكذا كانت الزهرتان شوشو ولولو احترقتا تحت شمس الشهرة ولكنهما في النهاية انزوتا إلى برودة الذكريات لعلها تدفئهما .. تقول شوشو لرفيقتها لولو (نحن مثل الأفيال . عندما تهدم تحتفي وتختار مكانا لموتها). القاهرة- فوزي سليمان: