عندما ينتقل الايطاليون من بيت إلى آخر، فإنهم لا يودّعون مطابخهم أو خزانات ملابسهم أو حماماتهم بل يحزمونها مع امتعتهم، ويأخذونها معهم إلى مكان اقامتهم الجديد. فالشقة الايطالية النموذجية عبارة عن سلسلة من مآخذ الكهرباء والغاز والماء لا غير، وكل شيء آخر بما في ذلك مغسلة المطبخ «حوض غسل الصحون» يأتي مع المستأجر الجديد. ويقول باولو موروني من شركة التصميم «سوايا وموروني» التي تنتج تصميمات الفنانة العراقية زها حديد من اثاث المعيشة متعدد الوظائف: «نحن الايطاليون لا نحب استخدام مطابخ أو حمامات الاخرين. فهذه اشياء حميمية ولها علاقة بالسيرة الذاتية للمرء». هذا المفهوم الايطالي الجدير بالاهتمام أصبح الآن اتجاهاً عالمياً، له زبائنه في العديد من البلدان، وبما ان تغيير المنزل هذه الايام اصبح شائعاً كثيراً، مثل تغيير موقع العمل، فان محتويات البيت هي التي تحمل القيمة العاطفية، وتقول جيلا ابوجاردي، رئيسة تحرير مجلة «انترني» الايطالية المتخصصة في موضوعات التصميم وتياراته وقضاياه ان الناس في المجتمعات الحديثة اصبحوا بشكل متزايد يفكرون بالمنزل على انه مكان مؤقت للراحة قبل الانتقال إلى مكان آخر. وهذا المفهوم اقتضى ظهور نزعات جديدة في التعامل مع المنازل يمكن ايجاز اهمها فيما يلي: ممتلكات أقل، قدر أكبر من الحرية، أجهزة كهربائية أقل، مساحة أكبر في المنزل، ملكية أقل، استئجار أكثر، معدات الكترونية أقل، برمجيات أكثر». وفي المستقبل، ستصبح المنازل عبارة عن مساحات فارغة يشكلها سكانها كما يروق لهم. فالشركة الايطالية «دريادي»، على سبيل المثال، والتي تتعامل مع المصمم فيليب ستارك بشكل منتظم، قدمت لنا «منزل المعيشة السهلة» الذي يمكن فيه التبديل بين أركان الطعام والنوم والعمل. وكل قطع الاثاث التي تنتجها الشركة مرنة وقابلة للتعديل ومتعددة الوظائف. وعن ذلك كتبت مجلة «دريادي» تقول: «ان منزل المعيشة السهلة «ايزيليفنج» يحررنا من قيود جدران التقسيم وتقاليد المعيشة البرجوازية». لكن الجديد في كل هذا هو المطابخ، فعندما يضطر المرء للانتقال من مدينة إلى اخرى لسبب أو لآخر، لماذا لا يستطيع ان يأخذ معه مطبخه، كما يأخذ سيارته من دون أي عناء؟ الآن وبتحويل المطبخ إلى مجموعة من قطع الاثاث القائمة بحد ذاتها، اوجد المصممون حلاً نهائياً لمشكلة «اين يجب وضع ماذا» بل واعادوا تعريف معنى كلمة «غرفة». ويقول شرايدن كوكلي من شركة «اس سي بي» والذي أطلق تشكيلة مونيكا ارمني في معرض اقيم في شهر ديسمبر الماضي: «ان المطابخ القائمة ذاتياً تحل العديد من المشكلات: أولاً التخلص من صعوبات تركيب وتثبيت المطابخ التقليدية، ثانياً عند الانتقال من منزل إلى آخر يمكنك اصطحاب المطبخ كله ولن تحتاج لمساعدة أحد في نظام مونيكا أرمني «وهو عبارة عن سلسلة من المناضد يجمعها المرء مع بعضها مثل احجار الدومينو. وأول من جاء بفكرة المطبخ المملوك كان ثنائي التصميم الفرنسي الشقيقان بوروليك، حيث يقول اروان بوروليك: «المطبخ بالذات يجب ان يكون موضوع تطور واعادة صياغة على الدوام لكي يتماشى مع مستجدات العصر وانعكاساتها في الحياة الاجتماعية والنمط المعيشي». ثم جاءت شركة «كتشن توجو» البريطانية لتضيف بعداً جديداً لمفهوم قابلية الحركة بوضع معظم قطع اثاثها الخاصة بالمطبخ على عجلات. وفي ايامنا هذه ثمة شبه بين التصميم والتقنية من حيث ان عليه ان يتطور مع الزمن وإلا فإنه سينحى جانباً. وتجسدت واحدة من اكثر الافكار الرائدة تجديداً في هذا المجال في نظام تخزين شركة فيتسو الذي صممه ديتر رامز، وهو عبارة عن منظومة رفوف مكسوة بالالمنيوم تتضمن كل شيء في سكك التعليق إلى المنضدة المكتبية. وقد استطاع ان يصمد في وجه تيارات التصميم الاخرى لما يمتلكه من مقومات للبقاء. ويقول مارك ادام، المدير العام للشركة التي تتولى ليس تصميم وتركيب النظام في منزل الزبون فقط، بل أيضاً فكه واعادة تركيبه في مكان الاقامة الجديد في حالة الانتقال: «لقد تطورت منظومتنا لتلائم شكل اقراص السي دي وأجهزة الكمبيوتر الشخصية وإلى ما هنالك من مستجدات يفرضها العصر على البيئة المنزلية. ان فكرة التخلص من قطع الاثاث بسبب تخلفها قليلاً عن الطراز العصري أو بسبب الانتقال من منزل إلى آخر ليست مضيعة للمال، بل هي عمل مخزٍ أيضاً. ومع انتشار قطع الاثاث المرنة في السوق لم يعد المرء بحاجة لشراء اثاث جديد كلما انتقل إلى مكان اقامة جديدة، لاسيما ان التصميمات الجديدة تتيح استخدام القطعة نفسها لوظائف متعددة وبأشكال متعددة مما يتيح افاقاً كبيرة للتغيير دون شراء اثاث جديد. ومن الامثلة العديدة على نزعة التصميم الجديدة «الطاولة التي تأكل الكراسي» للمصمم رون آراد والتي تحل مشكلة الكراسي الزائدة في غرفة الطعام، اذ يمكن وضعها في ادراج الطاولة. وهناك أيضاً خزانة كتب على عجلات تؤدي عمل مكتبة وحاجز تقسيم للغرفة في آن واحد. وبتطوير الفكرة قليلاً يمكن الوصول إلى وحدة اثاث متكاملة لغرفة المعيشة. ويبدو ان هذا ما ستفعله شركة «سوفتروم» اللندنية التي تعكف على تطوير نسخة معمارية من «سكين الجيش السويسري» التي تحتوي على أدوات عديدة لوظائف متنوعة» ويقول كريس باجوت، احد الشركاء الثلاثة في هذا المشروع: «عوضاً عن شفرات السكين، سيكون هناك مطبخ وحجرة نوم ومكتب يمكن طيها بعد الانتهاء من استخدامها». لكن المهندس المعماري كرستوفر ديم ذهب إلى أبعد من ذلك حين اطلق بالتعاون مع شركة التصميم «ولسونارت» منزلاً متحركاً على عجلات وذلك في معرض الاثاث المعاصر الذي اقيم في نيويورك مؤخراً. وقد تبنت شركة «ايرستريم» النموذج الأولي لمنزل «كروسرودز» ويتوقع ان يكون جاهزاً للتسويق هذا العام بسعر 20 ألف دولار، وهو رقم يراه الكثيرون متواضعاً مقابل الحرية التي يمنحك اياها هذا المنزل في اختيار المكان الذي يروق لك لقضاء العطلات من دون ان تفكر بمشكلات الاقامة وتكاليفها. علي محمد

