بدأت أعمال الحفر في مطلع 1995، عندما باع مزارع رأسا من الطين المحروق إلى أحد تجار القطع الأثرية الرحل بمبلغ لا يتجاوز 30 دولاراً فقط، لكنه يساوي ضعفي ما يحصل عليه ذلك المزارع طيلة شهر كامل من الكد والعرق في زراعة اليام، وهي نوع من البطاطا الحلوة، وبيعه. وقد انتشرت كلمات الحظ والرزق اليسير بسرعة وبدأ السكان المحليون في «حرث» الأرض المحيطة بقرية كاوو، التي تبعد 50 كيلومترا شمالي شرق العاصمة النيجيرية أبوجا ويقطنها نحو 3 آلاف نسمة وسرعان ما وصل منقبون آخرون، حتى بلغ عدد «الحفارين» في غضون أشهر قلائل أكثر من 2000 شخص، كانوا جميعا يضربون بأدواتهم الحديدية أرض كاوو الحجرية. وتنافس التجار بعضهم مع البعض الآخر، ورفع غيرهم الأسعار ليسدوا الطريق على منافسيهم، واستمرت عقارب الساعة في الدوران، فافتتحت المشارب ودور اللهو في القرية وابتاع محدثو الثراء هناك الدراجات النارية وأعادوا بناء سقف منازلهم، وهنا يقول أبوبكر صالا، المعلم الذي كان يتجه صوب الحقول بعد الانتهاء من دروسه لعله يجرب حظه: «الكل يبحث عن المال، وترك المزارعون محصولهم يفسد لأنهم مشغولون بحفر الأرض بحثاً عن الفخار الأثري». هكذا تتخلى افريقيا عن ارثها الثقافي اليوم بعد أن سلبتها السفن الأمريكية خير شبابها من قبل وقضى صيادو الطرائد الكبيرة عن حيواناتها ونهب أصحاب المناجم ثروتها المعدنية، فمن شرق القارة إلى غربها، لاتزال الأعمال الفنية وابداعات الأيدي الافريقية تتعرض للسلب والنهب من قاعات المتاحف ومن وراء أسوار الجامعات أو مباشرة من أعماق الأرض، كما هي حال قرية كاوو. ودائما تنتهي معظم هذه الكنوز من المنحوتات الحجرية أو الفخارية ومن الرؤوس النحاسية أو الأقنعة والأبواب الخشبية عند حدود أوروبا والولايات المتحدة. وتعود مثلا التماثيل المستخرجة من أرض كاوو إلى بقايا ثقافة «نوك» التي عاشت في ما يعرف اليوم باسم نيجيريا الوسطى خلال الفترة الممتدة ما بين 500 قبل الميلاد إلى العام 2000 بعد الميلاد، وهي من بين الآثار التي تلقى طلبا متزايدا عليها. وتقدر مصادر الانتربول ـ أو الشرطة الدولية ـ إجمالي قيمة التجارة غير الشرعية بالملكية الثقافية بنحو 4.5 مليارات دولار سنويا على النطاق العالمي، مقارنة بنحو مليار دولار فقط لتلك التجارة قبل عشر سنوات، كما يقدر خبراء الآثار «أسهم» القارة الافريقية في تلك التجارة بنحو 10%، وهي حصة في تزايد مستمر. يقول أوموتوسو الويمي، عالم الآثار والمدير العام للجنة الوطنية النيجيرية للمتاحف والآثار: «إنها مشكلة كبيرة حقا، فبعد أن تخلصنا من تجارة العبيد قبل أكثر من قرن، ها نحن نعود الآن لنواجه مشكلة نهب الغرب لآثارنا». لقد رفضت مؤسسات الفن العربية في السابق قبول أعمال الفن الافريقي باعتبار أنه فن بدائي وذو أهمية معينة لعلماء دراسة الأعراق البشرية وعلماء أصول الجنس البشري وحدهم، ثم بدأ هذا الفن في الصعود التدريجي، بعد أن بدأ تقدير ما به من خصال الجمال الحقيقي وجوهره الفني. وما فورة النشاط التي تجتاح المتاحف الكبرى في أوروبا إلا دليل على منزلة هذا الفن العالية. فبعد وجوده لقرابة 30 سنة في «مقار مؤقتة»، عادت المجموعة الأفريقية التابعة للمتحف البريطاني منتصرة هذا الربيع لمستقر جديد لها داخل مقار المتحف الرئيسية في لندن. ولن تستطيع قاعات ساينسبري للفن الافريقي ايواء أكثر من 600 قطعة من مخزون المتحف الذي يحتوي على أكثر من 200 ألف قطعة افريقية على الرغم من حقيقة أن بعض تلك الأعمال الافريقية تعود إلى تاريخ انشاء المتحف أي إلى عام 1753. وفي باريس، شهد متحف اللوفر خلال السنة الماضية افتتاح جناح جديد مخصص للأعمال الفنية الآتية من افريقيا وآسيا والأمريكيتين. وتضم المنحوتات التي سيتم نقلها إلى متحف «كواي برانلي» للفن غير الأوروبي، عندما يتم افتتاحه في عام 2004، اثنين من التماثيل الخشبية التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر، وتم جلبها من مالي ومسند للرأس يعود للقرن التاسع عشر، ويصور «لوبا الكونجولي»، وقد تبرع بجميع هذه القطع الفنية الفرنسي أوبير جولدست الذي كان يهوى جمع مثل هذه القطع، وذلك قبيل وفاته بفترة قصيرة خلال السنة الماضية. اما بقية مجموعته المؤلفة من 640 قطعة والتي بدأ بجمعها في عام 1971 ـ أي قبل الموجة الافريقية الحالية بفترة طويلة ـ فسيتم بيعها في أحد مزادات باريس في نهاية شهر يونيو الجاري في عملية يطلق عليها المنظمون وصف «المزاد الأكبر لأهم فن بدائي عالمي منذ عام 1966»، حيث يتوقع أن يصل إجمالي قيمة المبيعات إلى نحو 7 ملايين دولار. يقول نيورلدن ساتي، أحد كبار العاملين في قسم اليونسكو في العاصمة الكينية نيروبي: يجب أن يشعر الافريقي بالفخر لأن فنه وإرثه الثقافي يتم عرضه الآن في متحف اللوفر. ومن شأن هذا أن يزيد ادراك الآخرين لعمق النزعة الابداعية لدى الإنسان الافريقي، وانه ليس بالبدائي، كما كانوا يظنون. لكن من المفارقة القول ان مثل هذا الثناء الكبير قد جعل كثيرا من عيون آثار الفن الافريقي عرضة لعمليات النهب والسرقة. فبينما تم الابقاء على ثقافات محدودة، تمت سرقة ثلاثة أرباع المواقع الأثرية في مالي، ومنها أغلب القبور الموجودة باتجاه المنحدرات الممتدة على طول جرف «باندياجارا» الذي أدرجته اليونسكو كأحد مواقع التراث العالمي. وخلال العقد الماضي دمر اللصوص في النيجر نحو 90% من جميع مواقع «جورا» المعروفة حيث تم العثور على تماثيل منحوتة من الطين المحروق، يعود تاريخا إلى 1500 سنة. كما تقاتل أثيوبيا من أجل حماية أقدم أعمالها الفنية القبطية المصنوعة من الفضة بالاضافة إلى مجموعة من المخطوطات التي يعود تاريخها للعصور الوسطى، وكان من أولى ضحايا الحرب الصومالية عام 1991 المتحف الوطني في العاصمة مقديشيو، فخلال أسابيع بعد نشوب الحرب تم بيع العديد من معروضاته الثمينة وبضمنها عدد من الأعمال الفخارية المصرية القديمة إلى السياح في كينيا المجاورة. المسألة هنا ليست مجرد قضية اختيار شخصي. فمن أكبر العوامل التي تقف وراء ازدهار هذه التجارة الفقر الافريقي. ذلك أن القرويين الأفارقة في غالبيتهم، يرفضون اليوم الأفكار الخاطئة التي حملها أجدادهم، ولا يرون منطقا في الاحتفاظ بقطع فنية لا جدوى منها في اعتقادهم، وهم غير قادرين على ارسال أطفالهم للمدارس أو شراء ما يكفي من طعام. ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في هذا الازدهار الاضطراب السياسي وامكانية التهريب عبر الحدود. ففي الكونغو ـ تماما كما في الصومال ـ تركت سنوات القتال العديد من متاحف البلاد شبه فارغة مما كانت تزخر به من كنوز، وهنا يقول جورج ابونجو، المدير العام لمتاحف كينيا: «بالنسبة للجنود الذين لم تدفع لهم رواتبهم وكانوا يتضورون جوعا يبدو كل شيء يجدون أمامهم مناسبا للبيع، أما الافتقار إلى الانضباط فيمثل الأرضية الخصبة لأولئك الذين يرغبون بجمع الأعمال الفنية».