يقترن ذكر الأسود في اذهان معظم الناس بصورة تلك الوحوش الضارية التي تجوب الغابات الافريقية، لكن هذا الانطباع لم يكن ليتكون عند هؤلاء لو لم تستأصل تلك الحيوانات من جميع مواطنها الاخرى تقريباً في بقية انحاء العالم. فقبل عشرة آلاف عام كانت الأسود منتشرة فوق مساحات ضخمة في الكرة الأرضية. وكذلك كان البشر الذين، مع ازدياد تكاثرهم وتنظيمهم، اخذوا يضغطون على منافسيهم في قمة الهرم الغذائي الطبيعي. والآن تحتفظ بجزء يسير جداً فقط من مواطنها السابقة. والأسود الآسيوية، هي نوع فرعي انفصل عن الأسود الافريقية ربما قبل 100 الف عام، تتشبث بشريحة صغيرة للغاية من املاكها السابقة. وتفتخر الهند أنها تستضيف نحو ثلاثمئة من هذه الاسود، تعيش في منطقة محمية بمساحة 560 ميلاً مربعاً. وقد استغرق الأمر من ماتياس كلوم، من مجلة ناشيونال جيوجرافيك الصادرة عن الرابطة الجغرافية الوطنية في الولايات المتحدة، حوالي عام ونصف العام للحصول على اذن من السلطات الهندية لاستكشاف كامل أراضي غابة جير، لكنه يقول انه منذ الوهلة الأولى أورك لماذا أصبحت الاسود رموزاً للنبل والعظمة. فالنمر ينسل خلسة في الغابة متوارياً عن الانظار. أما الاسد فيقف متشبثاً في مكانه بفضول وجرأة لا يشوبها أي عارض من الخوف وهو أمر لا غرابة فيه لحيوان يمتلك قلب أسد. ورغم ان الاسود كانت تنبه ماتياس بطريقة مهذبة عندما يقترب منها أكثر من اللازم، الا انها سمحت له ان يلتقط بعدسته لمحات خاطفة فريدة من حياتها خلال الشهور الثلاثة التي امضاها في الغابة ومن الغرابة بمكان ان يفكر المرء بأن هذه الحيوانات الكاسرة مهددة بالانقراض، فغابة جير مليئة بل ومكتظة بالاسود. لكن بسبب عجز الموارد الذي يلقي بظلاله على المنطقة، فإن الاسود تجوس على محيطها حتى انها احياناً تغادر الغابة بأسرها وكثيراً ما تصطدم وتتناوش مع البشر. وهذا أحد الأسباب التي دفعت الهند للعمل على ايجاد ملاذٍ ثانٍ لتلك الحيوانات. وهناك أسباب اخرى ضاغطة منها تفشي المرض والكوارث الطبيعية. ففي عام 1977 أدى تفشي وباء سل الكلاب إلى نفوق اكثر من ثلث اسود منطقة سونجتي في تنزانيا البالغ عددها ثلاثة آلاف، وهو قدر لا يستبعد ان يحل بحيوانات جير، فتلك الاسود، التي انقذها احد امراء الهند في مطلع القرن العشرين، معرضة على نحو خاص للمرض، لانها تتحدر من عدد قليل جداً من الاجداد ربما لا يتجاوز اثنى عشر أسداً. ويقول ستيفن اوبراين، عالم الوراثة الذي امضى وقتاً طويلاً في دراسة هذه الحيوانات: «لو اخذت بصمتها الوراثية، تجد الاسود الاسيوية تبدو وكأنها توائم متطابقة. ومع ذلك فإن عوامل الخطر خفية، ولا يمكن للمرء توقعها عندما يشاهد ملوك الغاب وهي تنضح حيوية ونشاطاً وتأسر الابصار بسحرها. ويعيش ضمن حدود المحميّة أكثر من 2000 شخص من قبيلة «مالدار» وتشكل مواشيهم 30 بالمئة من الموارد الغذائية للأسود. حتى انه بعد مواسم الجفاف الشديدة، تصبح الهجمات على البشر شائعة مع دخول الأسود إلى القرى المجاورة بحثاً عن الطعام. وعلى الرغم من كل هذا، فإن المالداريين يمجّدون الأسد في معتقداتهم واناشيدهم التقليدية، ويثير منظر ذلك الوحش الكاسر قدراً من البهجة يمتزج مع الخوف الغريزي. وقد اقنعت حكومة ولاية جوجارات مئات الأسر بمغادرة المحمية، لكن اولئك الذين بقوا هناك يرفضون فكرة الانتقال عن المكان بشكل مطلق. وعندما يحين موعد احصاء أسود جير كل خمس سنوات تقريباً، تعمد السلطات المختصة إلى استخدام حفر المياه لاجتذاب تلك الحيوانات. وفي احصاء اجرى مؤخراً تبين ان أربعين أسداً كانت خارج حدود الغابة، وهي مشكلة كبيرة لأن محيط المحمية مليء بالمزارع والمصانع. وهناك خطط لترحيل عدد من أسود جير إلى محمية كونو للحياة البرية والتي تبعد حوالي 500 ميل عن المنطقة. لكن العثور على أماكن أخرى لتوطين تلك الحيوانات الضارية ربما يكون أمراً صعباً ففي الهند التي تجاوز تعداد سكانها المليار نسمة يندر وجود مناطق محمية بمساحات وفرائس تكفي لفصائل القطط البرية الكبيرة. كما ان صعوبة المحافظة على هذا النوع من الاحياء يكمن أيضاً في ان كل حوالي 500 معاشرة بين ذكور الاسود واناثها تتمخض عن ولادة بطن واحد من الجراء، وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة وآلية التزاوج وبسبب محدودية التشكيلة الوراثية للأسود الاسيوية فإن 70 إلى 80 المئة من نطاف الذكر تكون مشوهة، وهي نسبة خطرة قد تؤدي إلى العقم اذا استمر استيلاد الاسود داخلياً في حدائق الحيوان. ويكمن الحل الأمثل لهذه المعضلة الوراثية في برامج التهجين التي استطاعت من خلالها حدائق الحيوان الاوروبية ان تزيد تعداد أسودها الاسيوية إلى 80 أسداً وهو رقم ضخم بالنظر للحالة الحرجة التي يعيشها ما تبقى من ملوك الغاب التي كانت في يوم الأيام تهيمن على الحياة البرية من المتوسط إلى الهند. علي محمد