بيان الكتب: الجنرال اوساريس، بول اوساريس، هو أحد الضباط الفرنسين الذين انضموا إلى جيش فرنسا الحرّة عندما أطلق الجنرال شارل ديجول صيحته الشهيرة من لندن عام 1940 مطالبا الفرنسيين بمقاومة الاحتلال الألماني النازي. ترقّى بول اوساريس في الرتب العسكرية وصولا إلى رتبة جنرال. انخرط بالعمل في الأجهزة السرية الفرنسية، حيث كلّفه الجنرال شارل ديجول بمهمات ذات طابع «سري للغاية» وفي غاية الدقة. شارك في حرب الهند الصينية. وكانت آخر نشاطاته في الجزائر حيث عمل كضابط استخبارات على علاقة بالقوات الخاصة الأمريكية. يقول الجنرال «بول اوساريس» في مقدمة كتابه: «انني ومثل الكثيرين من زملائي الذين قاتلوا في الجزائر كنت قد اتخذت القرار، ليس بأن انسى، وانما أن أصمت». ومثلما هي العادة لدى «رجال الظل» كان يمكن للجنرال اوساريس أن يحافظ على صمته ويأخذ معه الكثير من الأسرار حول الفترة التي أمضاها في الجزائر خلال سنوات 1955 ـ 1957، أي عندما أوفدته فرنسا باعتباره أحد أفضل عملائها السريين إلى الجزائر مع مهمة محددة هي النضال بكل الوسائل ضد «التمرد»، كما كان يتم وصف ثورة الشعب الجزائري من أجل نيل استقلاله، الذي كانت تقوده آنذاك جبهة التحرير الوطني الجزائرية، أو إذا كان اسم «بول اوساريس» لا يعني الشيء الكثير بالنسبة لعامة الناس، فإنه كان يدل داخل أوساط الأجهزة السرية على رجل أصبح بمثابة أسطورة حيّة. وفي هذا الكتاب قرر الجنرال ـ العميل السري السابق ـ الحديث عما فعله في الجزائر خلال مهمته 1955 ـ 1957، بل والحديث بمنتهى الصراحة دون مداراة أو محاباة. لقد تجرأ على قول حقائق كان من الصعب البوح بها مؤكدا قيامه شخصيا، وقيام عناصره والأجهزة التي كان ينتمي لها بعمليات تعذيب وسحل ضد جزائريين بسبب انتمائهم، أو الشك بانتمائهم، إلى جبهة التحرير الوطني. هكذا قرر أن يقدم بعد أربعين سنة شهادته حول وقائع خطيرة حول الوسائل التي استخدمتها الأجهزة الفرنسية ضد «الارهابيين» الجزائريين. ويعتقد الجنرال بأن من واجبه الحديث عن تلك الوقائع وعما جرى إذ «قبل أن نطوي الصفحة، ينبغي أولا قراءتها واذن.. كتابتها أولا». إن «أوساريس» لا يبدي أبدا «أسفه» لما قام به اذ يرى بأن حبه لبلاده واعتقاده بأنه كان يفعل أمراً جيداَ شكّلا خلفية سلوكه.. باختصار كان يقوم بـ«واجبه». لكنه يحلل الآليات التي حكمت منطق اللجوء إلى أقسى الوسائل تطرفاً انطلاقاً من اللحظة التي تطلب فيها أمة أو دولة من جيشها قمع أي تحرك يبدو بمثابة تهديد لمصالحها الحيوية. وبهذا المعنى لا يطلب مؤلف هذا الكتاب «الصفح» من أحد وانما يعرض «وقائع». عندما اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954 كان الجنرال بول اوساريس يعمل ضمن اطار «إدارة مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس» التي أصبحت اليوم تسمى «الإدارة العامة للأمن الخارجي» والمكلفة دائما بالتدخل «سرا» خارج فرنسا ضد كل ما يمس المصالح القومية للجمهورية الفرنسية. وجاءت الأوامر آنذاك له للالتحاق بالكتيبة 41 في الجزائر. كان وزير الداخلية الفرنسي آنذاك د. فرانسوا ميتران مسئولا عن تثبيت الأمن والاستقرار في «المقاطعات الفرنسية» بالجزائر. وكان ميتران، كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب، على قناعة بأن قوات الأمن وحدها عاجزة عن تحقيق الاستقرار في الجزائر لذلك طلب بتدخل قوات من الجيش الفرنسي وقال بتاريخ 12 نوفمبر 1954 أمام ممثلي الشعب في الجمعية الوطنية الفرنسية: «إنني لا أقبل بأية مفاوضات مع أعداء الوطن، والمفاوضات الوحيدة المقبولة هي الحرب». هكذا أصبحت الحرب «رسمية»، وحتى لو لم يتلفظ أحد بكلمة «الحرب» وانما بـ «المحافظة على الأمن والاستقرار». تجدر الاشارة هنا إلى أن الحكومة الفرنسية لم تعترف رسميا بوقوع «حرب الجزائر» إلا في نهاية عقد التسعينات، أي بعد ما يقارب أربعة عقود على استقلال الجزائر. مع ذلك كان «رجال الظل» يعرفون جيدا بأن حرب الجزائر كانت قد بدأت، وحتى قبل عام 1954، وكان عمر اوساريس 35 سنة عندما وصل كـ«عميل سري» إلى الجزائر وتحت غطاء العمل كضابط في احدى وحدات الجيش الفرنسي. وكانت سيرة حياته تؤهله بالأحرى، وهو الذي يحمل شهادة جامعية في فقه اللغة وباللغتين اللاتينية واليونانية إلى العمل في سلك التعليم أو ربما «السلك الدبلوماسي» على حد تعبيره هو نفسه. لكنه انخرط منذ عام 1942 في الأجهزة السرية حيث تعلّم أولا «كيفية فتح الأبواب المقفلة والقتل دون ترك أية آثار والكذب واللامبالاة بآلامه أو بآلام الآخرين والنسيان ودفع الآخرون إلى نسيان وجوده.. و«هذا كله من أجل فرنسا»، على حد تعبيره.. ومن أجل فرنسا قام بعشرات عمليات «التخريب» وغيرها في اسبانيا وألمانيا والهند الصينية وصولا إلى الجزائر في نهاية عام 1954. المهمة الأولى التي أوكلتها قيادته له هي جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول «حركة التمرد» التي كانت قد بدأت ملامحها الأولى في منطقة جبال الأوراس. وكانت أوامر باريس صريحة آنذاك هي انهاء جبهة التحرير الوطني الجزائرية بأقصى سرعة ممكنة، لاسيما وأن «أحداث» الجزائر كانت قد بدأت تحظى باهتمام الرأي العام العالمي عامة والعربي خاصة. واعتباراً من ربيع عام 1955، أي بعد أشهر عدة من بداية العمليات في الاوراس، بدا أن الثورة الجزائرية قد أخذت طابع انتفاضة شعبية عامة، وكان المطلوب آنذاك تجنب تحولها إلى ممارسة أعمال حرب العصابات داخل المدن. وفي الثالث من شهر ابريل 1955 صوّت البرلمان الفرنسي على إعلان «حالة الطواريء» مما سمح بإقامة علاقات وثيقة أكثر فأكثر بين مختلف أجهزة الشرطة والجيش. وضمن هذا السياق تمّ اتخاذ قرار القيام بـ«هجوم مضاد» يستهدف جبهة التحرير الجزائرية. وفي شهر يونيو من عام 1955 وبعد عمليات استهدفت الوجود الفرنسي في الجزائر تمّ القبض على أحد الجزائريين والذي كانت قد دلّت مؤشرات عديدة على أنه كان من بين الفاعلين لـ«كان من المهم جدا أن يتكلّم وذلك لأن هبة العنف تلك كانت قد فاجأتنا»، كما يقول الجنرال اوساريس، لكن «الرجل رفض أن يتفوه بكلمة»، مما دفعه إلى «تعذيبه»، حسب اعترافه الصريح بأول عملية تعذيب قام بها في الجزائر، ولكن ذلك لم يكن مفيدا إذ ان ذلك الرجل قد «مات دون أن يقول شيئاً». ذلك الموت لم يؤسف «الجنرال» وانما آسف لأنه لم يستطع أن ينتزع منه أية كلمة. ان مؤلف هذا الكتاب يعترف بالكثير من عمليات التعذيب والقتل التي قام بها، ويكرّس فصلا كاملا لعملية انهاء «العربي بن مهيدي» أحد قادة الثورة الجزائريين البارزين، بل وربما قائدها الأول لفترة من الوقت. لقد تمّ اعتقال «العربي بن مهيدي» وحاول الفرنسيون دفعه بكل السبل إلى التعاون معهم عبر اللعب بأوراق «المنافسة» بينه وبين قائد آخر هو أحمد بن بللة، وعندما لم تنجح هذه الورقة حاولوا أن يدخلوا إلى فهمه بأن رفاقه «البربر» قد «باعوه» لأنه «عربي» ولكن بن مهيدي لم يرضخ للمساومات كلها فقام «اوساريس» ورجاله بقتله في السجن بعد تعذيبه في السجن وقاموا بتعليقه وكأنه قد قام بالانتحار شنقا. يقول الجرال اوساريس: «عندما تأكدت بأنه قد مات، قمت بإنزاله وفكّه ونقلته إلى المستشفى». ويضيف «ثم قمت بالاتصال حالا مع الجنرال ماسو ـ قائد القوات الفرنسية في الجزائر آنذاك ـ وقلت له: «سيدي الجنرال، لقد انتحر العربي بن مهيدي. وجسده الآن في المستشفى. وسوف أعدّ لكم غداً تقريري حول الموضوع». وينهي حديثه عن «انتحار» بن مهيدي بالقول: «لقد حدث واستخدمنا بعد ذلك المزرعة نفسها التي تمّ اعدام العربي بن مهيدي فيها. وقد طلبت من مجموعة الجنود أن يحفروا بداخلها حفرة وضعنا فيها عشرين جثة، من بينها واحدة لامرأة». وتكررت عملية «الانتحار» مرّة أخرى بالنسبة للمناضل الجزائري المحامي «علي بو منجل» الذي «سقط» من الطابق السادس بعد أن ضربه أحد جنود اوساريس على رأسه. وعشرات الحالات الأخرى التي تبيّن كلها شراسة آلة القمع التي استخدمتها السلطات الاستعمارية من جهة ضد ثوار جبهة التحرير الوطني، كما تبيّن في الوقت نفسه عمق البطولات التي واجه بها هؤلاء الثوار آلة القمع الاستعمارية الرهيبة. لقد آثار هذا الكتاب ردود فعل كبيرة في فرنسا، وجرّ على صاحبه الكثير من النقد الصادر من جهتين. اذ هناك من طالب بمعاقبة الجنرال السابق لأنه أفشى أسرار لا يحق له افشاءها بينما طالب آخرون بمعاقبته عبر تقديمه إلى المحكمة كأحد مجرمي الحرب لأنه اعترف بجرائم كان قد اقترفها. لكن ومهما اختلفت الآراء حول هذا الكتاب فإنه يدل على وقائع معروفة بالأصل ولكن يتم وصف الوسائل التي تمّ استخدامها في تنفيذها للمرّة الأولى. ومن الملفت للانتباه في هذا الكتاب هو أن المؤلف الجنرال لايزال يصر على استخدام الأسماء الفرنسية للأماكن التي يدل عليها وفي مقدمتها «فيليبوفيل»، على حد تعبيره، للدلالة على «سكيكدة» حاليا، حيث كان مقر الوحدة التي يعمل بها، لكنه لا يشير أبدا لها بهذا الاسم المعرّب، وانما بالاسم الذي كانت قد أطلقته السلطات الإستعمارية عليها. وكان عدد سكان «سكيكدة» في الفترة التي يتعرض لها «بول اوساريس» أي 1955 ـ 1957 ما يقارب العشرين ألف نسمة، وهي تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط على بعد ثلاثمئة كيلومتر تقريبا من العاصمة الجزائرية. وكانت «سكيكدة» في شهر يناير 1955 هي المسرح الذي قام فيه مؤلف هذا الكتاب باولى عمليات التعذيب تنفيذا للمهمة التي كانت موكلة له والتي كانت تتطلب «قناعة سياسية ووسائل مناسبة»، على حد تعبيره، ثم يضيف: «كان مطلوباً تحديد هوية قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية ومعرفة أماكن اقامتهم وتواجدهم وابادتهم سرا. إن الحصول على مثل هذه المعلومات قادني بالضرورة إلى القبض على المتمردين ودفعهم للاعتراف». تجدر الاشارة أيضا إلى بعض اللحظات «الحرجة» التي مرّ بها مؤلف هذا الكتاب مثل «تردده قبل أن يمارس التعذيب للمرّة الأولى. لكن كل هذا التردد انتهى اعتبارا من 18 يونيو 1955 حيث ان عمليات التعذيب التي تمت ممارستها على أحد المشتبه بهم رفض التفوه بكلمة. يقول اوساريس: «لم يكن هناك أية فائدة في ذلك اليوم. فالرجل قد مات قبل أن يقول أي شيء، لم أفكر بشيء أيضا ولم آسف لموته. بل أسفت لشيء واحد هو انه لم يتكلم قبل موته». وبعد يومين فقط، أي في 20 يونيو 1955 قام الثوار الجزائريون بهجوم كبير على المواقع الاستعمارية في سكيكدة. كان يقودهم «زيفود يوسف» أحد قادة جبهة التحرير الجزائرية المعروفين.. كان عدد الضحايا كبيرا والقمع شديدا حيث كان اوساريس ورجاله يطلقون النار بكل الاتجاهات. ولايزال مؤلف هذا الكتاب على قناعة بأن المهاجمين كانوا قد تناولوا «الحشيش» قبل الشروع بهجومهم. ويروي بأن مجموعة من هؤلاء يبلغ عدد أفرادها نحو عشرين شخصا قد التجأوا إلى أحد المقاهي في المدينة حيث «تمّ اخراجهم بواسطة القنابل ثم تم القضاء عليهم بالرشاشات». وعلى هامش التعرض لموضوع التعذيب في الجزائر، يتحدث مؤلف هذا الكتاب في صفحات عدة عن التحضير للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بعد قرار تأميم قناة السويس وحيث ان حادث سقوط بالمظلة حرم الضابط اوساريس من المشاركة في «شرف» المعركة، كما يقول، مما جعله يحس بنوع من الرغبة «الدفينة» لتعويض هذا «النقص» عبر تبني مواقف أكثر «قسوة» حيال الثوار الجزائريين. لكنه بالمقابل لا يتردد في تحميل المسئولين السياسيين آنذاك في فرنسا وعلى رأسهم رئيس الحكومة «غي موليه» ووزير الداخلية «فرانسوا ميتران» مسئولية «التجاوزات» التي تمّ اقترافها وحيث انهم كانوا على «اطلاع» بها وبالتالي قاموا بـ«التغطية» عليها. ولا يبدي المؤلف ـ الجنرال أية شكوك أو أي احساس بالذنب، ذلك لانه كان يتصرف تنفيذا لأوامر «دون تردد»، فإنه يشير إلى أن بعض الضباط يقولون «لا» ويرفضون بالتالي ممارسة التعذيب مثل العقيد «كوكبورن» الذي طالب بنقله إلى احدى السفارات بعد قوله: «هذه حرب قذرة لا أحبها». ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو انه قد أحب فعلا في حياته شخصية سياسية وعسكرية وحيدة هي الجنرال شارل ديجول الذي يطلق عليه لقب «العظيم»، كما أحب الجيش والاستخبارات. كتاب شهادة عن التعذيب الاستعماري في الجزائر أثناء فترة من حرب التحرير الجزائرية