بيان الكتب: في هذا الكتاب يطرح الفنان الناقد طلال معلا جملة من المشكلات التي يعاني منها الفن التشكيلي العربي.. هذا الفن الجميل الذي لم يلق قبولا أو اعترافا جماهيريا رغم مرور عقود على حضوره، ولا يعزو الناقد سبب هذا الاعراض إلى الفن التشكيلي ذاته وإلى منتجي اللوحة وانما إلى الأمية البصرية، في أوساط العامة، بل وفي أوساط المثقفين ومنتجي الفكر، وهو بذلك ينحاز سلفا إلى جملة الآراء القديمة التي انبثقت ذات مرة من أوساط الفنانين التشكيليين ومن بعض منتجي النصوص الشعرية الغامضة، ثمّ ظلت قارة حتى يومنا هذا، في الوقت الذي بات بإمكاننا التمييز بين الغثّ والسمين، من خلال القراءة النقدية التي يطلّع بها عدد لا بأس به من النقاد، ومن ضمنهم المؤلف نفسه، الذي أشار في أكثر من موضع إلى أن الفن التشكيلي سجل رصيدا ثقافيا لا بأس به في بداياته الأولى، ثم ما لبث أن انحرف ليغدو اليوم فنا ارستقراطيا متعاليا على الذائقة العامة، محاولا على الدوام النأي بنفسه عن الناس بدعوى عدم الفهم للمشهد البصري المنجز، وإلى ذلك فإننا لم نعدم سلوكات عجيبة للفنانين التشكيليين الذين راحوا يقلدون بعض الفنانين الغربيين، ليس عبر اللوحات فقط، بل حتى في لباسهم ولحاهم وشكل شواربهم، كرغبة منهم في التمايز، إلى حد أن كلمة «مجنون» ارتبطت في الذاكرة الشعبية بهم جميعا، فكيف إذا لا ينصرف الناس عن فن نأى بنفسه عنهم؟! ومن هنا فإنني أرى أن الغربة التي تحدث عنها الناقد في مستهل كتابه، وكذلك عبارة «الثقافة السائبة» التي جعلها عنوانا فرعيا، إنما برأينا يعززان ما ذهبنا إليه من أن هذا الفن طالما ارتضى لنفسه أن يظل خارج الذائقة الجماهيرية عبر ما اختطه من نهج متعال، فإنما لابد أن يبقى معزولا بالضرورة، مكتفيا بزبائنه الميسورين، وبعض هواة اللوحات من الغربيين، وفي الحد الأقصى العرض في صالة بعيدة، الطريق إليها متاهة حقيقية. إنها إذن أزمة الفن التشكيلي ذاته، بدءًا من لحظة التعامل مع العمل الفني وانتهاء بثقافة الفنان الرسام أو النحات وغير ذلك، ونحن لا نقول ذلك عن عبث، إذ لطالما لحظنا خللا واضحا في ثقافة الفنان التشكيلي على المستوى المعرفي والتقني، وقد نوّه المؤلف إلى ذلك في معرض حديثه عن العلاقة الملتبسة بين الفنان العربي والعمل الفني باستشهاد طويل للناقد أحمد عرابي يقول فيه: «إن الأزمة التي يعاني منها الفنان العربي ترد من مجتمع التشكيل العربي، وإذا كان المحترف العربي لا يحتكر هذه الصراعات والأحقاد التنافسية، فإن مماحكتها، والعصبية والثأرية، بلغت حدود القبلية العصبية أحادية الذوق والرأي والمصلحة، يشطب أحدهما الآخر بإشارة الضرب التعويذية نفسها التي يشطب بها رجل الكهوف طريدته على جدار الرسم..» وإذا حدث وكان الفنان متقنا لأدواته الفنية، فإن الأفكار الغنية وذلك الخيال المستفيض سينعدمان، وبالتالي فإنه سوف يحاول إيهام المتلقّي بالكثير من المبررات والتي تقف في مقدمتها حجة عدم الفهم، أو الأمية البصرية وغير ذلك، وقد نوه المؤلف إلى ذلك أيضا من خلال مراجعته لمقولة أرنست فيشر حول أهمية جعل العمل الفني ينبض حياة: «ولا يشير فيشر بالتأكيد إلى الحياة، أو الحي بالاعتبار المتجسد في المعنى فقط، بل تمتد اشارته إلى المفهوم العام كما تحدده تفاصيل وجوده الفعلي، أي أن الأمر مرتبط بمفهوم (قوة الحياة) أكثر من ارتباطه بـ(واقع الحياة)..». وتأكيدا على ذلك فإن المتابع للحالة الثقافية العربية اليوم سيلحظ أن جملة من الفنون الوافدة كالسينما على سبيل المثال، لقيت قبولا جماهيريا كبيرا منذ الخمسينيات وحتى يومنا هذا، وبالتالي فإن الجمهور الذي تأقلم مع المشاهد البصرية السينمائية، اكتفى بذلك، وما عاد محتاجا لأن يقف في معرض مخمنا ضاربا أخماسا بأسداس عما يريد الفنان قوله من كل هذا المزيج اللوني الذي يدعو إلى الغثيان! وأقول انها أزمة الفن التشكيلي قبل كل شيء، لأن هذا الفن الذي درس أكاديميا في الجامعات، ودرس في المدارس الابتدائية والاعدادية وفي المعاهد المختصة، لم يتمكن بعد من أن يشكل له حضورا ثقافيا متميزا، بل لم يتمكن ممارسوه من أن يشكلوا حضورا معرفيا متميزا باستثناء بعض الحالات التي تعد على الأصابع، في الوقت الذي حاول فيه رجال الفكر والأدب صادقين دفع الفن التشكيلي للخروج من عزلته والدخول في المشهد الثقافي العام، لكي يكون رسولنا اللطيف إلى العالم، وذلك لأن لغة الفن هي بالضرورة لغة عالمية، ولا تحتاج إلى مترجمين. وبالتأكيد لن يستطيع فنانو اليوم التحدث عن المؤسسات الثقافية ومن في هوامشها، لأنه إن كان لأحد فضل في رعاية المواهب الفنية، وتبنيهم، فإنما يعود أساسا إلى السلطات الثقافية في كل البلدان العربية على السواء، وها نحن نشهد بأعيننا ما تقدمه الشارقة في هذا الاطار، فلم إذن ظلت الثقافة التشكيلية قاصرة؟ السؤال موجه بالطبع للفنانين التشكيليين أولا، وإلى بعض النقاد الذين طالما قرأنا لهم كلاما غامضا وغير مفهوم، وهو في الوقت نفسه لا يمت بصلة إلى ثقافة العصر، وإنما إلى ثقافة بلاغية قديمة تتأسس على جمل كلامية طويلة ومملة. هذا بالاضافة إلى ما جاء به المؤلف حول النقاد المحكومين بالمزاجية والشللية والعصبوية والقطرية، والأهم من ذلك كله برأينا أنهم وقفوا عاجزين أمام الأعمال الفنية المزيفة، أو تلك التي لطشت من أعمال فنية غربية مشهورة، ولطالما تساءلت خلال تجوالي في المعارض عن دور النقد الفني في فضح زيف هؤلاء الذين غامروا وشوّهوا وأساؤوا إلى الثقافة عموما. وفي هذا الصدد فإنني أعتقد أن النجاحات التي حققها الرعيل الأول من الفنانين التشكيليين، إنما كانت بفضل محليتهم أولا، وارتباطهم بالوطن والتراب والضوء والذاكرة، وليس بفضل الاتجاه غربا لكسب الرضى، أو التماهي مع الفن الغربي وتياراته المختلفة الغربية عن الذائقة الشرقية عموما. وشاهدنا على ذلك ما تقدم به المؤلف في القسم الثاني من الكتاب، عندما كتب عن فاتح المدرس، وهذا الفنان الذي حفر عميقا في تربة هشة، ثم صبّ كثيرا من الاسمنت لكي لا تتداعى الجدران، ولكن ذلك اقتضى منه رحلة طويلة، لكي يتعلّم أولا، ولكي يفهم ثانيا، ولكي يعيد انتاج ما فهم ثالثا.. وفاتح المدرس هو أحد الفنانين الرواد في سوريا، أو على حد تعبير الكاتب «رائدا لواحد من أهم الاتجاهات الحداثية في التشكيل السوري..» وهذا الاتجاه كما يوضحه الكاتب هو «الحداثة الذاتية» أي انه كان يمتاز بلغة تعبيرية ذات خصوصية، حيث أصبحت لوحته تختزن الألم الممتد عميقا في الزمن لآلاف السنين. وعندما تحدث عن تجربة الفنان المصري أحمد نوار، وهو أحد أهم الأسماء التشكيلية العربية التي انحازت للحداثة والانفتاح على التجارب الإنسانية من خلال ثقافته الأصلية بدءا من مشروعه (يوم الحساب) الذي نفذه بقلم الرصاص على مساحة ثلاثين مترا مربعا محاكيا رائعة مايكل أنجلو، وانتهاء بدعوته المعروفة لانقاذ الإنسان من الدمار الشامل بنظرة متفتحة على الذات البشرية وإرادتها الغامضة، وشكوكها التي تثير طلائع المبدعين للتساؤل دائما عن كل ما يبقي الفن فنا والموقف موقفا». ويستوقفنا الكتاب أيضا عند منابع تجربة الفنان السوري عمر حمدي (مالفا) ذلك الشاب الذي حمل معه ربيع بلاده إلى العالم ليقيم من خلاله مهرجان اللون والضوء، والسؤال الذي طالما ورد إلى ذهني قبل أن أجد أحدا طرحه قبلي في هذا الكتاب، وهو يتلخص في أنه لو ظل عمر حمدي في دمشق، ولم يسافر إلى أوروبا، هل كان سيلقى ذات الشهرة؟ وسيجيب المؤلف عن ذلك قائلا: «ثمة ملاحظتان قد تجيبان عن هذا السؤال: أولاهما أن عمر حمدي لم يبدأ في أوروبا من الصغر، فقد وصل إليها مصطحبا مقدرة فنية كبيرة، وتجربة غنية ومهمة، أهلتاه للمشاركة المبكرة في معارض الفنانين النمساويين حتى قبل انضمامه إلى تجمعاتهم الفنية. وثانيهما: أن تجربته وإن تطورت في بيئة أوروبية فإنها انطلقت أساسا من البيئة السورية.. في هذه البيئة حيث كوى الضوء المتوهجة، ونوافذ بيوت الشمال السوري الصغيرة، رحم البصر الأول، ودليل العيون لكشف السهول المتعاقبة بصفرتها، والمتعاقبة بحرائق الحصاد، وأكف الفلاحين والحمالين المشابهة لسنابل القمح السخية، وحقيبة ساعي البريد الذي يمتطي روحه ويسترسل في رحلته بين المنازل لملء الأبدان بالمشاعر..». ومن اللقاءات الحوارية، سنقرأ حوارا مهما أجراه المؤلف مع الفنان العراقي مهدي مطشر حول حاجة المجتمع للممارسة التشكيلية، وعلاقة التشكيل بالعمارة، كما أجرى حوارا آخر مع الفنان الياباني «توشيمو تسو إيماي»، وأهمية الحوار تنبع من تركيز الحديث على إمكانية فهم الحياة وإعادة إنتاج هذ الفهم من خلال التناغم الخلاق بين عناصر الطبيعة من جهة، وبين الطبيعة والإنسان من جهة ثانية. وبالاضافة إلى ذلك تناول المؤلف عددا كبيرا من الفنانين التشكيليين العرب والأجانب، فقدم كلا من: سامي برهان، سعاد العطار، أحمد نعواش، فازاريللي، مارتن جيسن، دومينيك تينو، وبالاضافة إلى ذلك كتب عن معرض «Zunegy» الذي أقيم في صالة المعارض بمتحف الشارقة للفنون، ومعرض الفنان الاسباني «سيزار استراني» وغيرهما من المعارض التي أقيمت داخل الدولة أو تلك التي زارها في بقاع مختلفة من العالم، والكتاب بذلك يغطي جوانب تشكيلية مهمة تساعد على تنمية ثقافية فنية للقاريء.. كتاب مهم ننصح باقتنائه وقراءته. عزت عمر