بيان الكتب: شهد العالم في العقد الاخير من القرن العشرين تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة، وقد انعكس ذلك ـ بهذا القدر او ذاك ـ على السياسة والفكر في منطقتنا العربية، تجلى ذلك في جوانب ومجالات مختلفة لعل ابرزها الانعطاف الخطير في طبيعة وشكل الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وعلى هذه الخلفية ظهرت افكار واطروحات اجتماعية ثقافية وسياسية جديدة، غير مألوفة سابقاً، بدت في الظاهر وكأنها تستجيب لمقتضيات العولمة، ونهايات القرن، وروح العصر والمستقبل، وقبول الاخر الذي يستبطن، فيما يستبطن، قبول المعتدي والصفح عنه. فبدأ الحديث يزداد عن التغيير ورياح التغيير، ولغته السياسية والاقتصادية الجذابة المطابقة، ومفرداته المتاخمة، كالمجتمع المدني، والديمقراطية، وحقوق الانسان، والتطبيع، وحوار الحضارات، ومستقبل المشروع القومي، والعلاقات العربية.. الى اخر هذه القائمة من المفردات التي تشكل مادة الدرس في كتاب الدكتور حامد خليل، كما في الواقع مادة الحوار طوال العقد المنصرم. ففي كتابه (الحوار والصدام في الثقافة العربية المعاصرة) الصادر حديثاً عن دار «المدى» بدمشق، يخوض الباحث في معالجة هذه المسائل المثيرة للجدل محاولاً نقدها وفهمها في ضوء الظروف السياسية المحلية والاقليمية والعالمية، منطلقاً من الحرص على اصالة وجودنا: «الاصالة التي نفهمها ـ يقول الباحث ـ بالقدرة على التجدد الدائم، والتعامل مع التغيرات التاريخية الجديدة، واستيعابها وهضمها في النسيج العربي المتجدد». ويستهل الباحث كتابه بطرح عدة اسئلة مهمة من قبيل: كيف نفهم هذه القضايا والطروحات المصاحبة لها، في ضوء وجودنا السياسي الراهن بتداخلاته المحلية والاقليمية والدولية، وفي ضوء ما نعتقد انه مصلحة شعبنا، واهدافنا التحررية الاساسية، وكيف تستجيب البنية الثقافية السياسية العربية للتحديات المطروحة؟ وللاجابة عن هذه الاسئلة وغيرها، يقسم الباحث كتابه الى اربعة فصول، في الفصل الاول يتناول قضايا الحوار والصدام في الثقافة العربية، فيضع تعريفاً محدداً للفظ (الثقافة العربية) دون الدخول في متاهة التعريفات الكثيرة. فهو يرى ان الثقافة العربية هي: «انتاج المشروع المجتمعي العربي في كل مجال من مجالات احتياجات تأسيسه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والامنية والاخلاقية وغيرها، وتحديد آليات فعله التي تتوافق مع انجاز هدفه المتمثل بتجاوز التخلف من جهة، وتحقيق التقدم من جهة اخرى». ويرى الباحث ان الثقافة العربية المعاصرة استجابت بشكل او بآخر لحركة المجتمع. وقد تمخص عن تلك الاستجابة بروز قضايا كثيرة هي موضوعات للحوار والصدام على حد سواء، ولما كان من المتعذر البحث في جميع تلك القضايا فقد اقتصر اهتمامه على اهمها، وهي: الهوية، والعلمانية، والديمقراطية ومسألة الحكم، ثم ينتقل الباحث في هذا الفصل ليتناول مستقبل العلاقات الثقافية والاجتماعية العربية ـ العربية، محذراً من معوقات تأسيس مثل هذه العلاقات، طارحاً رؤيته للآفاق المستقبلية ضمن هذا السياق. ونظراً لأهمية مفهوم الهوية، وابعادها ودلالاتها، فانه يخصص الفصل الثاني للحديث عن قضايا الهوية في الفكر العربي المعاصر مستعرضاً آراء مختلف التيارات في الساحة الثقافية العربية، دون اغفال للتحديات الراهنة للهوية القومية، ومحذراً من مخاطر التحولات الثقافية الراهنة في المجتمع العربي. في الفصل الثالث يتناول الباحث مفهوم «العقلانية» في المجتمع العربي، لافتاً الى ان التعريفات الكثيرة لهذا المفهوم ـ رغم تباينها ـ تتفق على ان: «الفعل العقلاني لا يرتكز الى اية مرجعية تعلو على التجربة الانسانية، او تقف خارجها»، لكنه لا يركن الى ذلك بل يقوم برصد تطور مفهوم العقلانية في الفلسفة الغربية، وفي الفلسفة والفكر الغربيين لينهي هذا الفصل ببحث مهم يتمحور حول المجتمع المدني وكيفية ظهور المصطلح حيث يقع الكثيرمن المنظرين في خطأ تحديد تعريف معين له، ومع ذلك فإن الباحث يؤكد بأن المجتمع المدني هو: «الشرط الجوهري، والحاسم للارتقاء المعرفي، والعقلي، والقيمي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي للافراد كأساس لتمكين المجتمع الذي هم اعضاء فيه، من السيطرة على نفسه، والتحكم بمقدراته، وانجاز تقدمه». ويختم الباحث كتابه بفصل رابع واخير يتناول فيه العلاقة بين الثقافة والسياسة في الفكر العربي، ويضيء جوانب مهمة من اشكاليات تلك العلاقة وملابساتها، ويتحدث عن مخاطر المشروع الصهيوني واحتمالات المواجهة، ثم يطرح تصوراته لآفاق تأسيس استراتيجية سياسية عربية مشتركة، كفيلة بتذليل مختلف العقبات والتحديات، التي تلبس لبوس الانفتاح والتقدم والحوار لكنها تخفي مخاطر ينبغي التنبه لها، والعمل لتجنبها. الكتاب مكتوب بلغة علمية اكاديمية دقيقة، ولا يخفى على القارئ الجهد الكبير المبذول في انجازه، وثمة ثبت بالمراجع والمصادر في نهاية كل فصل يشي برغبة الباحث، الحائز على دكتوراة في الفلسفة، في الامساك بخيوط بحثه المتشعبة، متوخياً الاحاطة بمختلف الجوانب والاشكاليات المتعلقة بهذه القضية او تلك، مستعرضاً آراء الكثير من الباحثين والدارسين، للوصول الى طرح الرؤية الصحيحة والسليمة بعيداً عن الانفعال والتسرع بقدر قربه من الموضوعية والمنهج العلمي الصارم والمرن في نفسه الوقت. ان كتاب (الحوار والصدام في الثقافة العربية المعاصرة) ـ وبهذا المعنى ـ هو اضافة مهمة للمكتبة العربية التي تفتقر الى مثل هذه الابحاث الفكرية الجادة، والتي تشكل زاداً معرفياً خصباً للقارئ الحصيف، والباحث الطموح على حد سواء. ابراهيم حاج عبدي