بيان الكتب: في مشوار حياة المبدعين من فنانين وأدباء هناك محطات وأماكن معينة توقفوا عندها، تأثروا بها، عاشت في وجدانهم وخرجت في أعمالهم الفنية والأدبية فليس خافيا على أحد عشق نجيب محفوظ للقاهرة والذي انعكس في روائعه في عالم الرواية، كما لا يمكن عزل رسام عالمي مثل جوجان، عن عالمه الخاص الذي اختاره بنفسه في جزيرة تاهيتي حيث غاص هناك في حياة الفطرة والبدائية، فخرج هذا العالم في لوحاته التي تتزين بها متاحف العالم.. وفي كتاب بين الفن والأدب نجد اهتماما من المؤلف ماهر البطوطي بأهمية المكان في حياة المبدعين، الكتاب صدر منذ أيام عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ويقع في 255 صفحة. مع (فان جوخ) بدأ المؤلف الرحلة، وهذا الفنان الذي تنتشر لوحاته في مختلف بلدان العالم ما بين المتاحف المشهورة والمجموعات الخاصة حياته لم تخرج عن أوروبا وتحديدا هولندا وانجلترا وفرنسا وبلجيكا، ولكن تظل باريس هي الأقرب الى نفسه ففيها خطت ريشته أفضل لوحاته وأبرزها والتي ضمها فيما بعد كتاب فني يحمل عنوان (فان جوخ في باريس) صدر في عام 1988 احتفالا بمرور مائة عام على اقامته الثانية في باريس. ومعظم لوحات فان جوخ الموجودة في باريس معروضة في متحف دورساي ومنها لوحة (صورة الدكتور جاشيه) وكنيسة أوفير وغيرها من اللوحات. والى جانب باريس هناك (آرل) وهي مدينة فرنسية أخرى كان لها تأثير كبير على فان جوخ وتقع جنوب فرنسا وقد نزح اليها سعيا وراء الالهام والشمس التي يستطيع أن يقوم في ظلالها بدراساته للضوء وكان يحلم باقامة مستعمرة للرسامين هناك حيث يعملون جنبا الى جنب ويتبادلون الخبرات الفنية. أما مدينة أوفير التي خلدها في لوحة شهيرة له وهي كنيسة أوفير فقد كانت محطته الأخيرة وبين عيدان القمح التي تنتشر بها كانت نهايته حين أطلق على نفسه الرصاص. وينتقل المؤلف الى الشاعر الاسباني لوركا ففي غرناطة التي ارتحل اليها مع اسرته كانت باكورة أعماله الشعرية، ووجد لوركا متنفسا أكبر لحياته الشعرية والفنية إذ التقى فيها وجها لوجه بآثار الحضارة العربية والاسلامية الباهرة متمثلة في قصر الحمراء بكل أبهته وروعته ورياض (جنة العريف) الملحقة به مما أشعل خيال الشاعر وجعله يقارن بين تلك العظمة الحضارية في غرناطة وبين واقع الأندلس عامة والذي كان متدهورا في ذلك الوقت. ويبقى لوركا في غرناطة حتى عام 1919 حيث كان دائم التردد على المركز الفني هناك كما كانت له ندوته الثقافية في ركن من أركان مقهى(ألاميدا) وصدر له خلال تلك الفترة كتابه الأول بعنوان (انطباعات وصور) ولكن في نهاية عام 1919 يشعر لوركا أن جو غرناطة يضيق عن تحقيق آماله وطموحه الفني فينجح في اقناع والديه بالسماح له بالانتقال الى العاصمة مدريد، وهناك تتفتح أزهار لوركا الفنية على أجمل وجه ويبلغ فيها ما كان يحلم به من شهرة ومجد وأقام الشاعر في المدينة حتى عام 1929 وفي هذا العام يمر بأزمة نفسية طاحنة لا يجد مخرجا منها إلا في قبول منحة للسفر الى نيويورك لدراسة اللغة الانجليزية لمدة عام، وتمثل نيويورك لمحبي لوركا العالم الثاني الذي يتلمسون فيه آثاره وخطاه، ففي نيويورك وبدلا من أن يركز لوركا على دروس اللغة الانجليزية راح يمضي وقته مع المثقفين والأدباء الأسبان المقيمين في نيويورك، ويطوف معهم في أرجاء المدينة الهائلة التي أحدثت في نفسه صدمة هائلة. الصدمة جاءت وكما يرى المؤلف من سيطرة المال والمادة على كل مناحي الحياة في هذه المدينة وقد تبدى أثر زيارته لنيويورك في قصائد ديوان (شاعر في نيويورك) الذي لم ينشر إلا بعد وفاته، وفي هذه القصائد صور شعرية بالغة الغرابة تعبر عن عجز الشاعر عن فهم تلك الحضارة المختلفة تماما عن حياته في أسبانيا.أما الرسام الفرنسي كلود مونيه فيشير المؤلف الى تعلقه وتأثره بقرية (جيفرني) التي تبعد نحو 57 كيلو مترا جنوب باريس، فقد شد الرسام الفرنسي الرحال الى هذه القرية عام 1890 تاركا العاصمة باريس، وهناك استطاع مونيه أن يؤسس عالما خاصا به تمثل في الضيعة التي امتلكها والقصر الذي كان يعيش فيه فقد كان يعيش في سعة وترف لم يتحققا لأقرانه من الفنانين في ذلك الوقت وهو ما انعكس على فنه ولوحاته، فقد قيل أنه كان يدفع المال الوفير للمزارعين في القرية حتى يتركوا أكوام التبن ليرسمها في أوقات زمنية متباينة، وقد عاش مونيه في (جيفرني) حتى وفاته عام 1926 وقد ظلت حدائقه وقصره يعانيان من الاهمال حتى عام 1980 عندما عكف أحد المهندسين الفرنسيين على تحويل المكان الى متحف يضم أعمال وتذكارات وهدايا وكل ما يتعلق بالفنان الكبير. ويتوقف المؤلف كثيرا أمام الفنان جوجان فقد كان رب أسرة ناجحا يعمل في باريس في وظيفة محترمة ببورصة الأوراق المالية، وزوجا لحسناء دنماركية أنجب منها خمسة أطفال ويعيش مرتاحاً في عاصمة النور خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكن بذرة الفن كانت في صميم فؤاد هذا الفنان وتمثلت أول الأمر في اهتمامه بالرسم والرسامين وشراء اللوحات الفنية التي يحبها، وفجأة ونتيجة لانهيار الاقتصاد العالمي والفرنسي خاصة فقد جوجان وظيفته ورغم أنه كان بامكانه أن يجد عملا آخر، إلا أنه أعتبر ما حدث مؤشرا له لتغيير حياته، إذ شعر بأن الوقت قد حان لكي يطلق بذرة الفن الكامنة داخله الى النور وقرر أن يتخذ الرسم مهنة يتكسب منها. ويوضح المؤلف أن جوجان تغيرت أحواله كثيرا نتيجة لذلك هذا التغيير لم تتحمله زوجته فسافرت الى كوبنهاجن بصحبة أولادها وتركت جوجان ليبدأ رحلة من الصعلكة والسفر انتهت بأن استقل الباخرة في عام 1891 من مرسيليا متجها الى جزيرة تاهيتي ليبدأ في معايشة الحضارة البدائية والفطرية ومعاناته معها في سلسلة من الرحلات بين جزر البحار الجنوبية تلك وبين فرنسا، وقد اتسمت لوحاته ومنذ رحيله بالطابع البدائي العفوي الذي نراه في عشرات اللوحات الفنية التي تزين المتاحف العالمية واللوحات الخاصة، الطريف أن جوجان لم يجد ذاته في أول الأمر في مدينة (بابيتي) عاصمة تاهيتي فقد كان يراها بعيدة عن الحياة الفطرية البدائية التي ينشدها ولذلك اتجه الى مقاطعة (ماتايا) وهناك أقام كوخا صغيرا يعيش فيه ومن خلاله يمارس عمله كرسام وفي لوحاته ركز على أهل هذه المقاطعة من رجال ونساء وهم يقومون بأعمالهم اليومية، حيث تمتزج الطبيعة البدائية من حولهم بنفوسهم العفوية، وهو مزيج نجح جوجان نجاحا كبيرا في تجسيده للوحاته التي تعود الى تلك الفترة من حياته ومنها لوحات (امرأة وزهرة) (على الشاطئ) (نوم القيلولة) (حامل الفأس). القاهرة ـ «بيان الكتب»