نواقيس الخطر انطلقت من برج أجراس كنيسة سان مارك ومن أماكن مرتفعة أخرى في البندقية، هذه المدينة ـ الجزيرة، في ساعة متأخرة في مطلع شهر ابريل الماضي، إنما التوقيت كان متأخرا بالنسبة لموسم ارتفاع مياه المد. الصفارات أيقظت سكان البندقية والسياح من نومهم ونبهت محبي السهر إلى أنهم سيبللون أقدامهم إذ لم يهرعوا إلى منازلهم في غضون ساعتين قبل وصول الـ«أكوا ألتا» أو المياه المرتفعة. في البندقية البحر هو جزء من الحياة. مركز الإنذار في مياه المد التابع للبلدية يقع في الطابق نفسه مع قاعة الزواج في مبنى الجراند بالاس. وفيما يتبادل العرسان يمين الوفاء في القاعة الأمامية، يمضي الفنيون العاملون في الغرفة الخلفية وقتهم أمام شاشات الكمبيوتر لقراءة أحدث التقارير عن أحوال البحر ومواقع القمر. وفي الآونة الأخيرة بدا أن مياه البحر أخذت تطغى على البنادقة، فمثلا بدا ارتفاع المد في الثامن من ابريل الماضي أمرا لم يتعود عليه السكان، وهم يقولون إن المياه ترتفع خلال ساعات النهار، وليس في عز الليل. كما أن موسم المد يعتبر منتهيا في الربيع بصورة عامة، مع أن الخبراء يصرون على أن شهر يوليو هو شهر الجفاف الوحيد في هذه المدينة. وعندما تنحسر المياه يحدث عندك احساس بالموت، كما يقول جورجيو لومباردي، المهندس المعماري الذي تطل شرفة شقته على جزيرة سان ميشال التي تعتبر مقبرة المدينة. لومباردي يحتفظ بالأحذية المطاطية في منزله وفي مكتبه، وإذا حدث أنه كان في الخارج مع أحد زبائنه وبدأ تدفق المياه، فإنه لا يتوانى عن شراء زوج من أحذية مطاطية جديدة. ويتذكر لومباردي انه خرج من مكتبه مساء أحد الأيام مع اثنين من الزملاء من أمريكا الجنوبية عندما حاصرتهم المياه التي وصل مستواها إلى الركب، فهتف الزائران: «فانتاستيكو» أي «رائع». وبالنسبة لسكان البندقية فإن مياه المد المرتفعة دون كلل لا تقتحم الأبواب الخشبية للمنازل في الطبقة الأرضية فحسب، بل تصل إلى الروح. ويقول لومباردي: «المياه تبقى في روحك. وعندما تقول «كفى!» تبدأ المياه بالانحسار». المسئولون في المدينة لا يوافقون على هذا القول، بل يقولون إن تكاليف المعيشة المرتفعة والفيضانات المتلاحقة هي المسئولة أساسا عن تراجع عدد سكان البندقية من 175 ألف نسمة قبل 50 سنة إلى نحو 70 ألف نسمة حاليا. إلا أن الجدل القائم منذ عشرات السنين حول كيفية إنقاذ البندقية بدأ يثير أعصاب السكان الباقين. ففي الخريف الماضي احتذى عشرات من أصحاب المحال المطاطية للقيام بمسيرة احتجاج إلى ساحة سان مارك لمطالبة بلدية البندقية بعمل ما حيال الـ«ألكوا ألتا». والمشكلة هي أن كل فرد في المدينة له رأي مختلف فيما ينبغي عمله. والحقيقة لا يوافق الجميع على طبيعة المشكلة. والبعض يقول إن الظاهرة تزداد سوءا، فيما يرد آخرون على أنه ببساطة، الحالة لن تكون أحيانا أسوأ من السنوات الأخرى. فمثلا الفيضانات التي زادت عن 32 بوصة أغرقت البندقية 101 مرة في العام 1996 مسجلة بذلك رقما قياسيا. وفي السنة التالية بلغ العدد 79 فيضانا فقط. كما أن مستوى ارتفاع الماء أصبح أعلى من أي وقت مضى. وقد حدثت فيضانات عظيمة كثيرة، إلا أن أيا منها لم يصل إلى عمق 6.5 أقدام، أي ما يعادل المترين، كما حدث في العام 1996. وفي شهر نوفمبر الماضي، حين قام أصحاب المتاجر «بمسيرة الاحتجاج بالجزمات»، بلغ ارتفاع المياه خمسة أقدام، أي نحو 160 سنتيمترا. وتقول فرانكا باستوري، التي تقوم بتسجيل المعلومات في مركز الإنذار من الفيضانات منذ افتتاحه قبل 20 سنة: «لقد ارتفع مستوى الفيضانات فعلا في السنوات العشرين الماضية، إلا أنه من السابق لأوانه القول إذا كان ذلك يمثل توجهات جديدة، والبعض يصر على أن هذه مراحل دورية تأتي وتذهب». إنما الشيء المؤكد أن منسوب مياه البحر الأدرياتيكي الذي يسبب فيضانات البندقية قد ارتفع تسع بوصات خلال السنوات الخمسين الماضية بعد أن بقي مستقرا لعقود عدة. ويعزى سبب الارتفاع المذكور جزئيا إلى ذوبان الصفائح الجليدية وإلى شفط المياه الجوفية بشكل متماد من قبل المصانع والمعامل، مما يسبب غرق المدينة. وعادة يقرر ما إذا سيكون اليوم يوما سهلا أو صعبا، بمقدار أربع بوصات، فعندما ترتفع مياه المد كثيرا تعجز الزوارق، التي تشكل وسيلة النقل الرئيسية في المدينة، عن العبور من تحت الجسور. وعندما يرتفع المد إلى أكثر من أربعة أقدام يمنع عمال القاذورات من وضع المعابر الخشبية المرتفعة قرب المدارس والمحاكم وعلى الطرقات الرئيسية لئلا تجرفها مياه المد المرتفعة. وفي أرشيف البلدية منذ أكثر من 12 سنة هناك مشروع، الذي يقضي بتركيب حواجز نقالة على قواعد من الخرسانة في قاع البحر في نقاط رئيسية من الجزيرة، حيث تدخل منها مياه البحر الأدرياتيكي. وسترفع هذه الحواجز لتشكل سدودا مؤقتة عندما يتوقع حدوث فيضانات. وسيكلف المشروع 2.6 مليار دولار. إلا أن الحكومة الايطالية رفضت هذا المشروع، عندما ذكرت اللجنة المكلفة بالدراسة أن الحواجز قد تخلف آثارا دائمة على بيئة الجزيرة، ولكن دعاة المشروع يصرون على المضي فيه قدما. وفي مطلع السنة الحالية اقترحت الحكومة اتخاذ خطوات أخرى، ربما كتخفيض عدد مرات رفع الحواجز. ومن المتوقع أن تجرى «مداخلة» صغيرة من هذا النوع قريبا، برفع مستوى سطح سان مارك ـ وهي أكثر الأماكن عرضة لفيضان المد، بمقدار أربع بوصات. ويقول المهندس جيوفاني شيكوني ـ من مجموعة «فينيزيا نوفا» الهندسية التي طرحت فكرة بناء السدود المتحركة، إن السدود ستستعمل فقط في حال حدوث فيضانات غير اعتيادية، مما يعني، أن البندقية ستبقى لها مياه مد خفيفة. ولا يتوقع شيكوني أن يزيد عدد مرات رفع السدود على 12 مرة في السنة، فيما يقول دعاة حماية البيئة إنه سيلزم رفعها نحو 200 مرة في السنة. ويرد شيكوني على اعتراضات هؤلاء بقوله: «على الإنسان أن يقوم بالمداخلات على الدوام لأن مدينة البندقية نفسها مصطنعة. ولذلك فإن التفكير بتجميدها في الزمن هو ضرب من الأوهام». الرسام سيرجي هتشبيك يضع اللمسات الأخيرة على لوحته التي تمثل البندقية مياه المد تغمر ساحة سان مارك في البندقية