بيان الكتب: عرف السودان موجات متتالية من النازحين في تاريخه الحديث، بل ان بعض المؤرخين يعتبرون السودان أحد البلدان القلائل ان لم يكن الوحيد الذي تغيرت بنيته الديمغرافية مراراً بسبب موجات النزوح الناجمة عن الصراعات والحروب، وكتاب الدكتور شرف الدين بانقا وزير الشئون الهندسية بولاية الخرطوم (النازحون وفرص السلام- بالتركيز على تجربة ولاية الخرطوم) يحاول ان يلخص تجربة حديثة جداً لإستيعاب نازحي حرب الجنوب في العاصمة السودانية في العقد الأخير من القرن الماضي. الدكتور حسن مكي الباحث الاستراتيجي السوداني كتب في مقدمة الكتاب: تشكل السودان الحديث نتيجة لموجات النزوح وما زال السودان ارض مهجر، قوامه العرب القادمون من الجزيرة العربية، والنوبة. أهل حضارات السودان القديمة، والقبائل الزنجية التي جذبها المرعى والماء وسعة السودان، وطريق الحج، ويحسن في السودان الكلام عن التفاعل العرقي.. لا النقاء العرقي، ومع ان الأصل في الحالة السودانية الهجرات المتصلة التي ظلت ترفد الشخصية السودانية وتسهم في تشكيل نموها العقلي والفكري والنفسي.. بل وتركيبتها الفيزيائية، والبنيوية، ومن اشهر موجات النزوح التي عرفها تاريخ السودان الحديث الموجة التي قادت الى اكتساب السودان شخصيته العربية الاسلامية نتيجة لهجرات متصلة أفضى تراكمها الى الثورة السياسية التي أبرزت نواة دولة سنار الإسلامية التحالفية في نهايات القرن الخامس عشر الميلادى وفواتح القرن السادس عشر، ثم الموجة التي شكلت مدينة أم درمان (عاصمة السودان الوطنية) في عهد الدولة المهدية والتي كان قوامها قبائل غرب ووسط السودان في خواتيم القرن التاسع عشر. الا ان هذه الموجة تلاشت مع دخول الجيش الانجيلزي المصري فيما تمثلت الموجة الثالثة في نازحي الجفاف والتصحر الذي ضرب مناطق واسعة من غرب وجنوب وشرق السودان (1983-1984م) وتداعيات الحرب الأهلية في جنوب السودان، هذا فضلاً عن هجرات عشرات الآلاف من السودانيين إلى دول الخليج وأوربا وأمريكا. وقسم الدكتور كتابه إلى ثمانية أبواب، تناول في الأول مفهوم النزوح عند المجتمعات السودانية والمجتمعات المانحة، والتعريف بالنازح حسب المفهوم العالمي مع إبراز الاهتمام الدولي الذي حظي به النازحون. وفي الباب الثاني يعدد الكاتب أسباب النزوح وحجمه وأثاره، ولخص أسباب النزوح في الصراعات المسلحة والاقتتال والانفلات الأمني، فضلا عن الجفاف والتصحر الذي نجم عن قلة معدلات هطول الأمطار في مناطق غرب السودان التي تعتمد سكانها على الأمطار في الزراعة والرعي. وبين الكاتب ان اكتظاظ الخرطوم بالنازحين أدى الى تدهور البيئة العمرانية ذلك لأن النازحين قدموا الى الخرطوم أول عهدهم في مجموعات كبيرة كانت تقيم في اقرب موقع تحط فيه رحالهم، وظلوا في العراء فترات يتسولون من المناطق المجاورة ويستخدمون الأرض ابشع استخدام، وتطور وجودهم الى ما يشبه المستوطنات المتناثرة على أطراف العاصمة، وفي ظل وضع صحي مترد وظروف بيئية متدهورة، وأحوال اجتماعية بالغة القسوة. وفي الباب الثالث يعرض الكاتب احتياجات النازحين ودور المنظمات التطوعية ومنظمات الامم المتحدة في مقابلتها، ويشير الكاتب الى ان النازحين من اكثر الفئات ابتعاداً عن العنف لانهم في غالب الاحيان يتنقلون مشياً على الاقدام فيصلون منهكين وبصحة معتلة، لذا تسهل عملية استيعابهم ومعالجة ازماتهم دون اضرار بالغة. ويبين الكاتب ان الاحتياجات الضرورية للنازحين تتمثل في المتطلبات الحياتية اليومية، ويضيف: (ولأجل تحفيز النازح وتسهيل عملية ادماجه في المجتمع يقدم له الغذاء من اجل العمل او التدريب، ويشير الى ان تكثيف الجهود الوطنية المرتبطة بجهود الأمم المتحدة في مجال تأمين الغذاء للنازحين ادى الى تحقيق موقف غذائي جيد خاصة بالنسبة للنازحين الذين اعيد توطينهم في المعسكرات. ويتوقف الكاتب تحديداً عند الدور المقدر الذي قامت به المنظمات التطوعية غير الحكومية ( Ngos ) الاوروبية والامريكية التي تجاوز عددها الـ «40» منظمة لعبت دوراً نشطاً وفاعلاً في تقديم العون الانساني للنازحين في السودان، لكن الكاتب لا يغفل دور منظمات الأمم المتحدة في دعم توطين النازحين السودانيين واغاثتهم ويكتب: (تنظم الامم المتحدة عبر وكالاتها المتخصصة ومن خلال برنامج شريان الحياة، العون الانساني المقدم للنازحين السودانيين بما في ذلك المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان - حركة متمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان- والتي لا تخضع لسيطرة الحكومة السودانية ويعترف الدكتور بانقا بأن حجم المساعدات الانسانية الكبير التي قدمته منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية يفوق طاقة الحكومة السودانية مؤكداً انه ما زال لدى المنظمات التطوعية مجموعات تدعو الى الخير وتهتم بالانسان وتتعاون على البر والاحسان. وفي الباب الرابع يبين الكاتب عملية احتواء قضايا النازحين بالعاصمة السودانية ويركز على عمليات شريان الحياة، اضافة الى العمليات التخطيطية التي اجريت لاعادة هيكلة البنية الحضرية للخرطوم، كما يعرض تفاصيل المقارنة التي اجريت بين احياء ومعسكرات النازحين فيما يتعلق بامداد الخدمات والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية مع المقارنة بين احياء النازحين في مرحلتي: قبل، وبعد التخطيط العمراني. وحول تجربة ولاية الخرطوم في احتواء النازحين ومشكلاتهم اشار المؤلف الى ان العاصمة السودانية ومنذ انشائها في العام 1821م ظلت مركز جذب لحالات النزوح المتتالية، الا ان افرازات الكوارث الطبيعية والحروب والصراعات القبلية فاقمت من حدتها وزادت معدلاتها بصورة ملحوظة مبيناً ان موجات النزوح بلغت ذروتها في النصف الثاني من سنوات الثمانين من القرن الماضي بعد ان دفعت كوارث الجفاف والتصحر في غرب البلاد وجنوبها، فضلاً عن الحرب التي اندلعت في العام 1983م دفعت بأرتال من النازحين الى عاصمة البلاد، وأرجع الكاتب ارتفاع معدلات الجريمة والمخالفات السلوكية والاخلاقية ومظاهر ترييف العاصمة السودانية الى موجات النزوح المتتالية تلك. ولمواجهة تلك التحديات عملت ولاية الخرطوم على انشاء معسكرات ايواء صالحة للسكن، مع ايجاد فرص عمل وتشجيع النازحين للاستقرار في المناطق المنتجة الزراعية، وانشاء القرى النموذجية لنازحي الحرب والكوارث الطبيعية، اضافة الى حث المنظمات التطوعية الاجنبية والمجتمع السوداني على حد سواء على تقديم العون الانساني للنازحين، واطلاق الدعوات للمنظمات والدول الصديقة والشقيقة لدعم مجهودات مواجهة ظاهرة النزوح التي استشرت الى درجة تصعب مواجهتها، وتشجيع العودة التطوعية للنازحين للمناطق التي نزحوا منها بعد زوال الاسباب التي ادت الى نزوحهم، مع اقناع الجهات المانحة بالتركيز على العون الانساني ذي الطبيعة التنموية الذي يفيض ويوفر فرص عمل للنازحين حتى لا يعتمدوا على الاغاثة وحدها. محمد الاسباط