بيان الكتب: عمره ثلاثة وثمانون عاما، ومع حلول الألفية الثالثة يصبح عمره المهني ستين عاما أي أنه أقدم محام في سوريا.. لايزال يمارس عمله الذي يعشقه بهمة ونشاط مميزين.. إنه المحامي رياض العابد نجل أول رئيس لسوريا المرحوم محمد علي العابد.. وقلده الرئيس السوري الأسبق، المرحوم شكري القوتلي وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى تقديرا لنضاله ووطنيته. يوم ميلاده لا ينسى فهو في السادس من مايو عام 1916 أي اليوم الذي أعدم فيه السفاح جمال باشا الحاكم التركي في دمشق رجالات عظماء في سوريا كشكري العسلي ابن الجيران في حي الميدان العريق بدمشق. ورغم عمله بالمحاماة وكان ذات يوم نقيباً للمحامين فإنه يعشق القراءة، والكتاب عنده خير جليس يشغل به وقت فراغه، كما انه مهووس باقتناء الكتب حتى صار مالكاً لمكتبة عامرة زاخرة بمواضيع الأدب والتراث والتشريع والقانون والفلسفة وغيرها، ولا يتوانى في الوقت نفسه عن مد يد المساعدة لمن يريد كتابا لا يستطيع شراءه فهو ابن أسرة عريقة يعرفها أهل دمشق معرفة وطيدة، وهو أيضا هاديء وقور ومثقف يجد من يقابله راحة نفسية في التعامل معه.. وكان لنا معه هذا اللقاء: ـ كيف بدأت حكايتك مع الكتاب؟ ـ يقول الأستاذ المحامي رياض العابد عمري الآن يتجاوز الثمانين وسامحوني إذا لم تسعفني ذاكرتي جيدا فالعودة إلى أيام الطفولة ليس بالأمر السهل. ومع ذلك أذكر أن علاقتي مع الكتاب بدأت مع القرآن الكريم بعمر مبكر جداً حيث وضعتني أسرتي عند «الخجا» «معلمة أطفال» وكان عمري حينذاك سنتين، وحفظت بعض آيات من الذكر الحكيم، وعندما أصبح عمري ثلاث سنوات التحقت بـ«الكتّاب»، حيث حفظت وختمت القرآن الكريم، وكنت قد بلغت السبع سنوات فأقامت لي أسرتي حفلا بهذه المناسبة. ويقول: يومها لم أدرك أهمية حفظي للقرآن الكريم وكم سيساعدني في حياتي المستقبلية، شعرت فقط بزهو في شخصيتي، وثقة كبرى لدى أسرتي التي تفاخرت بدورها بي. ويتابع قائلا: تنقلت بعد ذلك كثيرا بالمدارس الابتدائية بين حي الميدان وحي المهاجرين بسبب اضطرارنا لترك الحي الذي نشأنا فيه بعد أن أحرقه الفرنسيون بالقنابل إبان الثورة وبسبب هذا التنقل وجدت صعوبة بداية الأمر في المنهاج المدرسي لأنني كنت قد تعودت على الكتاتيب واسلوب المدارس الأهلية البسيطة علما أن معلمي مدرسة المهاجرين الابتدائية وضعوني في الصف الثالث بعد أن وجدوا أهليتي لهذا الصف كتابة وقراءة. عدنا مرة ثانية إلى حي الميدان بعد إعماره ودخلت مدرسة البحصة (مدرسة الرشدية قديماً). كل هذه الفترة لم يكن الكتاب بالنسبة لي سوى كتب المدرسة وما أتعلمه منها. ـ إذاً كيف تغير مجرى حياتك؟ ـ في الصف الثامن شعرت شعوراً ملحاً بوجوب المطالعة والدراسة والتتبع خاصة كتب التاريخ والأدب والسبب يعود لأننا تتلمذنا على يد أئمة كبار في اللغة والأدب وحتى الرياضيات فكان الأستاذ الفاضل جودت الهاشمي هو أستاذ الرياضيات أما اللغة العربية (نحو ـ صرف ـ قواعد ـ بلاغة) فكان الأستاذ الشاعر الأديب محمد البزم وهو إمام من الأئمة والغريب ما يقال عن الأستاذ محمد البزم بأنه وصل إلى سن العشرين وكان أمياً لا يعرف القراءة والكتابة ثم أصبح إماماً من أئمة اللغة العربية وأدبها وشعرها.. كما درّسنا الشيخ زين العابدين التونسي الحسيني وكان اسلوبه مدهشاً في تدريس اللغة، وأعتقد انه لم يكن في تاريخ سوريا مثيلا لهؤلاء الرواد، كما كان في مكتب عنبر أيضاً أساتذة كبار أثرو في شخصيتنا ودفعنا لحب القراء منهم الأستاذ سليم الجندي وهو أيضا شخصية عظيمة في الأدب واللغة وكان درسه ثميناً الإنسان بعظمة هذا الرجل وقيمته الكبيرة وكان حينما يتكلم كأنه ينضح من بحر، والأستاذ عبدالقادر المبارك أستاذ الديانة وكانت حصته عبارة عن درس فيه متعة تذوق الفقه والأدب والتاريخ واللغة، وجميع الأساتذة في الصفوف كافة وشيئا فشيئا كانوا يدفعونا لحب تراثنا ووطننا من خلال دروسهم الممتعة الشيقة أذكر منهم أيضا الأساتذة: زكي محاسني ـ د. جميل صليبا ـ خالد شاتيلا.. وغيرهم من الأساتذة الذين عدوا مفاخر سوريا بعلمهم وأدبهم ومؤلفاتهم وأسلوب تعليمهم لطلابهم فبدأنا نتذوق الأدب. ويتابع قائلا: في عصرنا كان هناك أدباء عظام معروفين في العالم العربي.. فبدأنا نقرأ لهم من خلال ترددنا على المكتبات منها المكتبة الظاهرية للقراءة والاستعارة، كما كنا نشتري الكتب من مكتبة عرفة وكان يطلق عليها اسم «مكتبة الأدباء»، وصاحبها كان من الرجال الفاضلين الذين شجعوا الشباب والطلاب على القراءة.. وأذكر فيما أذكر أنني كنت ورفاقي مع الأساتذة نناقش ما نقرأ الأمر الذي ساعدنا كثيرا على توضيح الأمور، وكل ما كان يغيب عن ذهننا.. في ذلك الوقت قرأنا كتبا كثيرة وبدأنا بقراءة كتب الأدب للآدباء الذين كانوا هم أئمة اللغة والأدب في كافة أرجاء الوطن العربي أذكر منها كتب المنفلوطي الذي كان له فضل كبير في جذبنا للقراءة والمطالعة بسبب اسلوبه المميز والمشوق، كما قرأنا كتبا لأساتذة العصر الكبار أمثال المازني ـ العقاد ـ طه حسين ـ محمد حسنين هيكل ـ أحمد أمين، وقرأنا للشعراء منهم: أحمد شوقي ـ حافظ إبراهيم ـ محمد محمود البزم ـ خير الدين الزركلي ـ شفيق جبري ـ خليل مردم بك ـ عمر أبو ريشة ـ بدوي الجبل... وغيرهم. ـ وبعد حصولك على شهادة الحقوق.. هل استمر اهتمامك بقراءة الأدب فقط؟ ـ بعد حصولي على شهادة الحقوق وأصبحت محاميا أصبح لي نهم كبير لقراءة كتب القانون.. فقرأت غالبية المؤلفات القانونية لكافة الكتاب العرب وبدأت بجمع وقراءة الكتب الأدبية والتاريخية والتراثية والفقهية، ومكتبتي غنية بهذه الكتب فيها مجموعة كبيرة لابن تيمية ـ كتاب المغني وهو كتاب مهم جدا وأنصح الشباب المثقفين ثقافة عربية حقه بقراءته، وألا يبتعدوا عن هذه الكتب القديمة التي أصبحت تراثا ثمينا جدا في لغتنا العربية، ومن الكتب التراثية التي تزخر بها مكتبتي أيضا كتب الجاحظ ـ الأغاني ـ ومجموعة كبيرة لقدامى الفقهاء بحيث لم أعد أستطيع حصرها لأنها كثيرة جدا اعتنيت وزوجتي «السيدة مها العدوي التي كانت أستاذة فلسفة وأديبة معروفة ومغرمة بالقراءة لها مجموعة من الكتب الفلسفية»، بتنويع المكتبة بين كتب القانون والفلسفة، و،الكتب اللغوية والأدبية والشعرية والتراثية.. وغيرها. ـ متى وكيف تكونت نواة مكتبتك؟ ـ التلميذ الصغير لا تسمح امكانياته بتكوين مكتبة فهو غالبا يستعير الكتب من المكتبات، ويتبادل الكتب من رفاقه، وكنت كما ذكرت أقضي أوقات فراغي بالقراءة في المكتبات العامة ومن المواظبين عليها.. وأستطيع القول انني في آخر سني الدراسة في مكتب عنبر بدأت بجمع بعض الكتب، وعند دراستي في كلية الحقوق أصبح لدّي موارد قبل تخرجي كنت أصرفها جميعها على شراء الكتب.. وبعد أن أصبحت محاميا وسافرت إلى العديد من البلدان خاصة مصر الغنية جدا بالمكتبات والكتب والأدباء لم أضع فرصة شراء مجموعة من الكتب، وأنا أرى ان كل كتاب له قيمته العلمية والفكرية وصدق من قال بأن الكتاب خير صديق. ـ كيف تقضي أوقات فراغك؟ ـ حينما لا يكون لدي عمل أقضي كل وقتي في القراءة أحيانا أقرأ حتى الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل.. ولا يوجد كتاب معين أختاره للقراءة وانما أقرأ كل ما يقع في يدي سواء كان كتاب لغة أو أدب أو تاريخ أو قانون، ومازلت حتى الان أتابع كل جديد يصدر عن كتب القانون، أما آخر كتاب قرأته فهو ذكريات المرحوم الشيخ علي الطنطاوي وهو رجل فاضل محترم وذكرياته عبارة عن مجموعة من ثمانية أجزاء، وفي كل كتاب أقرأه أتعرف على شخص لم أتعرف عليه مسبقاً. وقرأت للمرة الثانية مذكرات خالد العظم.. الغريب في الأمر أن بعض الكتّاب الكبار لم أقرأ لهم أمثال نجيب محفوظ، فبعد أن قرأت لهذا الأديب في صغري «الحرافيش» لم يعجبني ولم أكمله، ولم أعد أقرأ له شيئا.. ثم فوجئت بحصوله على جائزة نوبل فقررت العودة لقراءة أعماله التي أعتبر نفسي لا أعرفها. ـ هل كانت لك محاولات في الكتابة؟ ـ أجل كانت لي محاولة كتابة للصحف والمجلات لكنني لم أصدر كتابا وجاءت أولى محاولاتي الكتابية بعد حضوري مؤتمر العالم الاسلامي في بغداد عام 1962 وتكليفي برئاسة الوفد العربي الذي سافر إلى أفريقيا من أجل متابعة القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية.. وبعد عودتي كتبت سلسلة من المقالات نشرتها في جريدة «الأيام» ويومها طلب مني المرحوم رئيس الجمهورية ناظم القدسي أن أضم هذه المجموعة في كتاب، كما طلب مني الحاج أمين الحسيني ذلك، وهو جاهز عندي لكنني لم أطبعه حتى الآن. كما حاولت كتابة كتب عدة جهزتها ولكنني لم أجمعها وأنسقها ـ بعضها عبارة عن مقالات نشرتها في عدد من الصحف منها «الأيام ـ الانشاء» وبعضها الآخر سياسية ـ اجتماعية ـ نقدية ـ أدبية ـ قانونية، وأذكر هنا ما كنت أكتبه في جريدة الانشاء وهو سر أذيعه للمرة الأولى الآن.. كنت أكتب زاوية بعنوان «شخصيات تحت المجهر» بتوقيع «ديك الجن» تتضمن الزاوية نقدا اجتماعيا طريفا لاذعا لبعض الشخصيات وكانت من الزوايا التي عرفت طريقها سريعا إلى القراء. كما كتبت في جريدة البلد التي كان يصدرها الأستاذ إيليا شاغوري وكنت أوقع معظم ما أكتبه باسم مستعار أيضا وهو «فتى الميدان». ـ ماذا تقول للأجيال.. وبماذا تنصحهم؟ ـ أنا أنصح هذا الجيل الصاعد أن يعني عناية كبيرة جدا بحفظ القرآن لأنه معين لا ينضب أولا، والقرآن كنز وذخيرة كبيرة في لغته وأسلوبه وحكمه وآياته العظيمة.. أنا أنظر إلى القرآن من ناحيته الدينية وهذا شيء أساسي، ولكنني أنظر إليه من جانب أنه كنز شخصي لكل شاب يريد أن يكون على شيء من الثقافة اللغوية العربية الصحيحة لأن قراءة القرآن تجعل الإنسان متمكنا باللغة.. من يحفظ القرآن يمتلك بالسليقة لغة سليمة لا عوج فيها