بيان الكتب: يعيش مؤلف هذا الكتاب منذ سنوات في اليابان وهو صاحب خمسة كتب اخرى اهتم فيها كلها بتحليل آليات عمل «العالم المعاصر» وخاصة فترة ما بعد الحداثة، ومن أهم اعماله: «الليل في كاتاماندو» و«السيدة والناسك» و«كوبا والليل». موضوع هذا الكتاب الجديد «الروح العالمية» يخص بالدرجة الأولى مستقبل الثقافة العالمية في ظل التغيرات الجديدة التي شهدها مطلع سنوات التسعينيات في القرن الماضي (العشرين) بعد انهيار جدار برلين عام 1989 ثم سقوط المعسكر الاشتراكي ونهاية الاستقطاب الثنائي الدولي، وايضاً في ظل التطورات التكنولوجية الهائلة التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة المنصرمة. ان المؤلف، وعلى مدى صفحات هذا الكتاب، يدرس الآثار المباشرة للعولمة على الافراد لاسيما وان السباق السياسي الدولي الجديد قد شجع موجات جديدة من الهجرة تقوم بها مجموعات بشرية كبيرة بحثاً عن «موطن» يؤمن الانتماء الى العالم. هكذا تمت ولادة نموذج جديد من «المواطنين العالميين والكونيين» الذين ينتمون الى ثقافة شاملة بعيداً عن التعيينات والتحديدات التقليدية. ولعل أفضل مثال على مثل هذا «النموذج» الجديد هو مؤلف هذا الكتاب الذي ولد في انجلترا من ابوين هندوكيين وعاش وترعرع في الولايات المتحدة الأمريكية كي ينتهي به المطاف في اليابان حيث يعيش منذ عدة سنوات. وينطلق مؤلف هذا الكتاب في بحثه عن «روح العالم» من لوس انجلوس، موطن المراكز التجارية والخدمات والاتصالات بشتى أنواعها الى هونج كونج حيث يعيش الناس فعلاً في فنادق كبيرة، ومنها الى «تورنتو» في كندا، هذه المدينة التي اعطاها المهاجرون من كل الاجناس والالوان حياة جديدة ومكانة جديدة كي تصبح بشكل ما صورة للعالم، ويصطحب المؤلف بعد ذلك قارئه الى «القرية الاولمبية» في اطلنطا التي يرى بها رمزاً لنزعة عالمية شاملة، لكنها نزعة قائمة على أساس تجاري وليس على أساس انساني ذلك ان المفهوم «الاولمبي» ذاته أصبح يتماشى مع «روح العصر» المادية بينما كان يرمز في الاصل الى اثبات التفوق والقوة. ان المحطة الأخيرة في «تجوال» مؤلف في هذا الكتاب عبر العالم وبحثاً عن محاولة فهم هذا العالم تتمثل في اليابان التي تقدم صيغة جديدة لمفهوم الانماء اذ انها عرفت كيف تجمع بنجاح بين آخر صيحات التكنولوجيات وبين الارث الثقافي العريق، وعبر هذا كله يبحث المؤلف في دلالات مفهوم «الوطن» في عالم «تتمازج» ثقافاته ويتطور بايقاع يثير القلق والرهبة. وفي سياق تأكيد المؤلف على عمق الانتماء الى الثقافة الكونية السائدة يرى بأن العالم الذي ننتمي له ونحب ان نراه موحداً «يشبه الى حد كبير أكثر فأكثر مجموعة من الاطفال ذوي البشرة المختلفة الألوان»، وحيث ان هؤلاء الاطفال يعلقون على الجدران في غرف نومهم صورة الممثل الايطالي الاصل «ليوناردو دي كابريو» بطل فيلم «تايتانيك» الشهير، لكنهم يختلفون اثناء نقاشاتهم عن مغزى غرق السفينة الهائلة في أول رحلة لها، انهم يعبرون عن ثقافات متعددة ولكن بواسطة «لغة مشتركة»، وضمن هذا النهج من التفكير والتحليل يؤكد المؤلف بأنه ليس من المهم مايرفعه الناس من شعارات وانما ما يضمرونه من توجهات حقيقية. وبالمقابل اذا كان العالم يتجه نحو الانتماء أكثر فأكثر الى «القرية الكونية» فإن الاشكال والآليات القديمة لاتزال فاعلة، خاصة اذا كانت تتماشى مع المصالح الخاصة للمعنيين بها، هكذا لايزال جهاز الاستخبارات الأمريكي (سي.اي.ايه) يضم عدداً من العاملين في اطاره في مختلف مناطق العالم يفوق كثيراً عدد اولئك الذين يعملون ضمن اطار منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة. كذلك وفي الوقت الذي تغزو فيه التكنولوجيا الجديدة أغلبية مناطق العالم بدرجات متفاوتة، فإن عدداً من البلدان مثل كوريا الشمالية والباراجواي تفعل كل ما في وسعها من اجل البقاء بعيداً عن عالم المعلوماتية، مع ذلك يبقى هناك أمل كبير بأن تساهم الصناعات والخدمات التي تؤمنها التكنولوجيات الحديثة، وخاصة ما تحققه شبكات الانترنت من «وصل» اجزاء العالم فيما بينها، في «توحيد» العالم وتجعله بمثابة «كتلة واحدة»، لكن يبدو ان «السلام سيكون آخر من يجد مكاناً في هذا العالم» كما ينقل المؤلف عن الفيلسوف «وينتجستاين» في جملة قالها غداة نهاية الحرب العالمية الثانية: هذا لاسيما وان اشكالاً جديدة من العنف تبرز ويزداد وجودها وتهديداتها، كما تشهد بعض المناطق الأمريكية ذاتها حيث أصبحت الحياة الاجتماعية «مهشمة» بسبب المواجهات الشرسة بين عصابات تشكلت اصلاً على أساس اتني أو قومي أو عرقي. المثال الذي يقدمه المؤلف كدليل على هذا صراع عصابات «الكمبوديين» ضد «الأمريكيين اللاتينيين» في العديد من المناطق الشاطئية الأمريكية. ومن الافكار التي تتردد في هذا الكتاب تأكيد المؤلف بأشكال مختلفة على أهمية مفهوم «الوطن» وهو يقدم الكثير من التحليلات حول جملة سمعها ذات يوم من صديق شاب له من أصل أمريكي ـ سويدي وجاء فيها: «ان الانسان الذي يجد وطنه رائعاً فإنه لايزال غضاً ومبتدئاً، اما الذي يرى في الارض كلها ارضاً له فهذا يعني انه قد امتلك القوة والصلابة.. اما الانسان الأكثر اكتمالاً وقوة فهو ذلك الذي يرى العالم كله بمثابة ارض غريبة». انها درجات متفاوتة من الاغتراب عبر العلاقة مع مفهوم الانتماء الى وطن. ان هذه الجملة التي سمعها المؤلف اصلاً للمرة الأولى من صديقه الأمريكي ـ السويدي الذي كان يسكن في نفس الشارع في كاليفورنيا. وبعد فترة من الزمن قرأ نفس الجملة في دراسة للمفكر الفلسطيني ـ الأمريكي ادوار سعيد حول الاغتراب. وفي فصل يحمل عنوان «المطار» يتحدث المؤلف عن معاني اللقاءات «العابرة» بين بشر لايطول تعارفهم سوى بعض اللحظات أو بعض الساعات في الحالات الأكثر «تفاؤلاً». وينقل عن ريتشارد فورد بعض الأسطر المأخوذة من أحد اعماله ويقول فيها: «اذا بقيت مدة عام في هذا المطار فإنك ستلتقي بكل سكان العالم». كذلك يصور عالم المطارات انطلاقاً من احداث صغيرة مثل ذلك الحديث الذي تبادله مع «خادمة اثيوبية» في احد المقاهي بمطار «شيراتون» وسألها عما اذا كانت تحب لوس انجلوس، فاجابته «الى حد ما»، قالت ذلك بلغة انجليزية جيدة مشوبة ببعض التردد. وعندما علم انها تعمل في هذا المكان منذ أكثر من سبع سنوات سألها عما اذا كانت تعاني من الحنين الى بلادها الاصلية فأجابت وهي تهز رأسها بحزن بأنها في أشد حالات الشوق لرؤية موطنها لكنها اضافت: «لكنني لا استطيع ان أعود اليه»، و«لماذا»؟ استأنف السؤال. «لانهم قتلوا أهلي»، قتلوا أبي وقتلوا اخي» ان هذا الكتاب زاخر بمثل هذه النماذج من البشر الذين تناثروا في اصقاع الأرض وحملوا في اعماقهم جروحاً غائرة اسمها باستمرار «الوطن»، وفي «المطارات» يلتقي في احيان كثيرة اولئك الذين «هربوا» من بلدانهم بحثاً عن «خشبة نجاة» في مكان ما بالعالم، مع اولئك الذين كانوا سبباً في «هروبهم». «ابطال» مؤلف هذا الكتاب هم في أغلب الاحيان شخصيات مجهولة لاتحظى حتى بمجرد التفاته من قبل اولئك الذين يقابلونها صدفة، انهم عمال مقاه وخدم في فنادق وسائقو سيارات اجرة.. الخ. ان الانتماء الى الماضي يجد تعبيراته في نصوص هذا الكتاب من خلال احداث الحياة اليومية المعاشة.. حيث يكفي مثلاً كي تكون هناك مباراة لكرة القدم بين الفريق الانجليزي والفريق الارجنتيني لتصبح شوارع «تورنتو» في كندا وكأنها قد اصبحت ارجنتينية كما دلت الاعلام المرفوعة ومنبهات السيارات الصوتية التي ملأت سماء تلك المدينة. كذلك يكفي ان تكون ملامح الانسان «شرق أوسطية» كي يبدو معرضاً للاتهام «بالارهاب» كما دلت عدة احداث شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من انه قد ثبت أكثر من مرة بأن الفاعلين بعيدون عن كل ما يمت للشرق الأوسط بصلة «انتماءً» و«ملامح». هذا الكتاب هو في صميمه محاولة لفهم العالم الحديث وفقدان الانسان لكثير من المرجعيات مما يدفعه الى الاحساس بنوع من «الاغتراب»، وينقل المؤلف عن رئيس وزراء الهند الأسبق «جواهر لال نهرو» قوله: «انني مزيج غريب من الشرق والغرب، أنا غريب في كل مكان ولا أجد موطني في أي مكان.. لا استطيع ان أكون من الغرب.. ولكنني احس احياناً في بلادي نفسها بأنني اعيش في المنفى». كان ذلك قبل ان تصبح «العولمة» واقعاً يؤمن من جهة هامشاً أكبر من الحرية، لكنها حرية «اعيدت صياغها» بحيث ان بعض الامكنة التي تحيط بنا تبدو مثل «قاعات المطارات» التي يتبدل «المشهد» فيها بسرعة مذهلة.