بيان الكتب: كريستين ستانسيل هي استاذة التاريخ في جامعة «برينستون» بالولايات المتحدة الامريكية. وهي مؤلفة عدة كتب منها «مدينة النساء: الجنس والطبقات في نيويورك الجديدة 1789 ـ 1860». تساهم بشكل منتظم في العديد من الصحف والدوريات مثل «ذا نيو ريبوبليك» و«مجلة لندن للكتاب. ذا لندن روفيو اوف بوك». وتعيش المؤلفة حالياً في برينستون بنيوجرسي. «الامريكيون الحداثيون» نيويورك البوهيميين وابداع قرن جديد هو اول عمل عن تلك المجموعات المعروفة بـ «بوهيميي نيويورك». اي اولئك الرجال والنساء الذين كانت الفترة التي عاشوا بها بمثابة المنعطف الذي شهد تحولاً جذرياً في مسيرة التطور الامريكية ومن هنا اكتسبوا صفة «الحداثيين» او «التجديديين» اذ ان همهم الاول كان يتمثل في القطيعة مع «العالم القديم» عالم امريكا «الفيكتورية» وفنها البورجوازي الثقيل وعلاقاتها الاسرية «الخانقة» واستغلالها الرهيب للتراتب الطبقي الذي تشكل عبر قرون من الزمن. ان العالم الجديد، الذي شكل الصيغة الجنينية لامريكا حديثة حقاً، جرت صياغته من قبل اولئك الذين ارادوا رفض ماض يشكل كثيرا على كاهل التقدم، وعملوا على اقامة بنى جديدة وليس بالاعتماد على النشاطات الفنية مثل الادب والرسم اللذين كانا بمثابة حجر الزاوية في مسيرة التحديث الاوروبية وانما ايضا في جميع ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ان المسيرة التحديثية الامريكية ظهرت منذ بداياتها وكأنها تتمتع بقدر كبير من التنظيم. وهذا ما عبّر عنه الصحفي الامريكي. «هوتشنز هاب غود» بالقول: «مهما كان ميدان النشاط، في الادب او الفن التجريدي او غيرهما... فاننا عرفنا بالاعتماد على الحس العفوي الغريزي كيف نهدم الصيغ القديمة وننسف الارض المعتادة بحيث يمكن لازهار جديدة ان تنبت». يعود تاريخ ظاهرة بوهيميي نيويورك الى السنوات الاولى من القرن العشرين. وقد عبّرت عنها مجموعات من الاشخاص «غير التقليديين» ومن ذوي المواهب الادبية والفنية اجتمعوا في احد احياء مدينة نيويورك اطلقت عليه تسمية «جرينويش». لقد وضع هؤلاء امام اعينهم هدفاً واحداً سعوا لتحقيقه ولم يكن اقل من «تغيير العالم». لقد انتهجوا سبيلاً يقوم على اساس حرية التعبير والسلوك في مواجهة كل اشكال النزعات المحافظة سياسياً وادبياً وفنياً واجتماعياً. ونبذوا «الفن البورجوازي الثقيل». ان المحصلة العامة لاطروحات هذه المجموعات بدت وكأنها بمثابة اعلان عن توجه «جديد» ولو لم تكن ملامح ذلك التوجه واضحة. وفي هذا الكتاب «الامريكيون الحداثيون» تقدم مؤلفته كريستين ستانسيل اول تاريخ مفصّل لتلك الفترة «الاسطورية» كما وصفتها، التي شهدتها مدينة نيويورك في مطلع القرن الماضي «العشرين». وهي تقود قارئها الى اعماق حي «جرينويش» في وسط المدينة حيث كان يجتمع «معارضون» للمنظومة الاجتماعية السائدة تجمع بينهم بشكل عام صفة «الابداع» وكانوا ينتمون الى مختلف الشرائح الاجتماعية.. كما كان بينهم المتشردون ولكن ايضا اساتذة جامعيون عمل بعضهم لسنوات في جامعة هارفارد الشهيرة، وشخصيات شهيرة جعلت من القيام باعمال ذات طابع انساني هدفاً رئيساً لها ولنشاطاتها، وانصار لحركات حقوق المرأة وشعراء وفوضويون... الخ. ان نيويورك البوهيميين كانوا وكما تقدمهم مؤلفة هذا الكتاب وكما يبدو ايضا من عنوانه الفرعي، يعيشون امالاً كبرى حيال القرن الجديد الذي كان ينتابهم الاحساس بانهم «يطلّون» عليه من اعلى بل كانوا يعتبرون انفسهم بمثابة «عرّابين» له. كانوا باختصار يطمحون الى «ابداع» قرن جديد تسوده النزعات التحديثية وحسن المساواة في الوقت نفسه. لقد ازدهرت مثل هذه الاطروحات كثيرا لفترة قصيرة من الزمن ولاقت أصداء واسعة في عموم المجتمع الأمريكي، وذلك حتى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى وحيث تغلّب «الاحساس الوطني» على جميع النزعات التحديثية. وبهذا المعنى أعطت مؤلفة هذا الكتاب للحركة الطبيعية النيويوركية، ومن خلالها الأمريكية، معاناة مرموقة على صعيد مساهمتها الفعّالة في ابداع الثقافة الأمريكية خلال القرن العشرين. وقد اعتبر مؤلف آخر هو «اريك فونير» بأن مساهمة أولئك الطليعيين كانت ذات أهمية كبيرة، كما شرح مطوّلاً في كتابه «تاريخ الحرية الأمريكية». وإذا كانت المؤلفة تؤكد على «محلية» التيار البوهيمي في مدينة نيويورك خلال السنوات الأولى من القرن العشرين، فإنها تؤكد أيضاً في الوقت نفسه على بعده الشامل «الكوسموبوليتي». انه تيار «نرجسي» من جهة، لكنه وجه أصداءه على المستوى الثقافي العالمي كله. ان الصورة التي يتم تقديم «بوهيمي نيويورك» بها هي انهم كانوا «خبراء» في تقديم أنفسهم بصورة «ساحرة». انهم لم يكونوا مجرد فنانين وإنما كان من بينهم وجوه نسائية «شجاعة» ورجال «مثاليون» وثوريون قادمون وعمّال لديهم رجاحة في الفكر والبصيرة. وكانوا كلهم يتفاخرون بأن لديهم طريقة «جديدة» للنظر إلى الجهد الفني والسياسي ولصيغة التعايش مع المجتمع. لقد جعلوا من «قرية ـ جي ـ جرينويتش» رمز امكانية انتقال أمريكا إلى عصر جديد. ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في القول بأن هؤلاء الطليعيين قد ساهموا كثيرا في رفع شأن مدينة نيويورك إلى مصاف المدينة الأمريكية الأكثر رقيا في أمريكا خلال الجزء الأول من القرن العشرين. كانت نيويورك في السابق موقعا مهما لفترة طويلة من الزمن لكنها لم تعط أبدا قبل عام 1900 الانطباع بأنها تتمتع بـ«خصوصيات» تميزها، لكن «البوهيميين» الجدد أعطوها مثل هذه الخصوصية ومثل هذا التميز، كما اسبغوا على «مانهاتن» نوعا من الأهمية لايزال يتحلّى بها حتى الآن. وقبل بداية القرن العشرين حازت مدن أخرى على مكانة عواصم «اقليمية» ذات ثقافة متميزة. وكان يمكن مثلا لمدينة مثل بوسطن أن تكون موقعا هادئا تقطنه خاصة البورجوازية العليا لكنها عرفت هي أيضا وجود «حلقات» من البوهيميين، ودعمت مدينة سان فرانسيسكو أوساط الكتّاب والفنانين الذين جذبتهم أنوارها ونوعية الحياة فيها. وكانت «اورليان» الجديدة «واجهة موسيقية» شهدت التجارب الأولى الناجحة لموسيقى الجاز الحديثة على يد فنانين أفروأمريكيين نالوا شهرة عالمية ولاقت موسيقاهم انتشارا كبيرا. ولم تكن مدينة شيكاغو بعيدة عن روح العصر إذ كانت مركزا صناعيا كبيرا وناطحات سحابها الشاهقة، مما جعل منها «المدينة الأكثر جدّة في عصر الجديد». وقد بدت في الولايات المتحدة الأمريكية خلال مطلع القرن العشرين متى كانت مدينة مانشستر بالنسبة لبريطانيا خلال القرن التاسع عشر. كان أولئك الحداثيون الذين جعلوا من حي جرينويتش مكان تجمع لهم قد قدموا من أماكن مختلفة وفي ظل ظروف مختلفة أيضا، ومن أمريكا وأوروبا. وكانوا بأغلبيتهم من ذوي الميول الثورية أو الاشتراكية ومن أبناء الطبقات الوسطى. وكان بعضهم قد قدم من أماكن بعيدة، وخاصة من روسيا وأيضا من المدن الصناعية الانجليزية. لكن إذا كان هؤلاء جميعا قد اجتمعوا تحت راية الحداثة والتحديث فإنهم قد عرفوا فيما بعد مصائر متباينة جدا. لقد البعض إلى العيش كمنفيين سياسيين عن بلدانهم بينما عاد آخرون إلى هذه البلدان وغدا هؤلاء «الأصدقاء القدامى» بأغلبيتهم خبراء بـ«الشئون الأخلاقية» مع تمتعهم بثروات طائلة. لقد دخلوا في آليات عمل الدولة بل وأصبح العديد منهم في مناصب حساسة. ان مصيرا مشابها عرفه أيضا أولئك الذين كانوا قد تزعموا حركة الطلبة ـ ثورة الطلبة، كما يقول البعض ـ في فرنسا خلال شهر مايو من عام 1968. ان مؤلفة هذا الكتاب تقدم العديد من الأمثلة والنماذج لأولئك الذين كانوا في عداد «بوهيميي» نيويورك في مطلع القرن الماضي، ثم عادوا إلى بلدانهم، ومن بينهم روائيون وصحفيون ورسامون ومفكرون سياسيون وثوريون متزمتون ونقابيون وممثلون.. وغيرهم. كتاب عن لحظة تاريخية حاسمة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الحديثة