بيان الكتب: عمل جان بيير فيرنان، أحد مؤلفي هذا الكتاب، أستاذاً شرفيا في «الكوليج دو فرانس»، وكان قد أسس عام 1964 مركز الأبحاث المقارنة حول المجتمعات القديمة. وبيير فيدال ناكيه هو مدير دراسات في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية في باريس. وكان قد عمل مديرا لمركز الأبحاث المقارنة حول المجتمعات القديمة منذ عام 1984، عند تخلي مؤسسه فيرنان ـ المؤلف الآخر لهذا الكتاب عن هذه الإدارة، وحتى عام 1997. يقوم مؤلف هذا الكتاب بدراسة «اسطورة أوديب» انطلاقا من بداياتها التاريخية كما ظهرت في كتابات «سوفوكل» والذي يفضل البعض تسميته «سوفوكليس»، والذي كان قد ألف عملين مسرحيين معروفين هما «أوديب الملك» و«أوديب في كولونا». ومن هنا تكتسي دراسة «أوديب» في هذا الكتاب بعدا تاريخيا. لقد جهد المؤلفان من أجل شرح نص شاعر عاش القرن الخامس بأثينا، عاصمة اليونان، ولكن عبر استخدام مناهج البحث الراهنة، إن هذا النص يحتوي من جهة على «رواية اسطورية» كانت مكرّسة لـ«المسرح» مما يعني ترافق النص مع الغناء والموسيقى وأحيانا الرقص، ولكن يخضع من جهة أخرى لرؤية الجمهور المعاصر ولقيمه. لكن من الواضح في الوقت نفسه أن مؤلفي هذا الكتاب لا يريدان تقديم أوديب بـ«ثياب جديدة» في مواجهة «أوديب» الذي رسمه سيجموند فرويد في تحليله النفسي أو الذي قدمه مؤسس البنيوية مكلودليني ستروس الذي حاول تفسير اسطورة أوديب من خلال بناء «نموذج مجرّد» مقطوع إلى حد كبير عن «تاريخيته». ولا شك أنه من الصعب، إذا لم يكن من المستحيل، على قاريء نصوص «سوفوكل» اليوم عن «أوديب» استقبال المعلومات بالطريقة التي استقبلها معاصرو المؤلف على مدرجات مسارح أثينا في القرن الخامس. ان تغير الوسط الاجتماعي والمنظومات الفكرية والعلاقة مع الذات ومع الآخر ومع العالم يعني حكما تغير وسائل التواصل ذاتها. وبالتالي لا يمكن لـ«أوديب» الذي يتم تقديمه اليوم أن يكون أوديب نفسه الذي «عرفه» اليونانيون الذين «عاصروه». لكن، وهنا تكمن أهمية عمل مؤلفي هذا الكتاب، عمل المؤرخ لا يجد في الواقع تبريره إلا في محاولة إعادة صياغة نماذج تاريخية زالت وبالتالي «احياء» الماضي عبر كتابات تاريخية على الرغم من أن عيش هذا الماضي لم يعد ممكنا. هكذا يقوم مؤلفا هذا الكتاب بمحاولة رسم لوحة عيانية للواقع الذي عرفته أثينا خلال القرن الخامس بكل رموزه ودلالاته لخلق الاطار الملائم لرسم «أوديب» وتحليل اساطيره. يبدأ المؤلفان بتحليل صورة «أوديب» كما قدمّها سيجموند فرويد عام 1900 للمرة الأولى ورأى. كما هو شائع في طريقته بميدان التحليل النفسي، بأن «عقدة أوديب» تعود إلى طفولته التي يعتبرها بمثابة الفترة الحاسمة في التكوين «النفسي» للإنسان. و«اسطورة أوديب» التي صاغها «سوفوكليس» اليوناني قديما في مسرحية عنوانها «أوديب الملك» تمثل ترجمة لتلك «العقدة». هكذا وجه طبيب في مطلع القرن العشرين «برهانا» على الأفكار التي طرحها في عمل أدبي يعود إلى الثقافة اللاتينية خلال القرن الخامس. لكن من الملاحظ ان «تفسير فرويد للتراجيديا بشكل عام، ولـ«أوديب الملك» بشكل خاص، إذ انهم تابعوا أبحاثهم وكأن فرويد لم يقل شيئا. ما يؤكده مؤلفا هذا الكتاب هو انهما لا يريدان الخوض في مجمل الأساطير الخاصة بأوديب أو بالتراجيديا اليونانية وانما تحديدا في مسرحيتي «أوديب الملك» و«أوديب في كولونا». ويناقش المؤلفان على مدى فصل كامل في هذا الكتاب شخصية «أوديب» كما رسمها المفكر الفرنسي، ومؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس. ويريان أن الأفكار التي تقدم بها قد غيّرت بشكل جذري من مجال الدراسات الاسطورية «الميثولوجية» بحيث ان «اسطورة أوديب» أخذت منحى جديدا في طريقة التفكير الخاصة بالعقل الاسطوري ذاته. وفي المحصلة تبدو الصورة التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب لـ«أوديب» كنموذج للتراجيديا اليونانية القديمة، وربما للتراجيديا الانسانية كلها، وفي نهاية مسرحية «أوديب الملك» نقرأ الجملة التالية: «علينا أن نتحفظ كثيرا قبل أن نقول عن انسان ما انه انسان سعيد، وذلك قبل أن يكون قد أنهى حياته دون أن يعرف أي حزن عميق.. هذا «الرجل السعيد» لم يجده المؤلفان إلا في شخصية «سوفوكليس ذاته» الذي قال عنه «فرينيسكوس» أحد أقرانه: «يالسعادة سوفوكليس! لقد مات بعد حياة مديدة زاخرة بالحظ والموهبة، لقد كتب نصوصا مأساوية ـ تراجيدية ـ عديدة وجميلة وقد عرف نهاية جميلة إذ لم يعان أبدا من أي ألم». كتاب عن اسطورة أوديب وعن أبطال اليونان القدامى ومدنها وقيمها ومعارفها وفنونها، بقلم كاتبين كرسّا معا عدة كتب لدراسة اليونان القديمة وكرس كل منهما نحو عشرين عملا لهذه الحضارة العريقة