بيان الكتب: هيلين بينيه هي خريجة «مدرسة اللوفر» للفنون وتعمل منذ عام 1976 مسئولة عن قسم التصوير في متحف «رودان» بباريس. أصدرت عدة مؤلفات من بينها «رودان» و «خمسة مصورين معاصرين» و «ألوان الزمن» و «رودان النحات ومصورو عصره» إلخ. فرانسوا أوجست رودان موضوع هذا الكتاب، هو أكبر نحاتي عصره، وربما أحد أكبر النحاتين في تاريخ الإنسانية كلها، من مواليد عام 1840 في باريس حيث كان أبوه قد قدم من منطقة «النورماندي» كي يقيم في العاصمة ويعمل كـ «خادم في أحد مكاتب الشرطة» لكن أوجس رودان الابن حرص باستمرار فيما بعد على أن يخفي مهنة أبيه باختصار «عاش رودان حياة عائلية متواضعة وطفولة غامضة وقلقة». كان رودان فتيً حالماً منذ طفولته وكان يتسلى باللعب بكل ما تقع عليه يداه، وكان رودان قد قال ذات يوم: «عندما كنت طفلاً كنت أقوم بالرسم، كان البقال صاحب المخزن الذي كانت تعمل فيه والدتي يضع ثمار الخوخ لزبائنه بأكياس من الورق مصنوعة من الكتب ذات الرسوم الملونة، وكنت أقوم بنقل تلك الرسوم ، كانت تلك هذ النماذج ـ الموديلات ـ الأولى التي استخدمتها، لكن هل كان هذا القول يعود إلى ذكرى حقيقية أم انها مجرد حكاية ابتدعها كي يشير لأولئك الذين يرغبون كتابة سيرة حياته إلى مواهبه المبكرة؟! كان رودان في سنوات شبابه الأولى خجولاً ويعاني من عيب شديد في الرؤية، ولم يكن رودان ناجحاً في دراسته إلى درجة انه كان يعرف بالكاد القراءة والكتابة وبعض مبادئ الحساب، عند بلوغه سن الرابعة عشرة، وفي ذلك الوقت كانت تلك هي السن التي ينبغي فيها على الفتيات ان يتعلمن مهنة، أراد الفتى أوجست ان يتعلم الرسم بعد ان تصفح كتابا عن النحات والرسام الايطالي مايكل أنجلو، لكن أباه لم يكن يرى في الرسم «مهنة جدية» أصر الفتى ومساعدته والدته وأخته في ثني والده عن ارغامه على تعلم مهنة «تتماشى أكثر مع وضعه الاجتماعي، ودخل إلى المدرسة الامبريالية للرسم» وكانت مدرسة «مجانية» تأسست في ظل حكم لويس الخامس عشر عام 1765 وأصبحت عام 1877 «المدرسة الوطنية لفنون الزخرفة» وعلى الرغم من ان هذه المدرسة كانت مكرسة في الأصل لتعليم الرسم إلا انها كانت تقوم بتدريب حرفيين يعملون في مهن لها علاقة بالفن مثل النجارة وصب القوالب وصناعة الأقفال.. إلخ، لكن المدرسة استعادت شيئاً فشيئا مكانتها الفنية. كان أحد أساتذة رودان يشجع طلبته كي يقوموا بعملهم الفني في أحضان الطبيعة وهذه فكرة لم تدخل إلى كلية الفنون الجميلة في باريس سوى في فترة لاحقة متأخرة. لقد تعلم رودان من تلك التجربة درسا لم يتخل عنه طيلة حياته وهو ان النور الطبيعي هو الأفضل من أجل اعطاء قيمة أكبر للأشكال بل وقال فيما بعد: النحت هو فن في الهواء الطلق، لكن باريس أصبحت بنفس الوقت بمثابة قاعة درس واسعة بالنسبة للفتى رودان المتعطش إلى المعرفة، لقد تجول في جميع أمكنة العاصمة التي كانت تعطي دروسا مجانية في الرسم، بالاضافة إلى المتاحف والمكتبات المختصة أما أوقات فراغه فقد كرسها لقراءة فيكتور هوجو وفيرجيل والفريد دو موسيه ولامارتين. اشتهر أوجست رودان كأحد أكبر عبقريات النحت التي عرفتها الانسانية لكنه بدأ نشاطه الفني في ميدان الرسم، بل ولم يكن «فن النحت» يعني له أي شيء في البداية، لقد اكتشفه «صدفة» وذلك عندما فتح ذات يوم باب صالة «صب القوالب» كان رودان يعتقد مثل الكثير من نحاتي القرن التاسع عشر، بأن النحت مرادف لفن «صب القوالب» عرف ان ذلك هو عالمه، يقول: للمرة الأولى رأيت الطينة الصلصالية وبدا لي انني أصعد نحو السماء. ثم يضيف: قمت أولاً بنحت أطراف منفصلة، أذرع ورؤوس وأقدام، ثم انتقلت إلى نحت الجسد كاملاً، كنت أفعل ذلك بنفس السهولة التي أعرفها اليوم. وعند بلوغ رودان سن السابعة عشرة أراد الدخول إلى مدرسة الفنون الجميلة في باريس ونقل رسومه والتماثيل التي كان قد نحتها ومن بينها تمثال لوالده ـ هو عمله الأول ـ إلى تلك المدرسة بعربة «يدوية» كان يجرها. لكن طلب رودان قوبل بالرفض ثلاث مرات متتالية. واشتغل كـ «صانع تماثيل» بعد ان ترك دراساته مضطراً اذ كان ينبغي عليه في إعالة اسرته بعد ان كان والده قد أحيل الى التقاعد، لكنه كان يعمل في النهار لحساب «الآخرين» بينما كان يقوم بالنحت ليلاً لتماثيله الخاصة به. ضمن هذا السياق عرف رودان أول مأساة عائلية بوفاة اخته ماريا، التي كان يكن لها حباً كبيراً. لقد عاش رودان حياة قاسية وصفها هو نفسه بالقول: «لقد عرفت حتى سن الخمسين كل آلام الفقر» وايضاً: «لقد عملت كثيراً لدى الآخرين. ان اولئك الفقراء من امثالي الذين لم يكونوا يحظون باعانة من الدولة أو بأي مرتب، عملوا لدى الجميع». ولكن مع قدوم عام 1864 عرف رودان أول منعطف في مسيرته الفنية، اذ استطاع ان يستأجر أول «مشغل للنحت» يصفه بالقول: «لن انساه طيلة حياتي، المشغل الأول الذي امضيت فيه لحظات عصيبة»، وفي نفس العام 1864 التقى رودان بـ «روز بوريه» وأنجب منها طفلاً حمل اسم «اوفست» ايضاً، لكن «رودان» لم يعترف به ابداً ولم يتزوج رسمياً «روز بوريه» التي ظلت مع ذلك رفيقته المخلصة طيلة ثلاثة وخمسين عاماً كانت تقوم بعمل المنزل وتخدم كـ «موديل» ايضاً بالنسبة للنحات، وهي صاحبة تمثال «الالزاسية» الشهير. وبعد ان فشل رودان في الدخول الى مدرسة الفنون الجميلة في باريس، قام ايضا «صالون الفنانين الفرنسيين» برفض مشاركة النحات في احدى دوراته حيث كان قد تقدم بتمثال معروف ـ فيما بعد ـ حمل اسم «الرجل ذو الانف المكسور»، وعندما انفجرت الحرب الفرنسية ـ الروسية عام 1870 هاجر رودان الى بلجيكا حيث مارس هناك ولمدة ست سنوات، في العاصمة بروكسيل، النحت وعرض للمرة الأولى منحوتاته عام 1871، ليعلن بذلك «رسمياً» ولادته كـ «نحات». وبدا بوضوح في اعمال النحت التي انجزها تأثير النحات الايطالي ميكائيل انجلو، وكان قد كتب لـ «روز» في رسالة له من فلورنسا التي زارها للمرة الاولى عام 1875 يقول: «سوف لن يدهشك القول بأنني منذ وصولي الى فلورنسا اقوم بدراسة على أعمال ميكائيل انجلو. واعتقد ان هذا الساحر قد ترك لي بعض اسراره»، ويضيف: «ان رأسي المملوء بالنماذج اليونانية التي كنت قد درستها في اللوفر ـ متحف اللوفر ـ تجعلني مضطرباً امام أعمال ميكائيل انجلو، اذ ان هذه الاعمال تنقض في كل لحظة الحقائق التي كنت أعتقد انها نهائية بالنسبة لي». وعندما عاد رودان الى باريس وجد ان «المستقبل قاتم واشكال من البؤس تلوح في الافق»، على حد قوله، كانت مشاريعه وطموحاته قد كبرت، وكان لابد له من الحصول على مشغل كبير يبلغ علوه ستة أمتار على الأقل من اجل التماثيل الضخمة التي كان بصدد انجازها. كان رودان قد نال شهرة كبيرة واصبح مطلوباً من الاجواء الفنية الباريسية خلال عقد الثمانينيات من القرن التاسع عشر. لقد توسعت نشاطاته واصبحت ورشته تضم عدداً هاماً من العاملين. في عام 1883 التقى رودان بـ «كاميليا كلوديل» اخت الشاعر «بول كلوديل»، كان عمرها 19 سنة وأرادت ان تصبح «نحاتة» رغم معارضة أهلها، وسرعان ما بدأت بينهما النحات «المعلم» والطالبة قصة حب دفعت بـ «كاميليا كلوديل» الى حافة الجنون حيث اقضت السنوات الأخيرة من حياتها في احد المصحات العقلية وكادت ان تودي بحياة رودان العائلية. رفع «رودان» اثناء مسيرته الفنية شعاراً يقول: «في التبسيط تكمن العظمة الحقيقية»، وهذا ما نفذه في تماثيله التي نحتها وكان العديد منها من وحي علاقته بكاميليا كلوديل والتي استمرت أكثر من عشر سنوات، وايضاً في التماثيل التي نحتها لادباء كبار من امثال هونوريه دوبلزاك وفكتور هوجو وشارل بودلير.. وغيرهم. في احد أقوال «ريلكه» عن أعمال رودان: «ان المرء يجول في آلاف الاشياء التي أبدعها ثم يلتفت بصورة لا ارادية نحو اليدين اللتين صاغتا هذا العالم». اليدان اللتان تجرأتا نحت كل شيء مع عبقرية لا حدود لها