بيان الكتب: جون سبرينغال، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ للتاريخ في جامعة اولستر. ساهم في العديد من الدوريات المختصة التي تعنى بدراسات التاريخ المعاصر وخاصة في مجلة «التاريخ الاستعماري وتاريخ دول الكومنولث». يدرس المؤلف في هذا الكتاب، وكما يدل عنوانه، حركة نزاع الاستعمار في العالم منذ نهاية عام 1945، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد تمّ توزيع مادة البحث بين سبعة فصول أساسية تبحث في آليات نهاية الحقب الاستعمارية تبعا للمناطق الجغرافية المعنية بها، تبدأ بجنوب شرقى آسيا وتنتهي بـ«مقاطعات ما وراء البحار» ومروراً بمناطق الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط وافريقيا ومنطقة الكاريبي. شهدت سنوات ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تصاعد نشاط عدد من حركات التحرر في العالم. كان الهدف المعلن دائما هو جلاء القوى الاستعمارية عن البلدان التي كانت قد احتلتها، ومنذ القرن التاسع عشر أحيانا في سباق التوسع الاستعماري الذي كانت أوروبا ـ القارة القديمة ـ هي رأس الحربة فيه وذلك كثمرة للثورة الصناعية وما حققته من تقدم لبلدان هذه القارة سمح لها أن تفرض نفسها على دول العالم الثالث الأقل تقدما والغنية بالمواد الأولية وبالثروات الطبيعية والبشرية. وكانت «عودة» هونج كونج إلى الصين «الوطن الأم» وذلك بعد تواجد استعماري في الجزيرة استمر قرابة قرن من الزمن بمثابة أحد آخر «الحركات» في مسيرة تاريخية طويلة من عملية جلاء الاستعمار الأوروبي عن المناطق التي كان قد تواجد فيها، وحيث ترافقت تلك العملية من «الجلاء» مع تراجع السيطرة السياسية الصارمة بالنسبة لمقاطعات ما وراء البحار، أي التي كانت وظلّت مرتبطة مع القوة الاستعمارية القديمة مع تمتعها بهامش لا بأس به من الاستقلال الذاتي. ان هذا الكتاب يشكل محاولة لشرح الآليات «لماذا؟ وكيف؟» التي أدّت إلى تخلّي القوى الأوروبية الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية عن مستعمراتها «بقرار ذاتي» أحيانا.. مثل قرار بريطانيا في نهاية عقد الستينيات الماضي بالنسبة لمستعمراتها في منطقة الشرق الأوسط حتى مصر، وبـ«الطرد» غالبا من قبل حركات التحرر الوطني في البلدان المعنية. ويركز المؤلف بشكل خاص على تحليل المحاولات الأوروبية الرامية إلى «إعادة استعمار جنوب شرقى آسيا»، بينما كانت هناك حركة بالاتجاه المعاكس في مناطق جنوب آسيا والشرق الأوسط وحوض المتوسط، وكما يتم تحليل آليات انهاء الاستعمار لافريقيا وذلك ابتداء من مطلع سنوات الخمسينيات. ومن بين المواضيع المهمة التي يرى المؤلف بأن لها خصوصيتها هناك قيام البريطانيين بتجزئة الهند، إلى جانب الحروب «الاستعمارية» الفرنسية الهندية الصينية، وفي الجزائر ـ التي يتم تكريس عدد مهم من الصفحات لدراستها، مع دراسة عدد من الحالات العيانية الأخرى مثل المعارك التي خاضها الانجليز في عدن وكينيا وماليزيا وقبرص ورحيل البرتغاليين عن انجولا وموزمبيق، وتشكل في هذا السياق مسألة وصول السود في افريقيا الجنوبية إلى السلطة بعد عقود طويلة من هيمنة نظام عنصري «أبيض» أحد الاستثناءات النوعية في عملية انهاء الاستعمار.. ويمكن أن نقول الشيء نفسه تقريبا بالنسبة لزبمبابوي. ويتمثل الخط الناظم في شروحات هذا الكتاب بالتركيز على تحليل المراحل النهائية لفك الروابط الاستعمارية للعديد من البلدان مع قوى استعمارية «امبريالية» كانت تسيطر على قسم كبير من العالم. كما يتم التركيز على الكيفيات التي تشكلت على أساسها المفاهيم والأفكار الوطنية لدى بلدان حصلت على استقلالها حديثا. وتبقى مسألة العلاقة بين هذه الدول ـ المستقلة حديثا ـ وبين القوة الاستعارية ـ في الأمس ـ موضع نقاشات مستفيضة في هذا الكتاب. ثم لابد أن نلاحظ بأن بعض مقاطعات ما وراء البحار ظلت، ولاتزال بعضها حتى الآن، موضع خلافات كبيرة بين القوة الاستعمارية وبعض الدول المجاورة التي تريد السيطرة عليها وتعتبرها جزءا من سيادتها الوطنية مثلما هو الحال بالنسبة لجزيرة فولكلاند ـ مالوين ـ بين بريطانيا والارجنتين والتي كانت سببا في مواجهات دموية بينهما في مطلع عقد الثمانينيات، وأيضا بالنسبة لمنطقة مضيق جبل طارق التي تتنازع عليها بريطانيا واسبانيا. وفي هذه الحالات كلها يتم التأكيد على دور النخبة في كل بلد من البلدان المعنية وحيث يرى المؤلف في هذا الدور عاملا حاسما في تشكل الوعي الوطني، هذا على الرغم من أن نسبة كبيرة من النخب المعنية كانت قد تلقت تكوينها العلمي، وأحيانا السياسي، في البلدان الاستعمارية. وفي الفصل الأول من هذا الكتاب يتعرض المؤلف لتحليل الأشكال «الجنينية» لحركات التحرر الوطني الداعية للخلاص من الوجود الاستعماري قبل عام 1945. ويرى أن أولئك الذين كانوا قد عارضوا القوى الاستعمارية في بلدانهم لم يلقوا الكثير من التجاوب لدى مواطنيهم، كما واجهوا الكثير من المصاعب والعقبات، لاسيما وانهم كانوا يواجهون قوى خرجت منتصرة من الحرب الكونية الأولى بعد انهيار أكبر امبراطوريتين آنذاك، أي الامبراطورية العثمانية والامبراطورية النمساوية ـ الهنجارية. وبالتالي أبدت هذه القوى المنتصرة تصميما كبيرا على عدم الرضوخ لمطالب معارضيها واتخذت مواقف تقوم على أساس التشدد في القمع حيال أي تمرد يواجهها. لكن هذه المعادلة تغيّرت إلى حد كبير بعد الحرب العالمية الثانية إذ إن هذه القوى نفسها قد خرجت، ورغم انتصارها في الحرب، مهشمة وفي حالة قصوى من الضعف. إن القوتين المنتصرتين حقيقة في الحرب العالمية الثانية كانتا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي (السابق). لكن إذا كانت الحرب العالمية الأولى قد انتهت إلى تحلل أكبر امبراطوريتين «تقليديتين» ـ العثمانية والنمساوية، الهنجارية ـ فإنها أيضا كانت بمثابة الحافز لظهور أفكار ذات طابع تحرري، خاصة في المناطق التي كانت تقع تحت سيطرة الامبراطوريتين المذكورتين، مما بدا بمثابة بداية لمسيرة الانحطاط الامبريالي، وجاءت الحرب العالمية الثانية كي تزيد من تسارع مثل هذا التوجه. لكن هذا لا يعني أبدا، كما يبدو من التحليلات التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب، بأن مسيرة ولوج سبل جلاء القوى الاستعمارية عن البلدان التي كانت تحت احتلالها، كانت بمثابة نتيجة محتومة ـ لا يمكن تجنبها ـ للحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945. ومن الملاحظ في هذا السياق بأن المؤلف يؤكد في جميع الشروحات التي قدمها في هذا العمل على أهمية الديناميكيات، الخصوصية لكل بلد من البلدان، وحيث تتضافر عوامل عديدة كي تؤدي الى انطلاق حرمات التحرر. انه يرفض مثل هذه الرؤية ـ الميكانيكية ـ للصيرورة التاريخية مع تأكيده بأن الحربين العالميتين قد «ساهمت» وربما «سارعت» في المسيرات التحررية لبلدانها، لكنهما لم تكونا العنصر «الحاسم» في انطلاق مثل هذه المسيرة. وفي التحليلات الخاصة بمناطق جنوب آسيا والشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط يشير المؤلف إلى واقع ان «رياح التغيير» التي بدأت تعصف بمختلف القوى الاستعمارية الاوروبية في جميع مناطق تواجدها الاستعماري انما قد شرعت بالهبوب انطلاقا من منطقة المحيط الهندي. وهكذا تمّت مغادرة شبه الجزيرة الهندية قبل تسع سنوات من تخلّي بريطانيا عن أية مستعمرة من مستعمراتها في القارة الأفريقية. ويبدو حصول الهند على استقلالها عام 1947 بمثابة أحد أهم أحداث الاعلان عن نهاية الاستعمار والحقبة الاستعمارية التي ولّدتها الثورة الصناعية الأولى، خلال القرن العشرين وتبع استقلال الهند بفترة قصيرة استقلال سيلان (سريلانكا). ولاشك بأن تفكيك شبه القارة الهندية انما كان بمثابة حل قاس وجزئي لاستقلال الهند اذ انه لم يؤد بالصورة التي تمّ بها إلى رضى الأطراف المعنية به. بل وان ذلك كان يعني بالنسبة للانجليز انفسهم فشلهم في المحافظة على وحدة شبه القارة الهندية كما كانت في ظل مشروعهم «الامبراطوري» وفشل السياسات التي كانوا قد انتهجوها لفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. وكان أيضا فشلا للهند ممثلاً بتوجه حزب المؤتمر الهندي وبشخصيات هندية تاريخية مثل جواهر لال نهرو الذين كانوا قد رفضوا «سلخ» الباكستان وحافظوا على مطلب وحدة الهند «المستقلة» على الأساس الذي تبنته حركة التحرر الهندية منذ مطلع العشرينيات في القرن الماضي. أما بالنسبة للشرق الأوسط فيرى المؤلف بأن انسحاب بريطانيا من فلسطين التي كانت تحت انتدابها انما كان قبل كل شيء بسبب الضغوط الدولية عامة والأمريكية خاصة. وعاد جزئيا إلى الأحداث التي شهدتها البلاد وخاصة «الارهاب اليهودي». وإذا كان الانتداب البريطاني قد انتهى رسميا على مصر منذ عام 1922 فإن الوجود البريطاني بقي قويا ومؤثرا حتى اعلان الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر قرار تأميم قناة السويس عام 1956. وبهذ الاطار يتحدث المؤلف عمّا أسماه بـ«كارثة السويس» بالنسبة للوجود الاستعماري البريطاني في المنطقة، حيث اقتصر بعد ذلك على «عدن» وبعض بلدان الخليج أي الكويت وعُمان والبحرين وقطر. لكن لم تستطع بريطانيا المحافظة على ذلك الوجود سوى لمدة عشر سنوات لاحقة. ان القوى الوطنية ارغمت الانجليز على الاسراع بخروجهم من عدن عام 1967 واعلان بريطانيا لنيتها اعتبارا من عام 1968 الانسحاب عسكريا من ماليزيا وسنغافورة ومنطقة الخليج قبل نهاية عام 1971 انما كان يعني انها لم تكن قادرة على التدخل في منطقة شرق السويس. ويعتبر المؤلف هذا الواقع بأنه كان يعبر عن أكبر انكفاء لموقع بريطانيا في العالم منذ رحيلها من الهند قبل عشرين سنة. كما ان بريطانيا تعرّضت خلال عقد الخمسينيات الى ضغوط كبيرة كي تغير سياستها بالنسبة لمالطة وقبرص، وحيث انها كانت تنظر إلى هذه الأخيرة وكأنها بمثابة «قلعتها» في البحر الأبيض المتوسط، كما أن «قلعة» أخرى تمثلت في منطقة جبل طارق غدت احدى رهانات السياسة البريطانية منذ عام 1945، مما شكل ايذانا بانحطاط القوى البريطانية في حوض المتوسط مما شجع «خسارتها» لمستعمراتها الأخرى في بقية بلدان العالم. كتاب يقدم رؤية شاملة «بانورامية» لمسيرة التقهقر الاستعماري في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهايات القرن العشرين