بيان الكتب: في سنة 1918 ارسلت الحكومة البريطانية «هارولد هلز» الى الجيش الرابع في الجبهة الغربية ليقدم نفسه كطبيب نفسي فصاح به احد الجنود «لقد ارسلوا رجلاً يهتم بمراقبة اعصابنا» وتعالت ضحكات الجنود الآخرين في الثكنة العسكرية. وهنا يتساءل بن شيفرد مؤلف كتاب «حرب الاعصاب»: ولماذا ينهار احد هؤلاء الجنود بينما يحافظ الآخر على رباطة جأشه على الرغم من تعرضهما للموقف نفسه والضغوط النفسية المصاحبة للحرب ذاتها؟ يهتم شيفرد في «حرب الاعصاب» بتسليط الضوء على ما يعرف بالمعاناة النفسية في ميدان الحروب وهو ما كان مستبعداً حتى نهاية القرن التاسع عشر وعلى نموذج خاص من المعاناة التي يتعرض لها هؤلاء وتعرف بحرب الاعصاب محاولاً في اثناء ذلك تفنيد الادعاءات القائلة بفصل معاناة العسكريين «الجنود» عن معاناة الافراد العاديين في الحياة اليومية. ومن جهة اخرى التقديم لما يسمى بالطب النفسي العسكري. يقول شيفرد ان الحرب لا تبدو ممتعة في يومنا هذا الا في مجال الطب النفسي وبذلك فهو يذكر قراءه وعلى نحو مؤلم بهذه الحقيقة التي تبعث على الشعور بالكآبة لاسيما وانه يستند في ذلك الى حسابات الاطباء النفسيين وآرائهم في الحرب الحديثة. وفي يومنا هذا وبعد مرور قرن من الزمان على معاناة الاطباء النفسيين ونبذ المجتمعات الانسانية لهم اصبح الناس اكثر استعداداً لتقبل هذه الحقائق التي يستندون اليها ولعل هذا كان قد بدأ باندلاع احداث مهمة كالحرب العالمية الاولى وبظهور حالات نفسية لم تكن معروفة من قبل كالارهاق الشديد والصدمات النفسية التي لم يكن ليصاب بها الناس العاديون انفسهم بل كان يصاب بها الجنود الذين يقاتلون على الجبهات المختلفة، وكانت تؤثر على نفسيتهم وتضطرهم الى الاستعانة بالاطباء النفسيين وكان لابد من عمل شيء حيال تلك الاعداد المتدفقة من الجنود الذين كانوا يتركون ميدان المعركة من اجل الحصول على المساعدة النفسية من الاطباء والذين اثارت اوضاعهم الجدل بين القائمين على هذه الخدمة وبين السلطات العسكرية من وجهة اخرى مما ترتب عليه اعتبار عدد قليل من الجنود الذين يعانون من الانهيار العصبي هم من المسموح لهم بمغادرة جبهات القتال للاقامة في المصحات النفسية والعقلية الامر الذي تم التحايل عليه فيما بعد ليصبح بامكان الجميع الابتعاد في اي وقت او كما قال احد كبار الاطباء العسكريين امام اجتماع ضم كبار مسئولي الحكومة البريطانية عام 1922. اخشى ان ينهار الجميع اذا لم يتم علاجهم في الوقت المناسب. وقد استمرت المناقشات حول هذا الموضوع الى ساعة اندلاع الحرب العالمية الثانية حين تصدت مجموعة من الاطباء النفسيين للامر بشجاعة تامة وقامت بالاشراف على علاج اعداد كبيرة من الجنود الذين كانوا يعودون الى ميادين الحروب وهم اكثر قوة على التحمل وبتطور اوضاع الحرب كانت المؤسسة العسكرية النفسية تزداد تطوراً ورسوخاً. يوجه شيفرد في كتابه الانتقاد الى ما يسميه بدور طب الاعصاب وتخلفه عن الطب النفسي في البداية حيث كانت هناك بعض الاستثناءات الغريبة التي ارتبطت بثقافات واخلاقيات العاملين فيه فيما يتعلق بعلاج المرضى الذين يتعرضون للمعاناة النفسية في ساحات الحروب. وهو الدور الذي لم يتأثر بتقدم حركة العلاج النفسي في المجالات العسكرية وظل الى وقت قريب يركز جل اهتمامه على الدراسة النظرية التي تعنى بالكيفية التي تحدث بواسطتها الضغوط النفسية بدلاً من دراسة ماهية هذه الظاهرة المرضية التي تعتري الدماغ البشري فتؤدي الى اصابته بالارتباك. يقول المؤلف ان ما نجح الطب النفسي في التوصل اليه كان عظيماً في حد ذاته وكان كافياً لتوضيح الاسباب الحقيقية الكامنة وراء ما يعاني منه الناس في ساحات الحروب والمعارك حين بات واضحاً ان هناك الكثير من الاسباب التي لم يأخذ بها طب الاعصاب من قبل والتي تجتمع كلها مكونة عاملاً مشتركاً بين ما يعاني منه الجنود المحاربون وما يعاني منه الناس العاديون في الحياة اليومية ومن بينها العوامل الجينية والاخلاقية والثقافية والاسرية والبيئية وهو ما يؤكد عليه الباحثون في هذا المجال في يومنا هذا في مجال دراسة «منظومة الاعراض التي تعقب حادثاً او ظرفاً ضاغطاً. وهنا يتساءل هؤلاء: لماذا يعاني بعض الاشخاص الذين تعرضوا لحوادث اغتصاب من انعدام القدرة على تحمل مثل هذه التجارب المريرة ويصابون بحالات كالخوف والكآبة والاختلال الوظيفي الجسدي بينما يشفى آخرون في غضون اشهر قليلة؟ ولماذا يعود بعض الذين كانوا قد تعرضوا الى حوادث الارهاب ثم نجوا منها بأعجوبة بسرعة الى ممارسة حياتهم بشكل طبيعي كالسابق فيما يحتاج آخرون الى وقت طويل للوصول الى شفائهم قد يصل الى عدة سنوات؟ ان عوامل كثيرة منها قوة الصدمات وقوة الشخصية والقدرة على مواجهة الازمات والاحباطات هي التي تتحكم في هذا الجانب وعلى الرغم من ذلك فأن هذا يظل مجرد تخمين لا يمكن له ان يفسر التناقضات الكثيرة التي تحيط بالموضوع والتي تؤكد بلا شك ان التفاعل بين عوامل كثيرة يؤدي الى حدوث هذه الصدمات التي تتفاوت في حدتها ويظل الاهتمام بما تثيره من اعراض كادعاء المرض او التمارض مجالاً للبحث. الآن وخلال قرن من الزمان اصبح من الممكن لنا ان نتصور ان العالم قد تخلص من ظاهرة المشكلات التي كان يعتقد بأن الجنود الكسالى الهاربون من الخدمة العسكرية كانوا يثيرونها وتجاهل العواقب النفسية الخطيرة المترتبة على اندلاع الحروب كالعجز الجسدي والتردي الاخلاقي والمقاضاة في المحاكم وتبادل الاتهامات بين الحكومات والجنود الذين كانوا يتهمون حكوماتهم بالتقصير في تأدية الخدمات الصحية تجاههم ليستمر الجدل المحتدم بين «الصقور» الذين لم يترددوا عن توجيه الاتهام الى الطب النفسي الذي كان يبدو لهم ممارسوه اقرب الى من يفتقر الى الشعور بالمسئولية او الشعور بالابتهاج وهم يغذون الرأي العام العالمي المصاب بحالة من الجزع الذي لا سبيل الى كبحه بالادعاءات الباطلة وبين «الحمائم» الذين يصرون على ان السلطات العسكرية بتغاضيها عن القرارات التي يصدرها القادة السياسيون تتستر على الآثار النفسية والممارسة القذرة التي تخلفها الحرب الحديثة واسلحة الدمار الشامل التي تشن بواسطتها. مريم جمعه فرج