بيان الكتب: انه لمن الصعب اليوم اعادة محاكمة وقائع الأمس. لكن من السهل الاعتراف بالاخطاء التي وقعت خدمة للتاريخ وللأجيال. هذا ما نريد في «بيان الكتب» ان نقوله عندما نقدم اليوم كتاباً بعنوان: «الاجهزة السرية في الجزائر (1955 ـ 1957)» لمؤلفه الجنرال الفرنسي بول اوساريس الذي كان ضابطاً في الاجهزة السرية الفرنسية في الجزائر، فتلطخت يداه بدم الابرياء وهو يعذبهم او يقتلهم او يسجنهم بجريمة انتمائهم الى جبهة التحرير الوطني الجزائرية والتي كانت تطالب بخروج المستعمر الفرنسي من الجزائر. لقد قرر اوساريس ـ مثل عشرات الضباط الاخرين الذين كانوا في الجزائر ـ ان يصمت لان الصمت كان جزءاً من تركيبة شخصية العاملين في تلك الاجهزة السرية، فصمت طويلاً.. ولكنه عندما باح بمذكراته وهو في الـ «83» من عمره ويحمل عدة اوسمة من الجيش الفرنسي، كان بوحه مخجلاً له ولفرنسا التي تدفع اليوم ثمن اخطاء الماضي، وعندما نشرت دار بيران الباريسية الكتاب اثار ضجة كبيرة في فرنسا لان صمت الجنرال تحول الى قنبلة فجرت الرأي العام في اكثر من مكان عن دور الدول الاستعمارية وجيوشها في اضطهاد الشعوب وحتى يومنا هذا لم تتوقف الضجة بل توسعت الى تلك الدرجة التي يطالب فيها البعض بمحاكمة الجنرال وتجريده من اوسمته. في حين ان اصواتاً اخرى لم تر في ذلك سوى ماض يجب نسيانه والانطلاق قدماً الى مستقبل جديد. ونظراً لما يشكله هذا الكتاب من صدى كبير فقد ارتأينا ان نقدمه للقاريء العربي بشكل موجز مع ملحقات لاصدائه في فرنسا وذلك في صفحتي الوسط من الملحق وتحت باب جديد يحمل اسم كتاب وقضية نقدم من خلاله للقاريء ما يستجد في شأن الكتاب وما يتركه ظهوره من صدى. ولعل توقيت عرض هذا الكتاب وتزامنه مع غليان في الشارع الجزائري يدفع السؤال الى الواجهة مجدداً: الى اين تمضي الجزائر بكل هذا الارث الثقيل؟ ويمكن ان نضيف الى ذلك السؤال سؤالاً اخر ماذا فعل الاستعمار في الجزائر؟ وسنترك الاجابة لما يتابعه القاريء عبر وسائل الاعلام التي تنقل له كل يوم حكاية قاسية من بلد المليون شهيد، حكاية مخجلة كما كتاب اوساريس، ستظل وصمة عار في جبين التاريخ، لان الاستعمار عندما اختار القوة ليواجه الابرياء ترك خلفه ابرياء يواجهون مصيراً مجهولاً قاتماً. ان هذا الكتاب كان يجب ان يدفع بول اوساريس الى الندم ولكنه لم يفعل فهو لا يعرف الندم وفضل ان يظل صامتاً حتى بلغ هذه السن التي لا تشفع له عند الشعوب.. فقد خاض حربا قذرة ولم ينتصر.. لانه لم يستطع ان يمسح شخصية وعروبة الجزائر كما ارادت فرنسا ذات يوم، وها هو اسمه يسير الى تلك الهاوية التي يقبع فيها هتلر لعله يجد فيه عزاء او مواساة.. او خجلاً لا تنفع معه اوسمة اعتى الجيوش. حسين درويش