الرحلة 530 تصل الى مطار مبوجي مايي في الكونغو محملة بأكياس من العملة الكونغولية المخصصة لشراء الماس بحيث ان ركاب الطائرة يضطرون احيانا الى وضع حقائبهم في احضانهم. والتجار المحليون هناك يكومون الجواهر غير المصقولة في السوق المكشوفة في الهواء الطلق لمدينة مبوجي ـ مايي بتدابير دفاعية مشددة، والتي تعتبر مركزا رئيسيا للماس ومصدرا كبيرا باقياً للمال لحكومة الكونغو بعد سنتين ونصف السنة من الحروب. في الاسواق الموحلة، مثل سوق بتي مارشيه، هذه الجواهر هي السبب الرئيسي لاستمرار الحرب التي تشارك فيها ستة بلدان، وهي تتوهج تحت أنف الزائر، حيث تتلألأ كميات هائلة من الماس غير المصقول على البسطات بين أكوام الفاصوليا والموز والفول السوداني. ويقول تاجر الماس جانو موجاناي، في احد محلات الماس التي تتوزع على جانبي سوق بتي مارشيه، مشيرا بابتسامة نحو محرمة ورقية تحتوي على كمية من الاحجار الصفراء الصافية: اذا كان المال متوفرا وإذا جاء الزائر للشراء فلن تكون هناك مشكلات اذا لم تأت الحرب الى هنا. وفي حفرة كابويبي خارج مبوجي ـ مايي يبحث عمال مناجم مراهقون عن المزيد من هذه الاحجار. ويقول عامل المنجم تشيبويبوا موكينبتشاي، الذي لا يزيد عمره على عشر سنوات، عمل في قطاع الماس طوال عمره، وأنه مرتاح جدا للحياة التي يعيشها في هذا المكان. وتتيح الزيارة لمبوجي ـ مايي التي كانت مغلقة امام الغرباء طيلة فترة الحرب، فرصة لإلقاء نظرة على هذه المدينة الخالية من الطرق المعبدة، والتي تبدو في حالة ازدهار دائم، وتشكل واحدة من اكبر الغنائم التي تهافت عليها المقاتلون في الكونغو. وقد تحولت مبوجي ـ مايي الى محور للقتال في الجنوب بعد ان استولت رواندا وأوغندا وحلفاؤها من الثوار على مدينة كيسانجاني المشهورة ايضا بالماس، ولو على مستوى ادنى. وقد استولى الثوار والجيوش الاجنبية على المناطق الشمالية والجنوبية من البلاد بسهولة مما حدا بالرئيس الكونغولي الراحل لوران كابيلا الى طلب مساعدة عسكرية من زيمبابوي وأنجولا وناميبيا لانقاذ ما تبقى من المناطق. واعتمد كابيلا على ثروة الكونغو من الماس لتمويل الحرب ولضمان ولاء حلفائه. وقبل كل شيء اعتمد كابيلا على مناجم الماس في مبوجي ـ مايي، حيث كان يحصل على ما لا يقل عن 100 مليون دولار سنويا من ثروة هذه المدينة في ذروة الحرب. وقد عقدت اتفاقية للسلام في العام 1999، وبموجب هذه الاتفاقية التي تم التوصل اليها خلال الزحف الرواندي والثوار على المدينة، يسود الآن وقف اطلاق النار باشراف الامم المتحدة. ولو تمكن الرواندويون والثوار من الوصول الى المدينة لفرضوا شروطهم الخاصة من اجل السلام، ولكن الذي حدث ان القوات المقبلة من زيمبابوي زحفت بجحافلها نحو الجبهة وأوقفت ذلك الزحف. ولا تزال القوات الزيمبابوية مرابطة بشكل ظاهر في مبوجي ـ مايي، وهي لم تسلم مهمة الدفاع عن المدينة للجيش الكونغولي العاجز وعديم الانضباط. وفي المطار تتوزع خيام الجيش الزيمبابوي على جانبي المدرجات، فيما ترابط ناقلات الجند المدرعة في الفناء خارج منطقة الوصول. ويقول سكان البلدة انه تم تسليم قرية فيها مناجم للماس للزيمبابويين مكافأة لهم على مشاركتهم في القتال. وقد درت المناجم المحيطة بمبوجي ـ مايي في العام 2000 واحدة من أكبر اللقى الماسية منذ سنوات طويلة في الكونغو، وهي قطعة ماس بيضاء صافية بوزن 269 قيراطاً. وقد علم الناس بهذه الماسة حتى في شوارع العاصمة كينشاسا وسموها باسم «الماسة الكبيرة». وقد صادرت حكومة كابيلا الماسة الكبرى من مالكها ثم اعادتها اليه. ولاحقاً ارغم الرجل على بيعها لشركة إسرائيلية مرخصة من الحكومة بمبلغ ستة ملايين دولار، وذلك على الرغم من انه يقول ان قيمتها تبلغ عشرة ملايين دولار. والمسألة هنا هي ان مدينة مبوجي ـ مايي شأن الكونغو بأسره، لم تكسب كثيراً من ثرواتها الطبيعية. ومثل كل المدن الكونغولية خارج العاصمة، لا توجد في مبوجي ـ مايي كهرباء ولا مياه جارية، ولم تكلف أي حكومة كونغولية منذ نيل الاستقلال في العام 1960 نفسها مشقة شق طرق معبدة فيها. وكثيراً ما يقلد سكان المدينة السهولة التي كان يتم العثور بها على الاحجار الماسية في مبوجي ـ مايي، بالانحناء التقاط أي حصاة من الأرض. وهم يقولون انه كان يمكن العثور على قطع من الماس في الطرق كلما امطرت السماء. والحقيقة ان الماس كان متوافراً بكثرة ـ وقيمته الحقيقية غير معروفة، إلى درجة ان سكان البلدة كانوا يزينون جدران بيوتهم المبنية من الوحل بقطع الماس غير المصقولة. وكان التجار المتجولون البلجيكيون يشترون الجواهر المنزوعة من الجدران بمقايضتها بالصابون والملح. ويقول جوزف مبايا المستثمر السابق في مناجم الماس انه في الماضي كان بوسع الناس ان يأتوا إلى المنجم، ويلتقطوا الماس مباشرة، اما اليوم فعليك ان تعمل وتكد لكي تعثر على الماس. وحتى في هذه المدينة فإن جشع الحكومة وسوء الإدارة قد قضيا على ما كان يمكن ان يصبح رخاء وازدهاراً. فالمنازل لا تزال تبنى من الوحل، والناس لا يزالون يزينون جدران منازلهم، ولكن بأغطية زجاجات المرطبات. وقد أمر كابيلا تجار الماس الأجانب بمغادرة مبوجي ـ مايي في اواخر التسعينيات، قائلا انه يريد حصر هذه التجارة بالكونغوليين. وساعدت الحرب على ابقاء الأجانب بعيداً. ووعد جوزف كابيلا، الذي خلف والده بعد اغتياله في نوفمبر الماضي بفتح تجارة الماس مجدداً أمام الأجانب، مما اخذ يشجع الزبائن البلجيكيين والفرنسيين على العودة إلى البلدة بهدوء. إلا ان الأسعار لا تزال متدنية، مما يفسر كون معظم عمال المناجم من الأطفال في منجم كابويبوي. أما في فترات الازدهار فقد كان معظم العمال من الرجال، وكانوا يتشاجرون لفرض سيطرتهم على مساحات من الأراضي الموحلة. واليوم هناك أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثماني سنوات يعملون في المناجم لتأمين قوت عائلاتهم. وهم على الأقل يبدون الرغبة في العودة إلى المدارس، ولكن كل منهم يحلم «بماسة كبيرة» أخرى، ولذلك ترى ان معظم الصبيان يتخلفون عن الذهاب إلى المدرسة في مبوجي ـ مايي. ويقول تشيبويبوا البالغ من العمر عشر سنوات: «ربما سأعود إلى المدرسة بعد ان أعثر على ماسة كبيرة فعلاً»