بغض النظر عن مدى انغماس المجتمعات المعاصرة في النظام الاقتصادي الجديد، فإن الحضارة البشرية لن تكون قادرة على ضمان مستقبلها طالما انه ليس هناك وعي كاف للايكولوجيا السياسية، بمعنى المنظور السياسي للقضايا البيئية. لذلك ينبغي للنظام الاقتصادي الجديد ان يكون اقتصادا ايكولوجيا وأن يصب جل اهتمامه على مسألة الموارد التي يستهلكها. وقبل كل شيء على الناس ان يدركوا ان العملية الاقتصادية هي في جوهرها عملية فيزيائية لأنها دائمة الاعتماد على تحويل المواد بمساعدة الطاقة. ونحن نعلم من اول قانون في علم الديناميكا الحرارية ان الطاقة والمادة لا تتولدان من العدم ولا تفنيا لكن يمكن تحويلهما من حالة فيزيائية الى اخرى. ويفيد القانون الثاني ان كل تحويل من هذا النوع يتمخض عن خسارة او ضياع في الطاقة او المادة اذن، لو كان شكل معين من الطاقة او المادة يحتوي على مواد سامة فإن هذه الخسارات التحويلية تستلزم صدور انبعاثات خطيرة. وعلى سبيل المثال لو كانت الموارد المستخدمة توجد في عدد محدود من المواقع، فإن هذا يخلق نوعا من التبعيات الاقتصادية. وخاصة إذا كانت تلك المصادر محدودة في الطبيعة. وعندما لا يمكن تجنب حدوث ازمات اقتصادية وسياسية. وبعبارة اخرى فإن فهم الموارد التي تدفع عجلة العملية الاقتصادية مهم لتحديد الاستراتيجيات الاجتماعية. والموارد ليست محايدة سياسيا، فهناك دائما علاقة متبادلة بين استهلاك الموارد والتكنولوجيا المستخدمة ولذلك فإن تكنولوجيا الطاقة لا يمكن ان تكون محايدة في علاقتها بالمشاريع الاجتماعية المختلفة. الثورة الصناعية بحد ذاتها كانت ثورة في تكنولوجيا الطاقة فالمحرك البخاري جعل من الممكن استبدال الجهد العضلي البشري والحيواني بالآلات لترسيخ ديمومة الانتاج الضخم وتسهيل تركيز رأس المال. لقد كانت المحركات البخارية بمثابة القوة المحركة لعجلة الصناعة، والباعث على تكثيف الطلب على الوقود الاحفوري (كالفحم والنفط والغاز الطبيعي) ولذلك فإن اول مراكز صناعية تطورت في اماكن تواجد مناجم الفحم في انجلترا وشمالي فرنسا وسيليسيا واقليم الرور بألمانيا وفي الغرب الاوسط بالولايات المتحدة. كما ان تطوير انظمة نقل ضخمة للطاقة اتاحت انتشار ثورة التصنيع على نطاق واسع وبالاخص بعد انتاج الكهرباء التي قدمت اسرع شكل لنقل الطاقة. وهذا يفسر قيام لينين بعيد الثورة الروسية بطرح شعاره الشهير القائل بأن الشيوعية هي القوة السوفييتية زائد الطاقة الكهربائية. ولقد اتسم الاقتصاد العالمي الاحفوري الذي اعتمدت عليه الثورة الصناعية بثلاث خاصيات بارزة. أولا ان موارد الوقود الاحفوري محدودة. فعلى اساس معدلات استهلاك الطاقة العالمية الحالية، فإن احتياطيات النفط التي توفر 40 % من امدادات الطاقة العالمية ستنفد خلال 40 عاما تقريبا. ولذلك على المدى المتوسط هناك خطر متنام لنشوب ازمات اقتصادية بسبب ارتفاع اسعار النفط، وحدوث توترات سياسية قد تتحول الى حروب على الطاقة. ثانيا ان الانبعاثات الغازية التي يتسبب بها استهلاك الوقود الاحفوري افضت الى ازمة بيئة عالمية تزداد حدة عاما بعد عام. ومع اننا نرغب بالحصول على المزيد من الموارد الاحفورية، فإن حرق احتياطيات الوقود الحالية كفيل بتعريض عناصر الحياة الاساسية على الارض للخطر. ثالثا ان احتياطيات موارد الوقود الاحفوري توجد في عدد محدود من المواقع لكن الناس في مختلف انحاء المعمورة يحتاجون اليها. وهو ما يدفع صناعة الوقود الاحفوري العالمية مجبرة الى تحمل مستويات متزايدة من المركزية والاحتكار والعولمة. ويتمثل البديل لموارد الوقود الاحفوري في موارد الطاقة المتجددة والمواد الخام المتجددة. وتتضمن الاولى التسخين الشمسي وأشعة الشمس وقوة المياه وطاقة الرياح والكتل الحيوية. فهي تتضمن المواد الاولية القابلة للتجدد مثل النباتات التي يمكن استخدامها لانتاج جميع البضائع التي يتم تصنيعها حاليا من قبل الصناعات الكيمياوية على اساس المواد الاولية الاحفورية. ان المصدر المباشر لجميع الموارد المتجددة هو الشمس وتمثل الطاقة الشمسية والمواد الخام امكانيات كامنة تتجاوز الى حد بعيد امكانيات الموارد الاحفورية. ففي سنة واحدة، تزود الشمس الارض بكميات طاقة تزيد بـ 15 ألف مرة عن الاستهلاك الاجمالي السنوي للطاقات الاحفورية والنووية مجتمعة. والشمس تقدم لايطاليا وحدها كميات طاقة تزيد بست مرات عن اجمالي استهلاك العالم للطاقة. كما ان النتاج السنوي لعملية التمثيل الضوئي في الحياة النباتية العالمية يزيد بـ 10 آلاف مرة عن النتاج العالمي السنوي للصناعة الكيمياوية. اذن فمن الممكن استبدال اجمالي ناتج الموارد الاحفورية باستخدام الموارد الشمسية. وتوفر الموارد الشمسية ثلاث ميزات مشتركة تقف في تباين صارخ مع خصائص الموارد الاحفورية اولا ان الموارد الشمسية ستظل متاحة بشكل غير محدود طالما وجدت المنظومة الشمسية وبعبارة اخرى حتى نهاية تاريخ الارض، اي حوالي خمسة مليارات عام. وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بمنع حدوث ازمة بيئية عالمية. ثانيا ان تحويل الطاقة الشمسية الى طاقة ثانوية او مواد ثانوية (حرارة، وقود، كهرباء) لا يتمحض عنه انطلاق اية انبعاثات غازية على الاطلاق او يصدر مستويات متدنية من الانبعاثات في حالة الكتل البيولوجية (المواد النباتية والنفايات الحيوانية المستخدمة كمصدر للطاقة) اي ان الموارد الشمسية لا تهدد البيئة العالمية. ثالثا ان الموارد الشمسية متوفرة كليا او جزئيا في كل مكان على وجه الارض وينبغي استخلاصها وفق منهج اقليمي بعيد عن المركزية. وعلاوة على ذلك فإن استخدام الموارد الشمسية سيعني وجود اسواق موارد اقليمية الى جانب سوق التكنولوجيا العالمية، التي لن تستخدم بطريقة مركزية وفي قطاع الموارد، سيفضي هذا الوضع الى قدر اكبر من تكافؤ الفرص لجميع الاقتصادات.. كما ان النشاطات الاقتصادية البدائية المتعلقة بالزراعة واستثمار الاحراج ستكتسب مغزى جديدا بوصفها قاعدة الموارد للانتاج الصناعي. ان العصر الشمسي يشير الى التحول بعيدا عن التكتل لأن الانشطة الاقتصادية عليها دائما ان تتبع موارد الطاقة، و الاتجاه نحو مصادر الطاقة اللامركزية يفضي الى توزيع رأس المال بطريقة لا مركزية. ان الاقتصاد العالمي الشمسي سيجعل تركيز الموارد ورأس المال امرا مستحيلا من الناحية الفنية، ذلك ان لا محدودية الموارد الشمسية، ستتيح أخيرا ظهور حضارة متينة باقية ولانه لا يمكن خصخصة الشمس. لن يكون بوسع احد تهديد دعائم هذا النموذج الحضاري الجديد. ان استبدال مصادر الوقود الاحفوري بموارد شمسية يمثل مشروعا تاريخيا هو في حقيقة الامر المخـرج الوحيد للتغلـب على مشـكلة الملكيـة غـير المتكافئة للاقتصاد العالمي الاحفوري. وطالما بقيت الافكار الاقتصادية موجهة نحو الموارد الاحفورية فستواصل ممارستنا لأنانية الموارد غير عابئين بالعواقب التدميرية التي تلحق بالبيئة وباختصار لا يمكن تحقيق اقتصاد ايكولوجي متوازن دون الاعتماد على قاعدة الموارد الشمسية. علي محمد