على بعد أميال قلائل غربي وادي نهر تاكسكورجان، الذي يقع في أقصى غرب الصين، يمتد درب عتيق هابطا من سفوح جبال بامير الأفغانية، التي تتوجها الثلوج نحو ذلك الوادي. وعلى ذلك الدرب وصل ماركو بولو ووالده نيكولو وعمه مافيو في قافلتهم الصغيرة إلى تخوم بلاد الصين عام 1224 أو أوائل 1275. وحينما كان ماركو بولو، التاجر الشاب ابن مدينة البندقية، في العشرين أو الحادية والعشرين من عمره. رحلة استغرقت عدة أشهر ليصل ركب ماركو بولو إلى هذه الأرض الباردة والجرداء، التي يتحدث أهلها اللغات الفارسية والتركية، لأن معظمهم من أصول وسط آسيوية. كما أن هذه الرقعة من الأرض كانت في القرن الثالث عشر جزءا من الامبراطورية المغولية العظيمة. إلا أن كل خطوة نحو الشرق كانت تقرب ماركو من المدن الصينية الشرقية، الهائلة، الغنية بالحرير والجواهر والتوابل، وهي البضائع التي جذبه وصحبه سحرها للخروج شرقاً كما انها المادة الأجمل والأكثر تشويقاً التي تشكل عماد كتابه التاريخي الشهير الذي ألفه عن هذه الرحلة بعنوان «وصف العالم». ومع أن ماركو بولو تتبع في رحلته المنطقة التي تعرف باسم طريق الحرير بكاملها والتي تمتد من سواحل المتوسط الشرقية غربا إلى السواحل الصينية المطلة على المحيط الهادي غربا، إلا أن أسفاره داخل الصين من إقليم زنيجانج في الغرب إلى مدينة شانجو، العاصمة الصيفية للامبراطور المنغولي كوبلاي خان ثم إلى مدينة دايدو التي كانت قيد البناء حينها بأمر من كوبلاي أيضا وتشكل اليوم جزءا من العاصمة بكين ـ هذه الأسفار التي غطت مسافة 2600 ميل هي عرض بلاد الصين تظل الأكثر إثارة، كون البلاد كانت حينها أكثر أنحاء الدنيا عزلة عن بقية العالم. وطوال 17 عاما قضاها ماركو في الصين وظفه كوبلاي ليكون موفده المؤتمن إلى أنحاء البلاد، وأرسله في مهمات إلى شتى أنحاء الصين، الأمر الذي أعطاه الفرصة، وبكلمات ماركو بولو ذاتها، ليستطلع «المزيد من تلك الأنحاء الغريبة أكثر مما تأتي لأي إنسان غيره على الاطلاق. ومع أن في ذلك زهوا كبيرا مبالغا فيه، إلا أنه بالامكان الجزم أن أي أوروبي لم تتح له هذه الفرصة من قبله أبدا. والشيء الجميل في كتاب ماركو بولو هو أن من يتتبع ترحاله والأوصاف التي وصفها عن تلك «الأنحاء الغريبة» سيجد أن الكثير من العادات والأعراف التي أثارت دهشته لاتزال تمارس حتى اليوم. فعلى سبيل المثال تحدث الرحالة الايطالي في كتابه عن عادة أكل اللحم النيء في إقليم يونان، وهو الشيء الذي لايزال مألوفا هناك إلى الآن. كما أن الأجواء التي فتنته في مدن الصين الشرقية مثل يانجزهاو التي يدعي انه أصبح حاكما لها أو مدينة هانجزها، التي بلغ تعداد سكانها أيام ماركو بولو نحو 15 مليون نسمة أي 15 ضعف سكان مدينة البندقية على الأقل لاتزال باقية. في مؤلفه رحلته إلى الصين كتب ماركو عن كل ما رآه من معالم حياتية وطبيعية ودينية. إلا أنه كان يرتاح أكثر في الحديث عن الأمور المادية بدلا من الاسترسال في الكلام عن الرهبان البوذيين وما شابه ذلك. ومن بين الأمور التي شدت انتباهه كثيرا يتذكر الملابس المقاومة للاحتراق. يقول عن الألياف التي تصنع منها هذه الملابس والتي لم تكن سوى الاسبتوس أو الصوف الصخري: «لقد رأيتها بعيني». وفيما أعتقد غيره من الأوروبيين أن هذه الألياف هي ذات أصل حيواني ومن السلمندر تحديدا باعتبار أن جسده يستطيع أن يقاوم النار، إلا أن ماركو عرف أنها خامات حجرية يتم تعدينها في الصين. ومن الأشياء التي سحرت هذا التاجر الرحالة الشاب هناك العملة الورقية الملونة التي كان يصكها كوبلاي ذلك أن العملة الورقية لم تكن معروفة خارج الصين. وعن ذلك يقول في كتابه أن الورق المستخدم في صنعها مستخرج من لحاء جذوع أشجار التوت. ويضيف في إشارته الوحيدة التي وردت في كتابه عن الطباعة الصينية: «كل هذه الأوراق ممهورة بخاتم الحاكم العظيم». وقد كانت مدينة دايدو المقر الرئيسي لماركو وصاحبيه حتى رحيلهم إلى البندقية عام 1291. ولا يعرف المؤرخون كيف أمضى كل من نيكولو ومافيو سنواتهم تلك، إلا أن بعضهم يعتقد أنهما ربما أصبحا تاجرين في الشركات التي يستثمر كوبلاي وغيره من المسئولين أموالهم فيها. أما ماركو وتبعا للكتاب فقد عمل مراسلا شخصيا لكوبلاي ليس داخل الصين فحسب بل وإلى غيرها من الممالك الآسيوية.. إذ كان ذلك الحاكم يستعمل آلافا من الأجانب خصوصا من العرب والفرس ليكونوا حكاما للأقاليم وغير ذلك. فقد كان «ملونو العيون» هؤلاء كما كانوا يسمون في الصين يحتلون مرتبة رفيعة في سلم التسلسل الهرمي تتلو مباشرة الحكام المغول من أسرة كوبلاي الحاكمة وفوق المسئولين الصينيين الذين لم يكونوا أهلا للثقة