بيان الكتب: رغم كل ما كتب عن المسرح حتى الآن، إلا انه لا يوجد تعريف دقيق، جامع، مانع، يمكن قبوله، وليس هناك تعريف واحد متفق عليه من الجميع، إذ تكفي جولة في القواميس أو الموسوعات حتى نكتشف ذلك التعدد والتنوع والاختلاف في التعريفات. ويلفت النظر ان بعض الأعمال الموسوعية المتخصصة في المسرح تتحاشى الدخول في هذه المسألة أو التعرض لها، وتتجنب بالتالي تقديم تعريف قاطع لكلمة أو مفهوم مسرح، وتكتفي فقط بذكر وتعداد أشكال المسرح كما حصل في «موسوعة المسرح في العالم» التي صدرت عام 1977. بينما يقترح مجدي وهبة في معجم مصطلحات الأدب تعريفين مختصرين لكلمة المسرح فيقول «المسرح هو البناء الذي يحتوي على الممثل، وخشبة المسرح، وقاعة النظارة، وقاعات المشاهدين فقط، كما هي الحال في المسرح العائم، ومسرح الهواء الطلق، كما يقصد به الممثل أو فرقة التمثيل فقط، كما هي الحال في مصر إذ يقال: المسرح القومي، ويراد به الفرقة التمثيلية»، كما يرى انه يقصد بالمسرح «الانتاج المسرحي لمؤلف معين أو عدة مؤلفين في عصر معين، فيقال: مسرح توفيق الحكيم في مصر، أو المسرح الكلاسيكي بفرنسا في القرن السابع عشر». أما دائرة المعارف البريطانية فتشير إلى ان فن المسرح يكاد يقتصر اهتمامه على العروض الحية التي يكون الفعل فيها موجها بدقة وتخطيط محكم نحو خلق احساس منسق وعميق بالدراما، كما تذكر انه على الرغم من ان أصل الكلمة الانجليزية Theatre مشتقة من أصل يوناني يعني «الرؤية» فان العرض المسرحي ذاته قد يكون موجها للسمع أو للبصر، بل انه قد يخاطب العقل أحيانا، كما في مسرحية «هاملت» لشكسبير مثلا، وان كان العنصر العقلي ليس دليلا كافيا على ارتفاع مستوى المسرح، لان المهم هو مدى استجابة الجمهور لما يقدم له، سواء أكان ما يقدم له هو تراجيديا أو كوميديا أو مسرحية هزلية Ferce. وهذه الاستجابة أو حتى المشاركة هي عنصر أساسي في الحكم على نجاح المسرحية وجودتها، على الأقل في نظر الجمهور الذي يتابعها، وكما يقول «جون وايتمان» انه رغم وجود عروض تندرج تحت ما يمكن تسميته «دراما الأفكار» فانه ليس بالضرورة ان يكون مؤسسة فكرية. بل ان الأمر قد يكون على العكس من ذلك تماما، لان هناك قدرا كبيرا من مخاطبة المشاعر، وبخاصة في المسرح التجاري، بمعنى انه من التعسف الحكم على المسرح من حيث المحتوى الفكري للعمل المسرحي، ولا يمكن اعتبار المسرح دائما وبالضرورة أحد أشكال الفنون الأدبية، حتى ولو كان يدرس في أقسام الأدب في الجامعة، فالجانب الأدبي للمسرح هو جانب ثانوي إلى حد كبير، إذا ما قيس بالجانب المسرحي ذاته، وذلك لان التأثير القوي الفعال على الجمهور يأتي من التمثيل وما يصاحبه من غناء وحركات ورقص... وما يحيط بالتمثيل من مناظر.. ولكن هذا لا ينفي ان الجانب الأدبي في النص المسرحي يحظى بكثير من الاهتمام والأهمية، ولكن ذلك يرجع في أغلب الأحيان إلى الكتابات النقدية حول النص الأدبي المسرحي. وبحسب صياغة الفريد فرج فان المسرح «لعبة تشترك فيها ثلاثة عناصر يمثل كل منها ضلعا من أضلاع المثلث الذي يقوم عليه الفن المسرحي، وهم: المؤلف، العرض الذي يحققه المخرج، والجمهور».. صحيح ان العرض المسرحي يشترك فيه عدد كبير من الفنانين، مثل الممثلين ومهندسي الديكور والاضاءة ... الخ، إلا ان المخرج هو قائد المجموعة التي تعمل في تناسق محسوب يحدده المخرج ويشرف عليه. علاقات متشابكة بعدما يتابع المؤلف د. جمعة قاجة تعداده لوجهات النظر في المسرح وتباين تعريفاته وصولا إلى أرسطو وتعريفه للمسرح الكلاسيكي وفهمه للمأساة ... ينتقل إلى علاقة المسرح مع كل من الدراما والرقص والشعر والاسطورة، ثم يتوقف عند النزعات الفنية للشعوب البدائية، حيث يرى انه من الضروري التأمل في هذه العلاقات المتشابكة، لا سيما وان تعدد واختلافات تعريفات المسرح يماثلها تعددها بصدد الدراما وأصلها اللغوي والمفهومي، وكذلك طبيعتها وتحديداتها. وفي سبيل ايصال الدراسة إلى هدفها يحاول الباحث ان يلاحق كل تعبير فني ظهر منذ القدم عند أي من الشعوب، وذلك لتأسيس حقيقة ان المجتمعات البدائية لم تكن مفتقرة إلى الاحساس بالجمال، وتقدير الفن وامتلاك السبل والوسائل للتعبير الجمالي عن ذلك، سواء من الرقص بداية، إلى الشعر والحوار والموسيقى والقص والتخييل وصياغة الأساطير والملاحم ... إن الحديث عن الجذور المسرحية منذ القدم، ويقصد به الفترة التي سبقت ظهور الاغريق وحضورهم في التاريخ الحضاري الإنساني، يدفع المؤلف للتوقف عند المسرح القديم الذي أسس لحضوره وبنائه الفني، ودائما في أشكال مغايرة ومختلفة عن المفهوم الاغريقي الذي تمسك به الغربيون شكلا ومفهوما ومنظومة فنية وحيدة يقصدون بها المسرح عندما يتحدثون.. وينكرون أو يتناسون وجود أنماط سواه. وهنا لابد من اثارة السؤال حول مناقضة هؤلاء الدارسين الغربيين لمنطق التدرج والتراكم في حركة التاريخ، فمن الموضوعية بمكان أن نقول ان الاغريق إذا كانوا قد وصلوا إلى ابداعات سامية وراقية في المسرح، فلا شك ان ذلك قد تم على مؤسسات حضارية سابقة، واقتراحات ومحاولات ساهمت بزرع النوى الأولية التي انتشت في تربة الحضارة، وتنامت حتى وصلت إلى الاغريق مؤهلة لفن مسرحي عالي البنيان ... ولكي يؤكد د. جمعة وجود النوى الأولية يذهب مباشرة إلى جوهر الموضوع الذي يقصده، وهو الحديث عن الجذور المسرحية وظواهرها عند العرب في مختلف مراحلهم التاريخية قبل الإسلام وحتى نهايات القرن التاسع عشر بعد ميلاد المسيح عليه السلام ... وبعدما يتوصل إلى تحقيق وتدقيق في عمق تلك الجذور يقوم بانتقالة كبيرة لرصد المسرح عند الغرب في الصورة الحديثة، التي ابتدأت عمليا منذ تجربة مارون النقاش الذي قدم فيها مسرحية «البخيل» عام 1847 عن نص للفرنسي موليير يحمل ذات العنوان. منطق التاريخ يقول د. جمعة قاجة: من المؤكد اننا لا ننكر ابداع الاغريق وعظمة ما أنجزوه، ولكننا ننكر على البعض الذي لا يرى مسرحا إلا عند الاغريق، وكأن المسرح عندهم ولد نبتا شيطانيا، لا جذور تاريخية له، ولا ممهدات ومرتكزات ومؤسسات ... فمنطق التدرج والتراكم الحضاري ينفي هذا الرأي ويصادق على ما نذهب اليه، لا سيما وأن دراسة تاريخ حضارات الشعوب تثبت حجم الاستفادة الاغريقية من الحضارات التي سبقتها في بلاد الشام والرافدين ووادي النيل.. وباختصار وحزم، لا يمكن ان تكون الابداعات العظيمة التي أنجزها مبدعو الاغريق الكبار، لقيطة، بدون أسلاف من آباء وأمهات في الحضارات الكبرى، وفي مقدمتها الحضارة العربية القديمة التي يمكن اعتبارها أم الحضارات كلها.. على الأقل لان ذلك يخالف منطق التاريخ. وفي هذا الصدد وضمن سياق تقديمه للكتاب يقول د. علي عقلة عرسان: حاول الباحث جاهدا انصاف حضارات وأمم وثقافات كان لها فنها الخاص وخصوصيتها في الابداع والانتماء كما كان لها دورها في نشأة حضارات أخرى، جُيرت فنون وعلوم لمصلحتها، من حيث التأريخ للنشأة وتكريس الأنموذج وتكريس المرجعية، وبدا بذلك انه شأن عدد لا بأس به من الباحثين، لا يعطي للنشأة اليونانية للمسرح تلك القداسة الأبدية، والمرجعية النهائية لنشأة هذا الفن العريق، فن المسرح ... فلحضارات السومريين والفراعنة والأكاديين ... دور يذكر، ولحضارات الشرق الأقصى القديم حضور ... بينما د. نقولا زيادة ـ وفي تقديمه للكتاب أيضا ـ يذهب إلى القول: ان المؤلف يعتبر ان كل ما ظهر من حضارة وأدب وما إلى ذلك من أيام البابليين ـ وقبلهم وبعدهم ـ هو عربي. أي ان سكان بلاد الشام وأرض الرافدين كانوا عربا منذ نحو أربعة آلاف أو خمسة آلاف سنة. هذه المقولة هي مقولة ايديولوجية، وليس ثمة ما يثبتها. للمؤلف حرية اتخاذ موقف من أمور كثيرة، في هذا الكتاب أو سواه، لكن التشديد على أمر هو موضع خلاف، دون الاشارة إلى ذلك، أمر فيه بعض التجني على التاريخ، إلى ان يثبت القضاء ـ وهو البحث العلمي البعيد عن الايديولوجيا ـ صحة أي من الموقفين. وأحسب ان الخلاف سيظل قائما. إن هذا الكتاب «المسرح والهوية العربية» الذي نعرض له في «بيان الكتب»، ونلفت نظر القراء له، اضافة لكونه نقلة نوعية في التأريخ لحركة المسرح، ومحاولة لرسم صورة حضور الثقافة والحضارة والابداع العربي، ودفعه نحو أخذ مكانته المناسبة في ركب الحضارة البشرية الراقية ... ومساهمته في سد فراغ هام وضروري في المكتبة العربية، فهو أيضا يثير الجدل حول أمور كثيرة تتعلق بالمنهج، وبالكيفية التي تتم بها الكتابة عن المسرح. محمود أبو حامد