بيان الكتب: في هذه المجموعة الشعرية تكتب مرام المصري شعراً أنثويا جامحاً.. شعراً يمكن وصفه بنبتةٍ خرجت للتوّ من تربة الأدب النسوي الغربيّ الذي تعرّفنا إلى خطابه السياسي والفكري خلال حقبة السبعينيات، ومنذ أن بدأت بعض اتجاهات الحركة النسوية الغربية تؤسس، لوعي جديد ضدّ نظام رمزي ذكوري، بدعوى أن هذا النظام أفقد المرأة جوهرها الإنساني، بل حدّ من طبيعتها البيولوجية كأنثى. ومن هنا، فإن أهداف هذه الحركة تلخّصت في الصراع مع النظام البطركي السائد، وضدّ التمييز الجنسي، ولخّصت كتابات سيمون دوبوفوار بعض توجّهات هذه الحركة على الصعيد الفرنسي، بتأثر كلّي بأفكار سارتر حول مركزية الذكورة، فراح الأدب النسائي يحاول استعادة زمن تاريخي موهوم، تتحرر فيه المرأة من حالة الإقصاء وتستعيد دورها الطبيعي. ولكن كأيّ حركة ثورية سقطت هذه التوجّهات أسيرة لإيديولوجيا ذكورية مضللة، نصبت مدافعها في خندق، ثمّ راحت تسعى إلى استعادة ذلك الزمن بالقوّة.. بتجريد العدوّ من ثيابه، لتكشف زيفه أمام الملأ. ولكن هذا الخطاب ظلّ يدور في حلقة واحدة من الأفكار البسيطة والساذجة ربّما منذ دعوة عشتار لجلكامش، ورفض هذا الأخير لنداء اللذّة حرصاً على نظام المؤسسة الزوجية والإنجاب والتوريث، مروراً بعصرنا الحديث وتبوّؤ جملة من النساء مراكز قيادية كمارجريت تاتشر، وتانسو تشيللر وأرويو وغيرهنّ، اللاتي بحكم مناصبهنّ الخطيرة واظبن على ممارسة النظام المؤسسي نفسه، وربّما بحرص أكثر من الذكور أنفسهم، وهو أمر يدفعنا للاستنتاج بأن هذا الحرص على مؤسسة الأسرة ووحدة المجتمع، إنما هو حرص حضاري قديم قدم الوعي البشري ذاته، آثر على الدوام الحفاظ على التفوّق الثقافي المديني على الطبيعة المتّسمة بالفوضى واللاعقلانية، إنه باختصار حرص متجذّر في اللاوعي الجمعي، وإمكانية اختراقه والعودة إلى زمن الطبيعة الأولى باتت مستحيلة. مرام المصري في هذه المجموعة لن تصرخ بتلك الشعارات الجوفاء، ولكنها في الوقت نفسه تكتب بردّة فعل قوية.. ستكتب في أكثر القضايا حساسية، وكأنها امرأة من كوكب آخر جاءت لتحيي أهدافاً تخلّت عنها الحركة النسوية ذاتها بعدما تأكّد لها، أن ذلك الزمان القديم الموهوم ويوتبياه لن يأتيا، وإنها ورّطت نفسها في معركة خاسرة سلفاً، كان الثمن عبودية جديدة خسرت فيه جسدها ومستقبل أبنائها، بعدما ثبت لها أن النظام الجديد هو أكثر جحيمية لقضية المرأة الرئيسية، فماذا يمكن لشاعرة عربية أن تفعله في هذا الصدد؟ ولمن ستبيع بضاعتها الثقافية؟ إنه سؤال مشروع لأن هذه البضاعة لا توجّه إلى هناك حيث راجت هذه الأفكار، وإنما إلى هنا: الشرق «المشرقن» على حدّ تعبير إدوارد سعيد، بمعنى إعادة إنتاج المفاهيم الاستشراقية عن مجتمع الحريم وتعدد الزوجات وغير ذلك. وهي مسألة فيها لبس كبير وقد عولجت مراراً، إلاّ أن البعض من حيث يدري أو لا يدري راح يعيد إنتاج هذه البضاعة ومنهم شاعرتنا؛ التي ربّما خجلت من زمن الحريم الموهوم، خجلت من قيم الذكورة السا ئدة في أوساطنا الشعبية، فأعلنت رفضها مجاراة للآخر الذي لا يعيش زمناً أفضل، فانبنت نصوصها جميعاً على فكرة الحرية الجنسية والرغبة، ثم رفدتها بجملة من الحكايات الصغيرة عن أخلاق الذكور والعلاقات غير السويّة، لتصبّ جميعاً في ذات المجرى، وبدلاً من التخييل الخلاّق ستتجه النصوص إلى الإثارة الحسّية المباشرة، من خلال حياة السرير والرغبات الحميمة، في وجهة غنائية مستمدة من إرث النصّ الذكوري نفسه، حيث تضع الشاعرة نفسها في المركز، وتذهب في التغني بمآثرها، وهجاء الخصم الذي يتّصف بالخيانة والغدر وأنها ضحية أبدية له، وأن علاقة الحبّ إنما هي مجرد نزوة أو لعبة، بانتهائها يعود الطرفان إلى مواقعهما: «أستطيع أن أميزها / من بين كلّ القبلات / تلك التي تطبعها الرغبة.. أستطيع أن أعرفها / من كلّ الرغبات / تلك التي يؤججها الحبّ.. أيّ جرم جميل اقترفت؟ تمتّعت بجسد أهداني نهراً مسكراً،و انتفاضة حياة..» المجموعة ستضمّ مئة مقطع شعريّ تتراوح في أطوالها، وقد سعت الشاعرة إلى ربطها ببعضها البعض من خلال وحدة الموضوع، وكأنها بذلك ترغب في تأليف كتاب شعريّ، أو في الحدّ الأدنى نصّ شعري طويل، ولكن هذه الرغبة ستخفق، لأن وحدة الموضوع هي جانب واحد من جوانب بناء القصيدة، وقد حاول شعراء كثر الدخول في مغامرة القصيدة الواحدة، أو الكتاب القصيدة، كما فعل أدونيس في «الكتاب»، وكذلك محمود درويش في «الجدارية»، وكانا يدركان جيداً أن القصيدة ما لم تأخذ أبعاداً ملحمية لن تحقق الهدف، بل ستكون عبئاً على الشاعر والقارئ، وذلك هو عين ما حصل لمرام المصري، ويمكننا توضيح ذلك من خلال بعدين أساسيين: أوّلهما: ميل الشاعرة إلى التعبير عن اللحظة الشعرية التي تسجّل موقفاً، أو لحظة مفارقة تعتمد بشكل كلّي على تكثيف العبارة لتترك إيحاء قوياً في ذهن المتلقّي: «قالت سينام العنكبوت بين خيطانه مصائر الفراشات الضالة.. سيتغذّى بجهلها..» ثانيهما: ميل الشاعرة إلى بناء نصّها على بنية حكائية كوحدة مستقلة، فتأتي المقدمات بعدة جمل إخبارية سردية متتالية، تستلزم بالضرورة خاتمة للحكاية: «ماذا يفعل جواد / بعنق جميل / مكسور؟ كان مختفياً / عندما فجأة / عاد واحتلّ غرفة الجلوس.. صعد من القبو / تمدّد على الأريكة / غير محطّة التلفزيون غير محطّة الراديو / ثمّ راح يتمشّى بسرواله الداخليّ / كأنه في بيته / تعرّى.. ولم تكن ترى / سوى / رجل نسيته.» ولا نرمي من وراء إيراد هذا الشاهد انتفاء الشاعرية، فالشاعرية حاضرة في المجموعة، لكن الصورة يغلب عليها الجانب الحسّي الوصفي، ودأبها متابعة السرد المتدفق بالحركة والانفعال، فيغيب أثرها في نفس المتلقّي بعيد القراءة، ولن يتبقى في الذهن سوى الحكاية إن وجدت، كحكاية الحصان الذي دخل الصالون آنفة الذكر، ولكن بعض النصوص.. النصوص التي حفلت بجانب وجدانيّ سوف ترتقي باللغة الشعرية فتجعلها مؤثّرة وقوية: «ماذا سيفعلون بأشيائي / بخواتمي التي ورثتها عن أمّي / عندما سيخطفني عريسي الأخير؟ ماذا سيفعل / الذين لا يفقهون لغتي / بكلّ الذكريات / والوعود / المنثورة في الرسائل؟ ماذا سيفعلون بأحلامي / بجثث أوهامي / وبأسراري / المخبأة في جيوب منزلي؟! لن أنسى أن أوصيهم / أن يوسّدوني الرسائل والصور / فأنا أخاف العتمة..» وفي الختام ينبغي أن ننوّه إلى أن «مرام المصري» هي شاعرة سورية، ولدت في اللاذقية ودرست الأدب الإنجليزي في دمشق. نشرت ديوانها الأوّل «أنذرتك بحمامة بيضاء» بالاشتراك مع منذر المصري ومحمّد سيدة عام 1984. ثمّ نشرت ديوانها الثاني «كرزة حمراء على بلاط أبيض» في تونس عام. 1997 حازت جائزة «أدونيس» التي منحها المنتدى الثقافي اللبناني في فرنسا حيث تقيم الآن. عزت عمر