بيان الكتب: مؤلفة هذا الكتاب هي المستشرقة الفرنسية ايفادي فيتراي ميروفتش عضو المركز الفرنسي للبحث العلمي في باريس التي كرّست جلّ اهتمامها لشيخ المتصوفة جلال الدين الرومي فألفت حوله عدداً من الكتب ، وترجمت بعض كتبه الى الفرنسية. ويأتي كتابها هذا الذي ترجم الى الانجليزية اول مرة وترجمه الى العربية وقابل مادته الفارسية على أصولها وقدم له الدكتور عيسى علي العاكوب ليضيء جوانب من شخصية الرومي الفذة المتعددة الوجوه فهو فقيه وعارف وشيخ طريقة ومربٍ ورجل مجتمع من طراز خاص، هذا فضلاً عن ثقافة غزيرة احاطت بما عرفته منطقة تمتد من شمالي الهند وآسيا الوسطى الى حدود اليونان الحالية من معارف معقولة ومنقولة، فإذا اضفنا هذا كله الى استاذيته في الشعر الفارسي الإسلامي واستمداده في شعره الغزير من معين الثقافة الاسلامية الأصيلة أدركنا أمام أي رجل نقف في هذا الكتاب. قسّمت المؤلفة ميروفتش كتابها هذا على أربعة مباحث أساسية وهي «الشيخ ـ حياته وطريقته وآثاره» «الطريق الروحي أو التصوف عند الرومي» «التعليم الصوفي» «حضور التصوف» وفي كل من هذه المباحث عالجت مجموعة من القضايا معالجة تشي بقدرٍ من العمق والمتابعة والرؤية التحليلية التي تحاول سبر أغوار هذه الشخصية المجلّية الفريدة. كان الرومي كما تقول المؤلفة في تمهيدها للكتاب رجل زمانه وكل الأزمنة طلعةً حيةً ومحببةً في كل العالم الإسلامي ذي الثماني مئة مليون من السكان من القاهرة الى طنجة، ومن جاكرتا الى لاهور، في القرى البائسة في الهند وأفغانستان وإيران وتركيا تنشد الجماهير قصائده في مواكب الحج وبعيداً في البوسنة والهرسك لاتزال ذكراه مبجلة، وفي استانبول مقبرة يرغب عشاق الرومي أن يُدفنوا قربها. كان ثمة ـ على أقل تخمين ـ مئة ألف مريد قبل الحرب العالمية الثانية مع زوايا في الشرق كله وفي دول البلقان ومقرات كانت تُعلم فيها على مدى سبعة قرون تعاليم الرومي. وإضافة الى ذلك كان جلال الدين العارف الذي كتب قائلاً في عهد القديس لويس أنه لو شطر الانسان الذرة لوجد فيها نظاماً شمسياً في صورة مصغرة جداً والذي عرف قبل كوبرنيكوس بثلاثة قرون، ليس فقط أن الأرض تدور حول الشمس بل أن هناك تسعة كواكب سيّارة، ذلك الاكتشاف الذي لم يصل اليه الغرب حتى عام 1930م. لكن اكثر من ذلك كله ـ كما تقول المؤلفة ـ قدم جلال الدين رسالة لحقيقة متقدة قائمة على التجربة الشخصية هذه الرسالة صدرت عن رجل ما كان رجل دين رغم أنه غدا من الأولياء، فقد تحمّل كل تقلبات مرحلة مؤلمة خربتها الحروب والكوارث. أبعد عن بلده وحرم من طفولته مع الأطفال وفقد تحت ضربات القتلة «الذي كان ابنه واحداً منهم» الاستاذ الروحي الذي احبه اكثر من نفسه ورغم ذلك أكد الرومي ان الحياة لها معنى وأن الحب والسرور يسموان على كل أسى وأن لا شيء في النهاية سخيف لان «انساناً اعظم من إنسان الى الحد الذي لا يوصف». في الفصل الاول بعنوان «الشيخ حياته ـ طريقته ـ آثاره» ترى الباحثة ميروفتش ان الفترة التي ولد فيها جلال الدين الرومي كانت من أكثر الأوقات اضطراباً وقلقاً في التاريخ فقد شهدت نزاعات هائلة بين رجال الدين والامبراطورية وصراعات بين الشرق والغرب وفي هذه الفترة طرد صلاح الدين الفرنجة نحو الشاطيء شيئاً فشيئاً وشهدت فارس «الموطن الأصلي لجلال الدين» غزواً من الشرق القصي فسقطت امبراطورية خوارزم وغرقت ايران بالاعصار الذي بعد ان اغرق اسيا الشرقية دمر الخلافة في بغداد واكتسح وسط أوروبا. ولد الرومي في الثلاثين من سبتمبر سنة 1207 في مدينة بلخ وهي بلدة من اعمال خراسان معروفة بسحرها، وفي ذلك الأقليم الذي كان مهد حضارة فارس حيث ولد رجال كالفردوسي وابن سينا والغزالي كانت أسرة جلال الدين واحدة من الأسر الاكثر شهرة، وقبل أن يغزو المغول مدينة بلخ غادرتها اسرة الرومي سنة 1219 متوجهة اولا الى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وفي نيسابور التقوا الشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار الذي قدم للصغير جلال الدين كتابه «أسرار نامة» وتوقع ـ كما تقول المصادر ـ أنه سيؤجج سريعاً النار في قلوب العشاق الصوفيين وقد ظل جلال الدين طوال حياته شديد الاعجاب بالعطار وكثيراً ما كان جلال الدين يردد: «لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع بينما لا أزال انا في الزاوية من ممر ضيق». وعندما شب الرومي أوفد الى حلب للدراسة لان هذه المدينة كانت مركزاً ثقافياً مزدهراً آنذاك ثم يمّم شطر دمشق حيث أقام عدداً من السنين، وهناك كان واحداً من اعظم الصوفية والمفكرين الشيخ محيي الدين بن عربي يمضي السنوات الأخيرة من حياته وكان الرومي قد لقيه قبل ذلك عندما وصل الى دمشق طفلاً صغيراً بصحبة أبيه ويقال ان ابن عربي عندما رأى جلال الدين الصغير يمشي خلف بهاء الدين ـ والده ـ صرخ: سبحان الله محيط يمشي خلف بحيرة، وبعد غياب سبع سنوات عاد الرومي الى قونية واستقر في مدرسته ومن سنة 1240 الى سنة 1244 تولى تعليم الشريعة ومباديء الدين في هذه المدرسة كما تولى التوجيه الروحي وسيرته معلماً بدت مطمئنة الى أن عرض له حادث غيّر حياته وجعله صوفياً محترقاً بالمحبة الالهية وقد وصف هو نفسه ما حدث له «كنت نيئاً ثم أنضجت والان انا محترق» وهذا الحادث الذي غيّر حياته كان لقاء درويش غريب جوال هو شمس تبريز الذي كان قد أمضى حياته في سياحات متواصلة سائلاً ان يهييء له الالتقاء بواحد من أوليائه ولو كان مقابل ذلك حياته وتعرض المؤلفة لتأثر الرومي بشمس تبريز الذي أمسك بالروح من العمق ليفصله عن حال السبات التي يغط فيها ويدفعه للبحث عن الله سبحانه وتعالى وظل يحتفظ له طوال حياته بحب وعرفان للجميل لا حدود لهما. وتتناول المؤلفة بعد ذلك آثار الرومي ومن أهمها ديوان شعري ضخم يضم نحواً من خمسة وأربعين بيتاً مقسمة على ستة أجزاء يعرف بالمثنوي وديوان «شمس تبريز» الذي نشرت طبعة كاملة منه بعناية البروفسور «فروزا نفر» في طهران وكتاب نثري بعنوان «فيه ما فيه» او ـ علم الباطن ـ وهناك ايضا الرسائل التي وجهها الرومي الى شخصيات مختلفة ونشرت في كتاب بعنوان «المكتوبات» و«خواب نامة» وهو كتيب صغير في تعبير الرؤيا. في الفصل الثاني تتناول ميروفتش ما تسميه الطريق الروحي «التصوف» أي البعد الخاص لرسالة الاسلام الذي له على غرار الشريعة أصله في القرآن والحديث النبوي وترى ان فكرة التوحيد التي هي جوهر الاسلام حقيقة ليست مختلفة في التصوف عن القانون الديني الموحى به «الشريعة» ذاك أنهما كلتيهما مظهر متمم لتلك الحقيقة المطلقة التي تؤلف لغز الوجود. وعلى غرار ما نقرأ في القرآن الله هو «الظاهر» و«الباطن» في الوقت نفسه وهما يتجليان معاً في «الآفاق والأنفس» ومن هنا فإنه لا يكون التصوف حقيقة ما لم يحقق بطريقين التزام الشرع والبحث عن المعنى الباطن وفي مقدمة الكتاب الخامس من المثنوي أكد الرومي الصلات القوية التي تجمع بين الشريعة الطريق الذي ينبغي ان يسلكه المتصوفة والحقيقة التي هي الغاية التي ينشدها الإنسان. في الفصل الثالث بعنوان «المتعلم بالسؤال» تشير المؤلفة إلى أن جلال الدين الرومي لم يقصد من مفهوم الطريق أن يحكم نظرية ميتافيزيقية بل أن يقدم منظوراً وسبيلاً للنجاة، وأصالته العميقة ليست مبنية على رؤية جديدة للعالم لأن عقيدته عقيدة الاسلام وكونه هو التصوف الاسلامي والدليل الصادق على عبقريته ـ كما تقول ـ هو امتلاكه الى درجة يندر ان يوصل اليها وعي المسئولية التي تقع على من يقبل المهمة الاسمى. مهمة انقاذ النفوس من التيه. وإذا كان الرومي متأثراً كثيراً بالتوجيهات التي تلّقاها اولاً من والده وباللقاء الغريب بشمس تبريز ألحّ شيخ قونية على وجوب اصطحاب المرشد في الرحلة الروحية فقد كان يقول «اختر لك شيخاً لأنه من دون الشيخ تكون هذه الرحلة حافلة بالمحن والمخاوف والأخطار من دون مرافق ستضيع في طريق كنتَ قد سلكته من قبل.. لا تسافر وحدك في الطريق. وفي التصوف يكون الرباط بين الشيخ والمريد أساسياً وبالمعاهدة بين ارادتين حرتين، يجدد اعمال المبايعة التي ترجع الى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، انها سلسلة ترمز الى النفس بوصفها خاضعة لربها «من اراد ان يجلس مع الله فليجلس مع أهل التصوف». وتفرد المستشرقة ميروفيتش الفصل الرابع من كتابها لدراسة حضور التصوف بادئة بعلاقة التصوف بالفن حيث يظهر احد الأحاديث النبوية ان الله جميل يحب ما هو جميل، وقد علّق ابن عربي على هذا الحديث قائلاً: اذا كان الله يحب جمال الصور فذلك لأنها تعكس جماله على النحو نفسه الذي تعكس فيه الوجود، ويقول حديث اخر شهير: الاحسان ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك؟ ولفظ إحسان ـ كما تقول المؤلفة ـ ينحدر من جذر لغوي يعني الجمال ولذلك علينا أن نتأمل الكون في ضوء هذه النزعة الروحية وأنه ضمن «الطريق» توجد كل المباديء التي تحكم الفن الاسلامي وهذا الفن ليس الا انعكاساً للروح وحتى انعكاساً لصورة الوحي القرآني في عالم المادة وكل العناصر التي تؤلف الأعمال الفنية، الفراغ والشكل والضوء واللون. وتخصص المؤلفة الصفحات الاخيرة من كتابها للحديث عن علاقة التصوف بالمجتمع الاسلامي اذ ادت الطرق الصوفية ـ كما تقول ـ مهمة كبيرة في المجتمعات التقليدية في العالم الاسلامي وكان الناس يولدون ويعيشون حيواتهم في ظل الزاوية حيث يلتقي أبناء الطريقة ويرتبط بها كثير منهم بروابط عائلية وكانت الزاوية تمثل مكاناً ممتازاً للدعاء والتأمل والحضور الحي للإيمان. وكان للطرق أيضاً وظيفة تثقيفية اذ تتحمل اعباء التعليم الديني ومهمة مواساة الفقراء خاصة إبان الأوقات الصعبة. وتلاحظ المؤلفة ان ليس هناك ثمة تمييز طبقي عند الصوفية فأبناء الطريقة عائلة حقيقية وهم يمتدون بهذا الإحساس الى الناس الآخرين وتتناول ميروفيتش بعض الطرق الصوفية «الرسمية» ومنها السهروردية والشاذلية والكبروية والنقشبندية والرفاعية والقادرية والخلوتية. دمشق ـ «بيان الكتب»