بيان الكتب: علاقة القاريء العربي بالأدب التركي ضعيفة إلى حد ما، فالترجمة عن التركية في السابق كانت تقتصر على أعمال ناظم حكمت الشعرية، وأعمال عزيز نسين القصصية والروائية ( هذا مع أنه يمثل لونا خاصا جدا، والخاص لا يمثل العام) ورواية لياشار كمال (ميميد الناحل) وأخرى لأورهان باموق (جودت الكبير وأولاده) ترجمها فاضل جتكر وصدرت عن وزارة الثقافة السورية، وأما المسرح والقصة القصيرة التركيان فنكاد لا نعرف عنهما شيئا. هنا لا نجد غضاضة في الإشادة باختيارات عبدالقادر عبداللي المهمة من الأدب التركي، فقد عرفنا على كتاب آخرين مهمين كمظفر إزجو الذي يمثل تيارا ساخرا موازيا لتيار نسين، وخلدون طائر أستاذ الدراماتورجي بجامعة سنان الذي يعتبر من أهم صناع المسرح العالميين، وقد ترجم له مجموعة قصصية (الثانية عشرة إلا دقيقة)، ومسرحية (ملحمة علي الكشاني) التي صدرت عن سلسلة إبداعات عالمية بالكويت ـ إبريل 1999، وعرضناها هنا في «بيان الكتب»، إضافة إلى أعمال الكاتب العالمي أورهان باموق، وفصلا مهما عن الشعر التركي المعاصر نشر في شئون أدبية (16 ـ ربيع 1991)، وها هو يضيء لنا جانبا مجهولا آخر في الأدب التركي، وأعني القصة القصيرة المعاصرة. يضم الكتاب مختارات من القصة القصيرة في تركيا خلال سبعين عاما، لكتاب بارزين يمثلون الأجيال المتعاقبة بدءا من كمال بيلبشار (1910 ـ 1983)، وصولا إلى سليم إلري وغيره من الكتاب الذين مازالوا يبدعون. مع التركيز على أهم الأسماء في كل فترة زمنية. يشير المترجم في مقدمته الموجزة للكتاب إلى أنه حاول أن يشمل في كتابه مختلف الحساسيات القصصية، من الواقعية باتجاهاتها المتعددة، إلى الرومانسية والتعبيرية.. أضف إلى ذلك أنه حينما يقدم بعض الأصوات النسائية في الكتاب لا يختارها اعتباطا، بل إنها تمثل الأصوات النسائية المهمة (عدالت آغا أوغلو ـ بيلغة قرة صو ـ فورو ظان ـ طومريس اويار ـ ناظلي اراي). إن قراءة قصص هذا الكتاب تؤكد بقوة على صحة الفكرة القائلة بأن (الأدب مرآة المجتمع)، فالكتاب يعطينا فكرة بانورامية متكاملة عن المجتمع التركي. فمثلا: قصة (النكس) لكمال بيلبشار تتناول قضية الريف والمدينة من خلال شاب يصر على الهجرة رغم إرادة أبيه، ومن هذا القبيل نقرأ قصة (غضب) لصميم قوجة غوز التي تحكي عن قصة حب بين شاب وفتاة قرويين، تحول بينهما أطماع الأهل يرصدها الكاتب من خلال الحالة النفسية لوالد الشاب. وقصة الولد سنجاب لفقير بايكوت ريفية أيضا مبنية على سرقة سنجاب سيارة أبيه الشاحنة وإدخالها في جدار أحد البيوت، مع رصد للمواقف المتناقضة التي يقفها أهل القرية من الحادث. وقصة أورخان كمال (الزقاق الخلفي) ترصد الفقر مترافقا مع قضية اللقيط، التي يعاني منها المجتمع التركي كثيرا (كما رأينا على نحو موسع في رواية سبا لمظفر إزجو ـ للمترجم نفسه) وقصة «ولد» للكاتب نفسه تتناول قضية التشرد، حتى إن الولد يتوسل إلى الشرطة أن يرموه في السجن عسى أن يؤمن معيشته هناك. وأما قصة عزيز نسين (آه منا نحن الحمير) فذات إيحاءات سياسية ـ كالعادة ـ تتحدث عن اكتشاف الحمار الأول أبجدية النهيق. وينفرد خلدون طائر في قصته (الموت ضحكا) بتقديم قصة طويلة جدا (40 صفحة) تعنى برسم الحياة والطبيعة والنفس البشرية، من منظور مثقف، وبلغة أدبية عالية. قصة (الأقلام) ليشار كمال، تعتمد الرمز أسلوبا، فبطلها يعتبر نفسه خبيرا في المزابل، وهو يعرف اسطنبول في تحولاتها المختلفة من خلال روائح مزابلها! ويقدم زيات سليم أوغلو قصة طريفة يبنيها على كوميديا المشاعر الإنسانية المشتقة من حرمان الرجل من المرأة. وتلتفت عدالت آغا أوغلو إلى الحب والدفء الأسروي وجمال الحياة. وتستخدم بيلغة قرة صو في قصتها (آه لو قتلتني يا معلمي) أسلوبا تعبيريا يمكنها من الدخول إلى عوالم أبطالها الداخلية، وهي تختار السيرك والألعاب البهلوانية لرصد هذه العوالم بدقة. طارق ضرسون في قصته (امتليء يا قلبي بنسائم البحر) يتابع تفاصيل ليلة يمضيها شبان مفلسون يتحايلون على أمورهم للحصول على بعض الخمر، يشربونه وينطلقون إلى إحدى الحارات حيث يغنون ويهيصون فيخرج الناس إلى الأبواب والنوافذ، بعضهم ينسجم مع حالتهم وبعضهم يرفضها. تحسين يوجال يرصد حياة رجل يدعى كاتب يمشي دائما ولا يتوقف، وكأنه القمر. وأخيرا يقدم سليم إلراي في قصته (آخر أيام الصداقة) ما يشبه السيرة الذاتية، وبأسلوب التداعي. خطيب بدلة