بيان الكتب: منذ لاحت في الأفق أطياف العولمة، والفزع ينتاب نفوسنا من جراء العواقب الوخيمة التي تنتظر مستقبلنا القريب، الأمر الذي جعل البعض يرفع الراية البيضاء ويعلن الاستسلام مبكرا!! حيث أن أبوابنا ستكون مفتوحة امام كل من يرد الينا من سلع وخدمات، وسماؤنا ستصبح على مصراعيها أمام جميع مايفد علينا من فكر وفن وثقافة، بينما نحن مع عظيم الأسف لا نملك أن نطرق أي باب، ولا نقدر أن نغزو أي سماء؟! ولا شك أن هذا التصور فيه ظلم كبير لقدراتنا وامكانياتنا في شتى المواقع ومختلف القطاعات. ومن ثم فإن استثمار هذه القدرات وان كانت محدودة، واستغلال تلك الامكانيات وان كانت متخلفة، هو المدخل الطبيعي لتحقيق التنمية الحقيقية المستديمة التي تستطيع أن تواجه رياح العولمة العاتية بقوة وصلابة. حول هذه القضية المهمة يقدم لنا الدكتور عبدالمجيد فراج كتابه الجديد (استثمار التخلف في ظل العولمة). المؤلف يؤكد في البداية أن التخلف الذي تعاني منه الدول المختلفة هو أحد ثرواتها ومن ثم فلابد من استثماره أولا، وهذا هو منطق التنمية ذاتها، التنمية التي لا يصح، بل لا يمكن، أن تعتمد الا على أكثر الموارد وفرة، وليس على اكثر الموارد ندرة. ويقول المؤلف هنا مثال على ذلك فإذا كان لدى دولة متخلفة رصيد ضخم من الأمية والأميين، واذا ادركت هذه الدولة - كما يجب أن تدرك هي وكل الدول المتخلفة انها عاجزة عن محو أمية الاميين جميعا، كان أول مايتعين عليها ان تفعله هو أن تستفيد من هؤلاء الاميين، أي أنه يجب عليها أن تستثمر تخلفها في تحقيق التنمية من خلال التخلف. فالأمية في الدول المتخلفة احدى الكائنات الحية جدا التي لا يمكن انكارها أو تجاهلها، ومن ثم لابد من التعايش معها أولا على ماهي عليه، على الأقل حتى يتم خفضها أو محوها في الأجل القصير أو المتوسط أو الطويل. أما ان يقال أن الأمية عائق أو عقبة في وجه التنمية، فهو قول مبالغ فيه ومرفوض. لانها أولا في معظم الدول المتخلفة ظاهرة شبه ابدية لا فكاك منها على الاقل في الآماد القصيرة والمتوسطة، وثانيا أن هذه الأمية لا تحول دون تشغيل اصحابها الأميين في أعمال تتناسب مع حالتهم التي هم عليها. ويرى المؤلف ان الدول المتخلفة يجب ألا تترفع عن انتاج شيء ما لمجرد ان الاستثمارات اللازمة لانتاجه ضعيفة أو هينة، فإن انتاج هذا الشيء الذي قد يبدو للبعض تافها أشرف وأكرم من ان نمد أيدينا للحصول على رغيف الخبز بشرط ان يكون الانتاج للأسواق المحلية والخارجية وألا تكون تكلفة الانتاج باهضة حصراً على ان يكون سعر التسويق مجزيا للمنتج وعادلاً للمستهلك، وإلا هلكت التجربة. ولقد تفوقت اليابان على أمريكا في عديد من الصناعات، بل أن أمريكا قد اضطرت الى الانسحاب من انتاج سلع بعينها حين وجدت أن اليابان قد تفوقت عليها في انتاجها، وذلك لأن اليابان ركزت في كل ماتنتجه على الاستفادة من المزايا النسبية لها ولابنائها، وأول هذه المزايا وفرة المهارات والمواهب اليدوية والفنية والعقلية، وينتقل المؤلف الى مناقشة مشكلة الغذاء فيشير الى انه من غير المعقول أن المساحة الخضراء التي تملكها مصر، والتي كانت يجب أن تؤهلها لتصدير المحاصيل الزراعية والغذائية، قد ضاقت بما رحبت، فاذا بمصر تعتمد مع شديد الأسف على استيراد غذائها من الغير،علما بأن هذا الغير لا يملك حتى ماتملكه مصر من المروج الخضراء. ويتحدث المؤلف عن قضية الصناعة موضحا أن أول مقوماتها توافر الخامات، وفي حالة عدم توافرها، لابد للدولة المتهجة نحو التصنيع أو ممارسته أن تكون قادرة على أن تسدد من انتاجها المحلي المتقن فاتورة الخامات التي تستوردها من الخارج. القاهرة ـ «بيان الكتب»