تخرج من العرض وفي النفس شجن نبيل.. انفعالات الحنين نوستالجيا للماضي الجميل.. ذكريات حلوة تنسى مرارتها ولا يبقى منها إلا ما يدفع بالبسمة الى الشفاه.. والدمعة تكاد تطفر من العيون.. تنتقل المشاعر الى كل أفراد الجمهور.. جمعت بينهم حميمية الفن الجميل صفقوا بحماس وهرعوا يحيون بطل العرض وصحبه من مغنيين وموسيقيين الذين أمتعوهم لساعة وبعض ساعة. ذلك هو عرض (حكايات عزبة موسى) من اخراج عصام السيد وإنتاج مسرح الشباب، وقدمه على مسرح الطليعة، بطل العرض ـ ممثلا ومؤلفا وراويا وعازفا ورساما.. هو سعيد الفرماوي.. في اكتشافه لموهبة شاملة. من هو؟ من أين جاء؟ نعرف أنه صحفي رسام كاريكاتير بإحدى الصحف القومية بالقاهرة.. يتناول الأحداث والشخصيات بأسلوبه الساخر.. وقد عمل 16 سنة ببعض الصحف العربية في لندن يسمي اقامته فيها (المنفى الذهبي). قد نتذكر رفيقا له الفنان الفلسطيني (ناجي العلي) يعود بعد غياب فيسترعيه ما حدث في بلده من تغيرات. يجلس فرماوي أمامنا قريبا منا على دكة يروي ذكرياته.. القلة على يساره يرتشف منها بين فترة وأخرى من روايته.. وعلى عينيه أكثر من ناي يعزف عليه مع الفرقة الموسيقية.. يحدثنا عن أيامه الخوالي البعيدة في قريته قرب مدينة طوخ محافظة القليوبية.. ويأخذنا أقرب الى الشارع الذي نشأ فيه واسمه (شارع عزبة محروس) بين حياته العامة.. الأهالي الجيران المقاهي طقوس الزفاف يروي لنا صورة ضاحكة لليلة الدخلة.. والشجار الأول بين الزوجين.. أخبار الحجاج.. يعرفنا بشخصيات القرية.. وينقلنا الى حياته الخاصة حينما كان تلميذا.. ويقدم صورة ساخرة للشيخ مدرس الدين والتشكيل اللفظي للكلمات التي كان يلقنها للأولاد.. وعقابه لهم بالضرب على أقدامهم الحافية.. الحدث الأكبر كان زيارة الكاتب والمفكر الفرنسي جان بول سارتر وتعليمات الادارة باحتفال القرية والمدرسة بمروره في طريقه الى (سرس الليان).. حيث مركز اليونسكو في دلتا مصر تردد اسم (جان بول سارتر) وأهل القرية والتلاميذ لا يدركون مغزاه أو يعرفون معناه.. أو من هو.. إنما هو ضيف مصر.. وعليهم الاحتفاء به.. وتعلق اللمبات الكهربائية.. حيث يصعد كهربائي القرية الى أعلى.. ولأنه ضعيف النظر.. نظارته مقعرة.. طالما سقطت منه ولكن هذه المرة من المرتفع العالي.. لم يسقط كما توقع أهل القرية.. إنما اختفى في السحاب.. لعله رافق فيما بعد رواد الفضاء. بعد رحلة الذكريات واستدعاء الحلم القومي برمزه في صورة عبدالناصر على الجانبين يعود ابن القرية بعد غياب طويل.. يجد كل شيء قد تغير.. معالم عديدة لم تعد موجودة.. تشوهت المعالم الجميلة القديمة لصالح الانفتاح.. المباني الخرسانية المتلاصقة.. «السوبر ماركت».. «الجاراج».. بل لم تعد النفوس كما كانت.. مرئية لماض لن يعود.. صاحب بطل العرض الراوي فرقة موسيقية تعزف بقيادة وألحان عماد الرشيدي.. كان فرماوي يشاكسها أحيانا وتشاكسه وفرقة كورال من ست من الشبان والفتيات.. وجلست بجواره المطربة الشابة هالة الصباغ.. تصاحبه غناء با لتعليق.. وتتشكل ملامحها في خفة مع تطور درامية الحكايات. على الجانبين.. تبدو لنا لوحات وصور عن أحداث الماضي ويقدم فرماوي بنفسه رسم كاريكاتوري للشخصيات التي تحدث عنها.. وامتدح لنا شخصية بركات شيخ الجامع الطيب.. عرض رائع من نوع مسرح الحكواتي.. تألق فيه المؤلف الشاعر الرسام الفنان سعيد الفرماوي.. وحقق له المخرج عصام السيد مقوماته الفنية والتشكيلية.. وقد تتساءل ما صلته بمسرح الشباب الذي أنتجه.. ويأتي لنا رد مديره الفنان خالد جلال بأنه تعريف لجيل الشباب بجذوره. القاهرة ـ فوزي سليمان سعيد الفرماوي ملصق المسرحية