يطل الفجر على بحيرة اربكاي في جنوبي كينيا. ويلوح في الافق جبل كلمنجارو، الذي يعد أعلى جبل في افريقيا، منتصباً فوق السهل الكبير، وتطل قمته الواسعة، المكسوة بالثلوج بشكل متقطع من وراء الغيوم المنقشعة. يوشك النهار ان ينشق نوره فتلوح للعيان الوان السافانا ولا يقطع حبل الصمت المطبق على المنطقة سوى اصوات طيور البلشون، او ان شئت فقل مالك الحزين وهي تحلق في السماء، أو أصوات طيور الزقزاق التي تحاكي قرقعة المعادن في مشغل حداد منهمك في العمل والجو مثقل بالترقب. فجأة، تند همسة تعجب عن رجل من أبناء قبيلة الماساي ويشير الرجل إلى السماء، باتجاه مجموعة صغيرة من الطيور المتجهة نحو البحيرة. بعد لحظات، تحلق هذه الطيور فوق البحيرة. زوج من طيور القطا يندفع بخفة وسرعة فوق الماء. تنطلق صلية من الطلقات، فيسقط احدهما على الأرض. يندف احد افراد قبيلة الماساي ليلتقط الصيد. يتحرك هذا الشاب طويل القامة، رشيق القوام، المتجمل بطبقات من قلائد الخرز الاحمر والأزرق والاخضر والابيض منطلقاً بخطوات متناسقة. كان فريق الصيد هذا قد قدم بتنظيم من ديكسون وماكنوتون، الشركة الاسكتلندية المصنعة لبنادق الصيد، إلى كامبي ياكانزي «مخيم الكنز المخفي»، وهي منطقة للبراري، تبلغ مساحتها 400 ميل مربع، وتقع بالقرب من الحدود التنزانية. وهي ممر محميات يأوي 3000 فرد من ابناء قبيلة الماساي، وتحيط به ثلاث حدائق وطنية. فإلى الشرق تنتصب تلال تشيولو، وهي نتاج ثورات بركانية، يعتقد ان عمرها لايزيد على 500 عام. وإلى الجنوب والجنوب الشرقي تقع حديقة تسافو الوطنية والى الغرب تمتد حديقة امبوسيلي الوطنية وتعتبر هذه المنطقة قلب ارض الماساي. منذ ان التقى الرجل الابيض بالماساي لأول مرة، تولد لديه شعور بالخوف والاعجاب في آن تجاه هذه القبيلة. كان جوزيف تومسون هو أول رجل أبيض يعبر أرض الماساي، وذلك في عامي 1883 و1884 برعاية من الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية. وقد كتب تومسون عن تلك البلاد يقول: «امبوسيلي كانت بلاد الماساي المحاربين، الارستقراطيين قتلة الاسود، رعاة الماشية، شاربي الدم والحليب وحملة الحراب الطويلة». وتابع يقول: باستغراب عميق، راقبت ابن الصحراء بينما كان يقف امامي ويتحدث بطلاقة طبيعية وبكبرياء وشعور معين بثقل وأهمية مكانته. أما اليوم، فيشعر الماساي بأنهم مهمشون من جانب العالم الحديث وبأن نمط حياتهم في خطر. وتسارع معدل فقدان الارض، وهي المشكلة التي ظهرت بمجيء المستوطنين الأوروبيين في بداية القرن التاسع عشر وازدادت خلال القرن العشرين. وانتقل الكثيرون من افراد قبيلة الماساي إلى نيروبي من اجل كسب عيشهم من خلال بيع اكسسوارات الهواتف النقالة عند الاشارات الضوئية. هنا يأتي دور الايطالي لوكا بلبيترو، مؤسس كامبي ياكانزي. فبصفته ابناً لصياد متحمس، استسلم لسحر افريقيا في سن مبكرة اثناء مرافقته لوالده في رحلات الصيد الكبيرة واصطاد أول طائر له وهو في سن الرابعة. وكان تحدي هواية الصيد الكبيرة قد اعاده مراراً إلى القارة السوداء، وفي هذا الوقت عقد العزم على نيل شهادة الدكتوراة، وكان موضوع البحث هو: التنمية الدائمة، الحماية البيئية والحياة البرية كمصدر طبيعي في كينيا. ويعتبر مشروع كامبي ياكانزي مشروعاً مشتركاً مع قبيلة المساي في اتفاقية تقاسم للعائدات لمدة 10 أعوام تهدف إلى الحفاظ على ثقافتهم، من خلال جعل الأرض مربحة كمنطقة محمية للحياة البرية. وبموجب الاتفاق تبقى الارض نفسها مع ست خيام مريحة مقامة كمبان دائمة وقاعة الطعام المركزية التي بناها بيلبيترو تحت تصرف الماساي ومن جانبه، يقوم بيلبيترو بادارة المحمية، ويتولى مسئولية جلب السياح. يقول بيلبيترو ان الماساي يريدون ان يعيشوا بتقاليدهم الخاصة، ومن اجل ذلك عليهم ان يحتفظوا بالارض، الأمر الذي يعني انها يجب ان تدر عليهم المال. اين يمكنك ان تجد موارد طبيعية كهذه في غير كينيا؟ لا يمكنك ذلك. المصدر الطبيعي الوحيد المفقود هو الماء، لكن هذا يعد مسألة ايجابية في واقع الأمر، فهو يعني ان المنطقة غير صالحة للزراعة، أو للرعي، وبالتالي فانها غير معرضة لخطر الافراط في الرعي. يتم جلب الماء للمجمع بواسطة جرار زراعي من نبع ناء يبعد 30 ميلاً عن المحمية. اما المخيم نفسه فيعتبر نموذجاً للسياحة الصديقة للبيئة والمترفة في الوقت نفسه. فالكهرباء يتم توليدها باستخدام ألواح شمسية. والطبخ يتم باستخدام الفحم المستخرج من قشور البن بدلاً من حطب الوقود. قد يرى البعض تناقضاً واضحاً بين تقديم فرصة مكلفة للصيد لسياح اثرياء، غالبيتهم من الأمريكيين، وبين المحافظة على الحياة البرية. لكن 90% من الزوار لهذه المنطقة من العالم لا يقومون بالصيد. ومقابل كل يوم اقامة لهم، يتم تحصيل 20 دولاراً توضع جانباً كرسم للحفاظ على الحياة البرية. ويدفع الأشخاص الذين يقومون بالصيد 50 دولاراً في اليوم، لكي يسمح لهم بصيد طيور ارضية و20 دولاراً في اليوم لصيد طيور القطا. والمال الذي يتم جمعه يغطي نطاقاً واسعاً من الاحتياجات، من تعويض ابناء قبيلة الماساي الذين فقدوا دخلهم بسبب الدمار الذي تلحقه الحياة البرية إلى تمويل رواتب المدرسين وبناء مدارس جديدة وشراء أدوية وأجهزة طبية. لقد اختفت بعض تقاليد الماساي وعاداتهم لكن عدداً قليلاً منهم هو الذي يدافع هذه الأيام عن الحق في صيد الحيوانات الكبيرة، باعتباره احد الطقوس القبلية. ضرار عمير