بيان الكتب: منذ نحو قرنين من الزمن بدأت في الغرب عملية للبحث والاستقصاء عن شخص عيسى المسيح التاريخي أي عيسى المسيح النبي الذي بعث في فلسطين في أوائل القرن الأول ومحاولة التمييز بينه وبين مسيح بولس الذي آمنت به الكنيسة. وكان من جملة أولئك الرواد الأوائل في عملية البحث الرئيس الأمريكي الثالث توماس جفرسون الذي حاول تطهير الكتاب المقدس من مفهوم مسيح بولس المثيولوجي والابقاء فقط على تعاليم عيسى المسيح التاريخي. وضمن هذا السياق صدر حديثا عن دار الفكر للنشر والتوزيع بدمشق كتاب بعنوان «المسيحية والاسلام والاستشراق» لمؤلفه محمد فاروق الزين يقدم من خلاله الكاتب عرضا عن نشأة الكتاب المقدس والقرآن الكريم والتسلسل في الوحي السماوي وهذا بعد أن يقدم في فصله الأول عن حرية الفكر وحرية العقيدة والحروب في الإسلام فيوضح لنا المؤلف في عرضه لنشأة الكتاب المقدس والقرآن الكريم أن الإسلام سبق علماء الكتاب المقدس بأكثر من اثني عشر قرنا في انكاره شخصية «كريستوس» المثيولوجية التي تخيلها بولس في المسيح وبإعلانه على العالم أجمع شخصية المسيح الحقيقية وأن الإسلام بالاضافة لذلك أنصف عيسى المسيح من التشويه الذي لحق برسالته وبين المغزى والهدف الحقيقي منها وهو ما اختارت الكنيسة تجاهله. وفي الفصول التالية للفصلين السابقين بين المؤلف لنا ما هي الأسباب التي أدت إلى انتصار المسيحية التي ابتدعها بولس على حركة النصارى الأوائل من صحابة اتباع عيسى المسيح وهذا النصر الذي تم تتويجه في العام 325 بقرارات مجمع الكنيسة التي كرست المسيحية رسميا وكيف أن ظهور الاسلام بعد انتقاد هذا المجمع أعاد لرسالة عيسى المسيح نقاءها. ولا يكتفي المؤلف بمقارنة مسيحية بولس مع المعتقدات النصرانية بل يحاول شرح المقارنة في المنظور الإسلامي ويحدد لنا العديد من نقاط الالتقاء بين معتقدات النصرانية وبين الوحي القرآني. ويركز أيضا في فصول كتابه اللاحقة على أسباب التدهور الديني لدى المثقفين وكما يقول المؤلف ان المفكرين والمثقفين يبحثون عن ديانة عقلانية وليس عن ديانة مثيولوجية. ويرى الكاتب أيضا في كتابه هذا أن البحث العلمي الجاري حاليا في الغرب عن أصل الكتاب المقدس ومؤلفيه لا يمكنه التوصل إلى نتائج كاملة ما لم يؤخذ القرآن دليلا في البحث عن حقيقة رسالة المسيح وأنه ليس هنالك من وحي سماوي يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في المعرفة الحقيقية بالهدي الإلهي الذي نزل به الوحي سوى القرآن الكريم لسببين أولهما لأنه الوحي الأخير والنهائي الذي نزل على البشرية وثانيهما: لأنه بالمقارنة مع الكتاب المقدس فهو الوحي الوحيد الذي بقي سليما بصورته الأصلية النقية دون تغير منذ نزوله على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى اليوم. ويوضح المؤلف أيضا في كتابه أن نتائج الدراسة على الكتاب المقدس الحديثة قد أفرط واقعا رائعا تمثل بالتوافق بين الكتاب المقدس والوحي القرآني وهذا ساعد في جعل الحوار بينهما مفيدا ومثمرا وحدد بذلك الكثير من نقاط الالتقاء بين معتقدات النصرانية وبين الوحي القرآني. ويصف لنا الكاتب أيضا كيف انتصرت المسيحية الهلنستية تدريجيا على حركة النصارى الأوائل من صحابة عيسى واتباعه في القدس وفي كل مرة يقارن الكاتب بين عقيدة بولس وبين المعتقدات النصرانية ويتبع ذلك بشرح المنظور الإسلامي بهذا النطاق. وفي الفصلين الأخيرين يعرض الكاتب المعتقدات الأصولية المسيحية عند الغربيين باعتبارها القوة الدافعة التي تتكيف بموجبها سياسة الغرب تجاه فلسطين خاصة وتجاه منطقة الشرق الأوسط عامة، وهذا ما يوضحه بشكل مفصل في العناوين التالية: ـ سفر الرؤيا والاستشراق والأصولية المسيحية في الغرب. ـ حركة الإصلاح الديني البروتستانتية المسيحية عند الغربيين. أو بعنوان آخر المسيحية الأصولية في نصف الكرة الغربي. وقد استطاع المؤلف أن يسهب في كتابه هذا وهو مهندس مدني استشاري أقام في سوريا والسعودية والولايات المتحدة وكندا وكان من اهتماماته الدراسة المقارنة للأديان وسبق له أن ترجم للعربية كتاب (محمد في الكتاب المقدس) لمؤلفه القس دافيد بنجامين تلداني المعروف باسم عبدالأحد داوود. رنا يوسف