بيان الكتب: هل تنشأ علاقة الإنسان مع القراءة من خلال ميول خاصة واستعدادات تولد معه؟ أم انها ترتبط بعوامل خارجية كالاهل او المدرسة او الاصدقاء ؟ ام ان القراءة هي حصيلة هذين العاملين معاً؟ الدكتور الناقد نعيم اليافي، يجيب عن هذه التساؤلات مؤكداً ان العلاقة مع الكتاب تبدأ منذ الصغر نتيجة لميول ورغبات يسعى الطفل لإشباعها. وهكذا فإن قصته مع الكتاب ابتدأت منذ نعومة اظفاره. وكذلك كانت علاقته مع الكتابة حيث قال لـ «بيان الكتب»: بدأت أُشدّ للكتاب كدافعٍ داخلي فأنا من اسرة اقرب الى التقليد لا ابي دفعني ولا امي، انا ربيت نفسي بنفسي منذ ان وعيت في الصف الثالث الابتدائي كنت انا واخي الاكبر في صف واحد. أخي اخذ المرتبة الاولى في هذا العام وانا رسبت، لقد شكل ذلك صدمة لي لكنني منذ الصف الرابع لم ينزل اسمي عن لوحة الشرف، كل هذا إضافة الى اساتذتي وحواراتي التي فتحت علي آفاق المعرفة وبدأت اعرف وآخذ المعرفة من الاستاذ ومن الصديق ومن رحلاتي. بعد ذلك درست في مصر ولندن وهناك اطلعت على المعرفة، أنا من الناس الذين يأخذون المعرفة من اي باب، فبدأت اقرأ واقرأ واكتب ايضاً الحياة ولدت لدي افكاراً متناقضة، كنت احاول ان ابحث عن اجابات عليها. بدأت اولاً علاقتي مع الفكر التراثي فقرأت كتب التراث العربي، وفي الصف السابع كتبت عن ارسطو بدافع من استاذي الماركسي الذي اجابني عندما قرأ الموضوع: ما احسب انك قارئ جيد لأرسطو، وقد قرأت في هذه المرحلة كتب الفلسفة لكنني بعد ان انتقلت الى مصر بدأت مرحلة اخرى، فكراً آخر، صراعات اخرى ، وهكذا صار اتجاهي في الحياة وفي الفكر وفي التكوين اتجاهاً متلامحاً متعدداً. لقد اختلفت الكتب التي اثرت في تكويني الفكري والثقافي: في المرحلة التقليدية كنت اقرأ فقط عن الاسلام، قرأت كتباً ليس لها علاقة بأي شيء مثل كتب: المذاهب الاربعة حتى افهم هذه التبدلات والتغيرات، وعندما انتقلت الى الماركسية قرأت «رأس المال» وهيجل وغيرهما في حين انني عندما درست في مصر قرأت الكتب الاخرى التي لها علاقة بالموقف السياسي الذي غلب على فكري اثناء فترة الخمسينيات والستينيات حيث اهتممت بالقراءة عن الاحزاب والمؤثرات السياسية. وعلى العكس من ذلك قرأت اثناء دراستي في الغرب كل شيء عن البنيوية والمنهج النفسي ومناهج النقد الادبي لكنني فيما بعد صرت اقرأ ما يقع بين يدي من كتب، واصبح الشعار عندي: «اقرأ مما تستفيد ولا تستفد مما تقرأ» ان هذه القراءات المتنوعة والمختلفة كوّنت لدي ذخيرة واسعة جداً، وساعدتني فيما بعد على الاختيار، إذ صرت اعرف الكتاب وقيمة الكتاب من النظرة اليه فأنا عندما اريد ان اشتري كتاباً اقرأ العنوان والتفت الى الفهرس لأعرف قيمته، ويمكن القول ان اسئلة الواقع الحي هي التي فرضت علي توجهاتي في القراءة. انا قاريء نهم واكتب ببطء لكنني منتج وقد ساعدني تنوع ثقافتي في عملي الاكاديمي اذ كلفت بتدريس القرآن الكريم والحديث والاسلاميات، كذلك النقد العربي والادب الاندلسي. ونظراً لإلمامي الجيد بهذه المواد فقد اشافه طلابي وكانت هذه الناحية ملفتة للنظر وهي طريقة مثلى للتدريس يتفاعل فيها الطلاب مع الاستاذ. ان هذا التعدد في اشكال الثقافة ومرجعياتها ومصادرها قد اسهم في إغناء ثقافة (الدكتور اليافي) ولم يكن همه خلال ذلك أن يعمل على التوفيق بين الفكر الغربي والفكر العربي وأضاف: «القضية ليست قضية تركيب، الفكر الغربي أطلعني على أشياء لم اكن أعرفها، والفكر العربي عزز ارتباطي بهويتي وبوظيفتي القومية، أنا أقرأ هنا وهناك ولكن أركب بعد ذلك قضايا جديدة. إن المعرفة ماء بارد كلما شربت منه طلبت المزيد وسلم المعرفة كلما ارتقيت به أحسست بجهلي كما يقول الإمام علي بن أبي طالب، فأنا طالب علم والإنسان لايكمل علمه إلا بالموت، وقد كان التواضع سبباً دفعني للدراسة. ـ لكن كيف أصبحت علاقة الإنسان بالقراءة في عصر الكمبيوتر والفضائيات؟ وهل يمكن أن ينطبق علينا هذا الشرط الحضاري؟. ـ أن الفضائيات بصورة عامة تمسح المعرفة وتمسح ذهن الإنسان لأنها تكرر لديه الأشياء، صحيح أنها توسع من الدائرة شيئاً فشيئاً ولكن تكرار هذه الأشياء على خمسين محطة تحوله إلى إنسان جاهل، وهذا يتضح من توجهاتي، أنا لا أرى التلفاز إلا مع الندوات، ولعل الشيء الجميل في الفضائيات هو الندوات الثقافية أو العلمية أنها تركز المعرفة فأنا تعلمت من الفضائيات ومن الندوات العلمية والثقافية مالايمكن أن أتعلمه في خمسين سنة لكن بمرور الأيام إذا اقتصرنا على الفضائيات كما اقتصرنا على قراءة الصحف نصبح في المستقبل خارج الكتاب إن مشكلتنا مع القراءة ترتبط بأسباب عديدة، فالكتاب ينحسر والقراءة تنحسر وحل مكان القارئ المثقف الماهر أي الشاطر الذي يوهمك بأنه قارئ متميز وهو لم يقرأ أي كتاب، ويوهمك بأنه يعرف ثم تكتشف جهله وهذه هي الفئة السائدة الآن في مجتمع الاستهلاك الذي نعيش فيه، أنا آمل أن تظل الصلة مع الكتاب صلةً دائمة لأن الكتاب طريق المعرفة وللأسف فقد تغيرت وظيفة الجامعة وأصبحت كياناً مستقلاً ومؤسسة قائمة بذاتها مرة في الهواء الطلق ومرة عن طريق الكمبيوتر. نحن علينا أن نستخدم هذه الأدوات المادية في سبيل تطوير معرفتنا ولكن يجب الا نجعلها هي الأساس، وعلى الأستاذ الجامعي أن يحيل الطالب بصورة دائمة إلى المكتبة لكي يبحث ويدرس ويطور معرفته، لا أن يكتفي بدراسة المنهاج الجامعي المقرر فقط. لقد كنت ـ حرصاً مني على تشجيع الطلاب على القراءة ـ أهدي الطالب مايريده من كتب ومراجع حتى يقرأ وأترك له أن يختار رأي مجموعة من مكتبتي، وعلى المؤسسات الثقافية أن تساهم بهذا الدور فنهضتنا بدأت ثقافية ولدينا هم ثقافي حقيقي وهو هم ثقيل يلخص جملة همومنا الأخرى لكن فيما يبدو فإن نهضتنا الثقافية حرفت باسم السياسة فانهارت الثقافة وانهارت السياسة، لذلك علينا لم الشمل عن طريق الثقافة لأنها تعبر عن وحدة الأمة، ولأنها لا تنشأ وتترعرع إلا في مجتمع مدني وفي مجتمع متحاور. إن قصتي مع الكتاب بدأت ومازالت مستمرة وهي لن تنتهي حتى آخر الحياة التي سأعيشها، فالكتاب هو عالمي الذي أبحث فيه عن إجابات لأسئلتي أو اكتشف من خلاله أسئلة جديدة تطرح نفسها علي وتدفعني للبحث عن إجابات أخرى. إنني مازلت أرى في الكتاب معرفة ودليلاً ولم أنحز لكتاب دون آخر ولا أستطيع إذا ماحاولت أن أتذكر عناوين بعض الكتب التي أثرت في اكثر من غيرها، فقد استفدت من كل الكتب التي قرأت وأغنت معرفتي بما احتوته من معارف وأفكار وعلوم ولا أزال أرى نفسي رغم هذا العمر في البداية أبحث وأبحث وأحاول من خلال الكتابة أن أقدم خلاصة تجربتي وأفكاري وآرائي في قضايا الفكر العربي والتعليم الجامعي والنقد الأدبي بعيداً عن المقولات الجاهزة أو التعصب لآرائي لأنني أؤمن بالحوار والتفاعل والانفتاح وأجد فيها الطريقة المثلى لتطوير فكرنا وثقافتنا وحياتنا ومن هنا فإن الكتاب والعلاقة مع الكتاب هي قصتي التي لم تنته ولن تنتهي