بيان الكتب: في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان «ظل الشمس» يلقي الكاتب الصحفي البولندي «ريزارد كابوسكينسكي» ضمن قراءته التاريخية المعاصرة لشئون القارة الأفريقية الضوء على ما يسميه «العلاقة الصعبة» بين أوروبا وافريقيا،، وان كان يبدو كمن يتبنى وجهة نظر الانسان العادي إلا ان قراءة الكتاب تظل على جانب كبير من الأهمية. وصل ريزارد كابوسكينسكي الى أفريقيا في سنة 1957 خلال تلك الحقبة المفعمة بالأمل بحصول دولها واحدة تلو الاخرى على الاستقلال عن القوى الاستعمارية الأوروبية التي كانت تهيمن على آلاف الممالك والحكومات الفيدرالية والتجمعات القبلية المستقلة غير الحكومية المنتشرة في انحاء القارة منذ أواسط القرن التاسع عشر ضمن حدود الاربعين مستعمرة أوروبية. ومع انطلاق حركات التحرر بدأ نشاط الجماعات العرقية المتنافسة التي ظلت تعاني طويلاً من التشتت والقمع بالظهور على نحو جدى بالمنطقة الى الدخول في صراعات وحروب ذات خلفيات غامضة منذ المذابح وأعمال القتل الوحشية التي شهدتها «رواندا» الى الصراعات الايديولوجية التي عرفتها اثيوبيا والمناوشات القبلية في المناطق الواقعة على مشارف الصحراء الكبرى. يسلط المؤلف الضوء على مرحلة الاستعمار الجديد التي شهدت اثناءها القارة الأفريقية ظواهر سياسية وعسكرية واجتماعية جديدة جديرة بالاهتمام وأهم تلك الظواهر «جنرالات الحرب» الذين يستمدون قوتهم من السيطرة على مصادر التموين والاغذية والمياه وغيرها من المصادر التي لاتزيد عن كونها الوقود الذي يشعل نار الحروب الأهلية في القارة من اقصاها الى اقصاها والذين تدعمهم على نحو غير مباشر القوى الغربية وتسهم في إثرائهم مادياً وعسكرياً. يؤكد الصحفي البولندي كابوسكينسكي في كتابه ان العالم بذلك يصبح مشكلة كبيرة وانه عاش بالفعل جزءاً كبيراً من هذه الاشكالية منذ بداية عمله مراسلاً صحفياً في القارة الأفريقية وقبلها آسيا وأمريكا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات. لم يكن كابوسكينسكي الذي وصل الى أفريقيا في وقت مبكر قادراً كما يبدو للقاريء في البداية الا على تسجيل انطباعاته كطفل أو كما يقول: كراوي لقصة «الكوكب الآخر» عندما كانت رائحة أفريقيا قد شدته وهي تفوح من كل زاوية من زوايا المتجر الصغير الذي يمتلكه جاره في البلدة الصغيرة من السلع التي كانت تجلب من المستعمرات ومن ثمار الكاكاو واللوز والقرنفل وهي السلع المتداولة بين ابناء البلدة الفقيرة أو المكان الذي يقول بأنه كان أفقر بقعة في أوروبا ومع ذلك كانت هناك ايضاً بعض الصور الفوتوغرافية التي جلبها فيما بعد في اثناء عمله في القارة خلال الرحلات الأولى وكلها من الصور التي تدعم صحة قراءته للواقع السياسي في أفريقيا في ذلك الوقت (أكواخ القش وعربات نقل الاثقال ولا مصابيح غاز ولا كهرباء ولا شوارع) كما لو أن المرء مازال يعيش في واحدة من قرى الكونغو التي لم يختلف فيها الواقع السياسي كثيراً. «كابوسكينسكي» هو ابن أحد المعلمين العاملين في بلدة «نبسك» التي ضمت الى بلاروسيا وكانت القوات الروسية قد أسرت هذا الأب الذي نجح قبل نفيه الى «سيبيريا» في سنة 1939 في الفرار والهرب بأسرته عبر الحدود الروسية الى بولندا حيث استقرت هناك في احدى الضواحي الواقعة على مشارف العاصمة البولندية «وارسو»، وفي طفولته اشتهر كابو سكينسكي بتأليف الشعر وبالتعبير عن رغبته الشديدة في رؤية العالم الذي لم تسمح له ظروفه في ذلك الوقت أكثر من الوصول الى الاجزاء القريبة منه ومنها «تشيكوسلوفاكيا»، وبعد اكمال دراسته الجامعية التحق بصحيفة وارسو للعمل فيها كمحلل صحفي قبل ان تقرر الصحيفة ارساله الى الخارج كمراسل لها، اما بداياته فقد كانت في الهند «كنت أفكر طوال الوقت بهذه المهمة الصعبة التي كان يتوجب علي القيام بها، ولم تكن لدي المعرفة الكافية بالعالم ولا بالتاريخ أو الثقافات». من جهة اخرى تبدو مقالات كابوسكينسكي العميقة في تحليلها لأزمة مرحلة ما بعد الاستقلال أو مرحلة الاستعمار الجديد كافية لابعاد الشك عنه ككاتب صحفي متمرس امضى في القارة الأفريقية أكثر من ثلاثة عقود وصار بمقدوره أن يغطي هذه الموضوعات على نحو أكثر موضوعية مقارنة بالتقارير والتغطيات الصحفية المقتضبة أو البعيدة عن الواقعية. فيما يتعلق برواندا يقول المؤلف في تعليقه على حالة الريفية أو المحلية الرواندية «ان الارتحال في رواندا يشبه القيام برحلة حول العالم تبدأ من مكان تسوده حالة ركود وتنتهي في مكان تسوده حالة ركود وكل منهما يعتبر نفسه نجماً متألقاً لامعاً»، ومثل هذه التعليقات السياسية تشكل أحد أهم جوانب القوة في موضوعات كابوسكينسكي الصحفية. يلعب أسلوب كابوسكينسكي الكاتب الصحفي دوراً كبيراً في جعل موضوعاته مستساغة قابلة للتصديق بأنه لم يبذل في كتابته مجهوداً كبيراً يصرف القاريء العادي عن متابعتها كموضوعات متخصصة بل وعلى العكس من ذلك فهي تبدو قريبة جداً من الشعور بأنها جزء من ممارسات انسانية يومية يمكنه بواسطتها الالتقاء بالعديد من الشخصيات المهمة وغير المهمة والطقوس والكائنات الحية التي تمارس نشاطها المعتاد من الباعة المتجولين الى الشخصيات السياسية (بائع القهوة العربي، «لومومبا» الزعيم الأفريقي الشهير) الى حركة الحيوانات والحشرات طوال الليل ولأنه يشتمل على كل هذه المشاهدات الشخصية فهو من الكتب التي يرغب في قراءتها الكثير ممن يريدون الحصول على معلومات اضافية. يبدو كتاب كابوسكينسكي متسلسلاً في أحداثه التاريخية بدءاً بالمرحلة التي باشرت فيها دول القارة الأفريبقية التفكير في رسم خططها الرامية الى الاستقلال عن القوى الاستعمارية الأوروبية ومرحلة الاستعمار الجديد وما جاءت به من حركات انفصالية وحروب أهلية مروعة لم تتوقف خاضتها دول مثل «نيجيريا» و«ليبيريا» و«رواندا»، و«انجولا» وفي هذه المرحلة بالذات يواكب المؤلف في موضوعه التطورات الاجتماعية والسياسية الخطيرة وان كان يعتمد في ذلك على وجهة نظر الانسان الأفريقي العادي أو رجل الشارع. يحدو المؤلف مرحلتين هامتين في تاريخ القارة الأفريقية المعاصرة النظر الى أنهما تشكلان أهم المنعطفات التي تصنع بالفعل عهداً جديداً من العهود التاريخية التي مرت بها القارة خلال مرحلة الاستعمار الجديد وهما مرحلة مغادرة الرجل الأبيض ومرحلة وصول وباء «الايدز» وكلاهما من المشكلات الحرجة التي عصفت باستقرار المنطقة السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتخلق ما يسميه المؤلف «عالماً خاصا» بائساً مختلفاً بكل المقاييس عن العالم المادي الذي نعرفه ونتصوره جغرافياً وهذا العالم هو عالم الانسان الافريقي العادي. أسلوب كابوسكينسكي الكتابي يتراوح كذلك بين استخداماته للنثر والصور البلاغية بالاضافة الى اعتماده على أسلوب التصريح المقصود به توضيح الأفكار على نحو تستلزمه الحقيقة من أجل تبديد الأفكار النمطية الجاهزة التي دأب الناس خاصة في الغرب على الاعتقاد بأنها تعبر حقيقياً عن واقع الحياة في القارة الأفريقية، وكذلك أوضاعها السياسية والاقتصادية. كما أن المؤلف وهو يلجأ الى هذا الأسلوب المتأدب لا يحملك على الاطلاق على الاعتقاد بأنه مؤرخ أو متخصص في علم السياسة أو علم الاجتماع بما تعنيه هذه المصطلحات وانما على الاعتراف بأنه كاتب صحفي يمتلك الخبرة العملية في هذا المجال مثلما يمتلك القدرة على احتواء لحظات الضعف أو الابتهاج والفرح أو اليأس. ولد ريزارد كابوسكينسكي أشهر مراسل صحفي بولندي يعمل في الخارج في سنة 1932 وبعد تخرجه من جامعة وارسو وحصوله على درجة البكالوريوس في التاريخ عمل مراسلاً في الهند وباكستان وأفغانستان وهو ما يعتبر بداية اهتمامه بالموضوعات التي تلقي الضوء على شئون العالم الثالث. ويعرف كابوسكينسكي بصداقاته المتعددة لعدد من الشخصيات السياسية المهم في آسيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا ومن هؤلاء «تشي جيفارا» و«سلفادور اليندي» و«باتريك لومومبا» وخلال إقامته الطويلة خارج بولندا عايش عدداً من التطورات السياسية المهمة منها الانقلابات والثورات وحكم عليه بالاعدام أكثر من مرة. أهم مؤلفات كابوسكينسكي «الشاهنشاه» ويلقى الضوء على الثورة الايرانية و«الامبراطور» و«سيادة الدولة» و«يوم آخر في الحياة» و«عالم كرة القدم» وهو من الأعمال التي ترجمت الى 19 لغة عالمية. مريم جمعة فرج