بيان الكتب: كريستيان بيرد، مؤلفة هذا الكتاب، هي خريجة جامعة «يال، الأمريكية. عملت لسنوات محررة في صحيفة «نيويورك ديلي نيوز». أصدرت كتابا بعنوان: «ما دون خط الفقر: العيش ببؤس في أمريكا». هذا الكتاب عن رحلة قامت بها المؤلفة عبر إيران استخدمت فيها الحافلة واجتازت الصحراء ، من «كرمان» إلى «يزد» وحيث قطعت آلاف الكيلومترات، ان المؤلفة تبتعد في هذا العمل عن التنظيرات الايديولوجية كي تقترب أكثر فأكثر من «أدب الرحلات». انها تصف مشاهد «بسيطة» لها دلالاتها «الأقل بساطة» مثل كيفية تعامل رجال الشرطة الإيرانيين مع جواز سفر يحمل خاتم «الولايات المتحدة الأمريكية». و«تزداد حالة الاندهاش» عندما كانت المؤلفة تعلن بأنها قد قدمت إلى إيران بصفة «سائحة». أحد رجال الشرطة الإيرانيين فاجأها قائلا: «هذا يوم لاينسى فانت أول أمريكية أراها». ان مؤلفة هذا الكتاب ترسم صورة لإيران الراهنة بكل ما رأت فيها من مناقب ومسالب وشدة وتناقضات انها تقوم برحلتها أيضا في تاريخ هذه البلاد مما يبدو انه لايزال يشير إلى فترة العصور الوسطى في مدينة مثل «قم» وصولا إلى مظاهر الحداثة في مدينة مثل العاصمة طهران. هناك رحلة «ثالثة» أيضا في حياة المؤلفة نفسها منذ طفولتها التي أمضت قسما منها في مدينة تبريز برفقة أسرتها في مطلع عقد الستينيات الماضي وحتى العودة إلى إيران ورؤيتها بعين المراقب الذي يبحث عن دلالات كل ما يراه أمامه. وفي معرض المقارنة بين إيران في زمن الشاه وإيران ما بعد الثورة الإسلامية تستخدم المؤلفة قولا شائعا بين الناس هناك اليوم ومفاده: «قبل الثورة كنّا نشرب الكحول علانية ونقيم شعائر العبادة سرا، أما اليوم فإننا نقيم هذه الشعائر علانية ونشرب سرا». ان المجتمع الايراني لايزال كما تقدمه المؤلفة، يحمل الكثير من التناقضات «البنيوية» التي يحملها بداخله منذ قرون من الزمن. تقول : «ان كل إيراني يعيش موزعا بين عالمين: المعلن والخاص». وتقدم المؤلفة ضمن هذا الاطار نماذج متعددة من شرائح المجتمع، حيث تكرس فصلا كاملا لما أسمته «حوارات في شمال طهران». تقول: «يوجد بين الإيرانيين وخاصة لدى الكثير من أبناء الطبقات الوسطى والعليا في شمال طهران والمدن الايرانية الأخرى اهتمام كبير بالموسيقى والأدب وبمشاهدة أفلام الفيديو، بل وتعاطي الكحول والمخدرات والاسهاب في توجيه النقد للحكومة الاسلامية، وهذا كله سرا». وتعيد المؤلفة الكثير من الظواهر الراهنة في المجتمع الايراني المعاصر إلى جذور مغرقة في القدم وفي العمق في الوقت نفسه. وترى بأن هناك نزوعا ايرانيا «تقليديا» لحماية «الحياة الداخلية» من العالم الخارجي وذلك كارث لحروب قبلية استمرت قرونا من الزمن مما جعل «الاحتماء» داخل حدود الأسرة الضيقة نوعا من المقاومة حيال الغزاة الخارجيين. هكذا جاءت «هندسة» المنازل بواجهاتها العالية التي لا تحتوي سوى على باب واحد، كذلك سادت لدى الفرس القدماء رغبة تزويد أماكن السكن بحدائق «داخلية». لقد اعتمدت «كريستيان بيرد» مؤلفة هذا الكتاب أسلوب تقديم، بل و«تمرير» العديد من الآراء ذات الطبيعة السياسية عبر «عرض» الحوادث التي قامت بها مع عدد كبير من الايرانيين مثل «رضا» زوج احدى صديقاتها الذي قال بأن والده «كان سياسيا على مستوى رفيع في ظل حكم الشاه»، وان الثورة الاسلامية قد «أضرّت به كثيرا وبأسرته» وأضاف بأن أباه كان يتقاضى قبل الثورة «مرتبا شهريا يعادل ألفي دولار أمريكي»، وانخفض هذا المبلغ بعد الثورة إلى «مئة وعشرين فقط»، لكن هذا لم يمنع الأب عن الاعتقاد بأن الشاه السابق قد جعل من البلاد «مزرعة لأصدقائه». يقول رضا: «كنت أكره أنا أيضا الخميني. لكنني أعتقد أيضا بأنه كان رجلا كبيرا ويمتلك جاذبية كبيرة، وقد قام بالعديد من الأشياء الجيدة..» ،عبر استخدام الأسلوب نفسه في عرض الآراء المتناقضة في الحوارات، تتعرض المؤلفة لقضية المرأة في ظل الجمهورية الاسلامية بإيران وعلى ضوء المسيرة التاريخية الإيرانية. كذلك تؤكد مؤلفة هذا الكتاب على المكانة الكبيرة التي يحتلها رئيس الوزراء الأسبق «محمد مصدّق» الذي قاد حركة أطاحت بالشاه عام 1952 لكنه لم يستطع البقاء في الحكم سوى فترة قصيرة أعلن خلالها تأميم البترول الايراني مما أثار حفيظة الأمريكيين ودفع جهاز الاستخبارات الأمريكي «سي.آي.ايه» للمشاركة بفعالية في اعداد انقلاب ضد مصدّق وإعادة الشاه إلى العرش من منفاه. بكل الأحوال تؤكد المؤلفة على وجود نوع من الاجماع لدى مختلف مكونات المجتمع الايراني بأنه لو استمر حكم مصدّق لفترة طويلة من الزمن نسبيا فإن إيران ما لها أن تكون على ما هي عليه الآن. وهكذا لا تعدو جذور العداء حيال الولايات المتحدة الأمريكية إلى فترة حكم الجمهورية الاسلامية تحديدا وانما إلى الدور الذي لعبته الأجهزة السرية الأمريكية في القضاء على حكم مصدّق في مطلع عقد الخمسينيات الماضي. ان مؤلفة هذا الكتاب تعيد الموقف الأمريكي من مصدّق إلى اعتقاد واشنطن بأن رئيس وزراء ايران «الجديد» مصدّق ـ ربما كان «قريبا من الاتحاد السوفييتي ومن التوجه الشيوعي» وكان ذلك الأمر مثيرا جدا لقلق الأمريكيين في الوقت الذي كانت فيه «الحرب الباردة قد بدأت». ولكن «مصدّق كان بالواقع قوميا ولم يكن شيوعيا». وبالتالي كان تحركه على قاعدة ما كان يعتقده المصلحة القومية لبلاده. وتحل المؤلفة ضمن هذا السياق الموقف البريطاني حيث كانت الشركة الانجليزية ـ الايرانية للبترول تعتقد بأن إيران غير قادرة على بيع نفطها في الأسواق الدولية،وبدا ان الحكومة البريطانية تفكر جديا بالقيام بعمل عسكري. ومن هنا جاء التعاون الانجليزي الأمريكي الوثيق بين الأجهزة السرية للاطاحة بمصدّق وبحكومته. أضف إلى هذا ان الظنون كانت تحوم حول تعاطف مصدّق مع فرنسا حيث كان قد قام بحركته ضد الشاه بعد تشكيله عام 1949 حزب «الجبهة الوطنية» الذي كان في واقع الأمر تحالفا بين مجموعات سياسية اتفقت فيما بينها على نقطة أساسية هي معارضة أي تدخل خارجي في الشئون الايرانية. لم يكن سهلا بالنسبة للشركة الانجليزية ـ الايرانية للبترول الخروج من ايران بعد تواجد مستمر استمر 69 عاما. ومنذ وصول مصدّق إلى السلطة قدّمته مختلف وسائل الاعلام الغربية بأنه «رجل غريب الأطوار» لا يستحق أكثر من «السخرية المريرة». بالمقابل إذا كان مصدّق يلقى اليوم «الثناء»، بما مثّله مشروعه في «الماضي» من قبل أوسع شرائح الشعب، فإن حكومة الجمهورية الاسلامية لا تجاري مثل هذا الحماس. إذ انها لم تطلق على أي شارع أو على أية ساحة اسمه، ولا تحتوي كتب التاريخ سوى صفحات قليلة عنه، كما تمّ التقليل إلى أقصى حد ممكن من دوره كزعيم قام بتأميم البترول. ان مثل هذا «الاهمال المتعمد» لدورمصدق يرجع، كما ترى مؤلفة هذا الكتاب، إلى واقع انه لم يكن ينتمي إلى طبقة رجال الدين وحيث ان حكومته لم تكن تضم من يمثلهم. من هنا يمكن فهم الاجراء الذي تمّ اتخاذه عام 1991 وقضى بمنع زيارة بيت مصدّق، الذي كان قد تحول إلى «متحف»، وحتى بالنسبة لأفراد أسرته أنفسهم. وفي فصل يحمل عنوان: «طفل غريب في بلد غريب» تعاود المؤلفة الحديث عن طفولتها في «تبريز» التي وصلت إليها ثانية بعد عقود عدة من الزمن، وحيث تأخذ الصفحات التي تكتبها صيغة «رحلة في الذاكرة». انها هي نفسها تتحدث عن نوع من «كتاب السفر»، وما تسميه باللغة الفارسية «سفر نامه». انها تعود إلى تلك السنوات التي عملها والدها في «تبريز» كطبيب خلال مطلع عقد الستينيات الماضي، حيث تصف حياة «طبيب في الارياف» اذ كان لا يتوقف عن الانتقال بين القرى الجبلية المحيطة بالمدينة. انها «أي المؤلفة» وصلت من جديد إلى «تبريز» بعد رحلة طويلة انطلقت من طهران. ويمتزج الماضي بالحاضر، يتداخلان في عملية «اسقاط» متبادل بين ذاكرة الأمس ومشاهدة اليوم. ومزيج أيضا بين الحنين والذاكرة الحية. ومشكلات الأمس «لاتزال أيضا بدرجة ما» هي المشكلات الراهنة. تنقل المؤلفة على لسان «نورا» ابنة الأسرة الارمنية الصديقة: «هذه هي ارمينيا، هذه أرضنا التي نعيش عليها منذ آلاف السنين. ايران ليست موجودة هنا إلا منذ فترة قصيرة من الزمن. والجمهورية الاسلامية منذ فترة قصيرة جدا جدا». هكذا تطرح المؤلفة، كما تفعل دائما في هذا (الكتاب) مسألة التنوع النوعي والاثني في المجتمع الايراني، وكما يراها أولئك المعنيون بها. الأسماء «مستعارة» في أغلب الأحيان. وكما هو الأمر بالنسبة للمسألة الارمنية تتحدث المؤلفة عن الأكراد والتركمان والاذربيجانيين وغيرهم ممن يشكلون «موزاييك» المجتمع الايراني والثقافة الايرانية. ان «كريستيان بيرد»، وعبرعملية التوصيف التي تقوم بها لمشاهد الحياة في إيران اليوم بكل تنوعاتها ودلالاتها، انما تقدم صورة عيانية للواقع الراهن ولما يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لفهم توجهات السنوات المقبلة. «كتاب يقدم معلومات ممتازة عن ايران القديمة والحديثة،وبكثير من الرشاقة والشاعرية»، هكذا علقت الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي على هذا العمل