بيان الكتب: نشر جيرمي سيبروك العديد من الكتب التي خص بها مسائل الظلم الاجتماعي السائد في العالم لاسيما عبر التعرض لقضايا وظواهر شاعت مثل تجارة الرقيق والجنس والمخدرات وعمل الأطفال واستغلال النساء. ومن أهم كتبه: «ملاحظات من الهند الاخرى» و«رحلات في عالم التجارة» والمقصود بهذه التجارة ما يعبر عنه العنوان الفرعي للكتاب الذي جاء فيه: «السياحة وصناعة الجنس». «أطفال العوالم الاخرى» هو كتاب «جديد» في «شكل» تقديمه اولاً اذ انه لا يحتوي على ما يدل على «محتوياته» كما ان فصوله العشرين لا تحمل اي عنوان سوى الإعلان عن رقمه في تسلسل هذه الفصول. لكن هذا لا يمنع واقع وجود خط ناظم من حيث الموضوعات التي يتطرق اليها المؤلف اذ ان دراسة «مختلف انواع الاضطهاد التي يشكل الأطفال ضحاياها الرئيسيين تعطي لهذا العمل «وحدته». ان المؤلف يولي أهمية خاصة لمسألة عمل الأطفال حيث يدرس حالات عيانية تخص بعض البلدان مثل البرازيل وبنجلاديش والهند ونيبال مما شكل حالات فريدة من «الجمع بين حقبة العبودية وفترة التصنيع» ومما يشكل أيضاً خرقاً لمواثيق العمل الدولية كلها وحتى الأول منها الذي تم التصديق عليه عام 1802. كما ان عمل الأطفال استمر على الرغم من الغاء «العبودية» رسمياً منذ اكثر من مئة وخمسين عاماً. ان مؤلف هذا الكتاب يقدم في الفصل الاول منه موجزاً تاريخياً لتطور العهود والمواثيق الخاصة بمنع عمل الاطفال عبر القرنين التاسع عشر والعشرين وذلك من زاوية النتائج التي ترتبت على الثورة الصناعية والتي كانت تجارة العبيد وتوفير اليد العاملة في مزارع القطن الأمريكية احدى مقدماتها البعيدة كما كان عمل الأطفال في سن مبكرة احد اشكال «انحرافها» غير المباشرة. ويتم في هذا النهج من التحليل التعرض لمسألة «الهجرة» ذات الطبيعة الاقتصادية والتي لا تزال تحمل في طياتها بعض السمة «القسرية» التي رافقت تجارة العبيد منذ عدة قرون من الزمن واذا كانت بريطانيا تستقدم قبل قرنين اليد العاملة من المناطق الآسيوية، وخاصة الهند والباكستان وبنجلاديش فان هذه البلاد وخاصة «بنجلاديش» تشكل اليوم «المصدر الأول» للعمال إلى بلدان جنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج، إن مؤلف هذا الكتاب يدرس هذه الظاهرة والظروف التي ترافقها، ويؤكد على الظروف القاسية التي يعيشها هؤلاء المهاجرون انها قاسية لكنها بنفس الوقت «شرعية» هذا إلى جانب انها مصدر دخل حقيقي لبلدان مصدرها. وتتم ايضاً ضمن هذا السياق دراسة اشكال الاضطهاد التي تعاني منها بعض المجموعات في بلدانها مثل الهنود في البرازيل والاقليات المحلية الصغيرة في بلدان مثل ماليزيا والفلبين والهند وبنجلاديش وغيرها. واذا كانت ظاهرة الهجرة تشكل احد السمات الأساسية للقرن الماضي فان الممارسات التي يشهدها ملايين الأطفال في بلدانهم، وكذلك ملايين النساء يواجهون أوضاعاً حياتية في غاية القسوة، ومن هنا برز دور المنظمات غير الحكومية، التي يوليها المؤلف اهتمامه في هذا الكتاب، كاحد مصادر المعلومات حول ما تشهده بلداناً عديدة من مخالفات لجميع المواثيق والشرائع الدولية الخاصة بتحديد سن العمل وشروطه. وفي مقدمة البلدان المعنية هناك البلدان الأكثر فقراً في العالم مثل بنجلاديش. ان تركيز المؤلف على هذه البلاد يعود إلى واقع انه قد عمل لسنوات ضمن اطار منظمتين غير حكوميتين فيها كانتا تهتمان بشكل خاص بمسألة عمل الأطفال. ومن هنا يأتي أيضاً اهتمامه بعمل المنظمات غير الحكومية التي يرى بأن الدور الذي تلعبه من خلال الانفاق على المدارس واشرافها على العديد من الدورات التدريبية ومساهمتها في تحسين الشروط الصحية انما يعادل - اي دور هذه المنظمات - الاصلاحات التي كانت قد شهدتها في ظل «الحقبة الفكتورية» مع الفارق الكبير هو ان العديد من الاصلاحات في بريطانيا كان مصدرها البرلمان، كما انها كانت مستوحاة إلى حد كبير من نتائج التحقيقات التي قامت بها «اللجنة الملكية» المكلفة بالتحقيق في اوضاع الفقر التي تعاني منها شرائح من البريطانيين في ظل «التاج البريطاني». وبالمقابل إذا كانت حكومة «بنجلاديش» قد صدقت على ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وحقوق الطفل فإنها لم تكن في واقع الأمر تملك أية امكانية للالتزام بالمطالب والتوصيات التي ينص عليها. ان هذا العجز «الرسمي» يلقي مسئولية كبيرة على عاتق المنظمات غير الحكومية لا سيما وانها قد تصادف في أحيان كثيرة عرقلة مسيرتها بسبب المواقف الحكومية الرسمية ذاتها. ويناقش المؤلف على مدى فصل كامل آليات تطبيق «البرنامج التعليمي للأطفال الفقراء» والذي أصبحت مهمته الرئيسية هي تأهيل الأطفال لممارسات أعمال محددة لاحقا تعتمد على بعض «الخبرات». لكن هذا لا يمنع العديد من المراقبين من القول بأن ملايين الدولارات التي يتم انفاقها على هذه البرامج التربوية «غير الرسمية» لا تأتي بالنتائج المرجوة منها وذلك بسبب نقص الخطط المستقبلية لتوظيف المعنيين بها بعد ثلاث أو أربع سنوات من التعليم. ان هذه البرامج تجمع في توجهاتها بين التعليم العام والتعليم التقني ولكن دون ربطها باحتياجات الواقع الذي تتم فيه. وهذا ما يدعو المؤلف إلى وصف هذه البرامج بأنها «انتقائية» وتذكر بما عرفته بريطانيا في «زمان آخر». بكل الأحوال هناك تقييمات مختلفة حول البرامج التعليمية للأطفال الفقراء ومردودها على الواقع العلمي للبلدان المعنية بها. وفي نفس الاطار يكرس المؤلف أيضا فصلا آخر لدراسة دور بعض المنظمات «الخيرية» المحلية التي تجد تعبيرها في بلد مثل بنجلاديش بـ «مؤسسة فايان» التي أسسها «عبدالرؤوف بويان» على اسم ابنه الذي توفي وعمره ثلاث سنوات بمرض سرطان الدم «لوكيميا». وحيث قرر والداه انشاء مؤسسة لمحاولة مساعدة الأطفال الآخرين الذين يواجهون ظروفا حياتية صعبة، خاصة على صعيد الأعمال التي يمارسونها (وعلى صعيد حالتهم الصحية). وينقل المؤلف عن مؤسسة «فايان» اتهامه للكثير من ارباب العمل في بنجلاديش بأنهم يستخدمون أطفالا صغارا في السن ولا يدفعون لهم مقابل عملهم سوى مبالغ لا تكفي لتأمين قوت الحياة اليومية ولكنه من جهة أخرى يؤكد على ضرورة فهم واقع بنجلاديش والتعامل مع ظاهرة عمل الأطفال على هذا الأساس وليس على أساس معايير صيغت في ظروف أخرى وسياق آخر. ان «وضع حد نهائي لعمل الأطفال»، ورغم الأجور المتدنية التي ينالونها، يعني في الواقع البنغالي «وضع حد نهائي لأحد أهم حقوق الإنسان للجميع، وهو حق البقاء». إذن لابد من معالجة المسألة من أساسها، «من النبع» كما يقال مثل تأمين قدر كاف من الدخول للآباء مما قد يمنعهم من ارسال أبنائهم «صغارا» للعمل. لكن أرباب العمل لهم رؤية أخرى حيال هذا الموضوع إذ يرون بأن حرمان الأطفال من العمل بأية حجة كانت «وحتى لو كانت ارسالهم إلى المدارس لتلقي بعض المعلومات النظرية، إنما يعني حرمانهم من التعلم في مدرسة الحياة، ومن عيش «التجربة المباشرة» لمواجهة ظروف العيش «القاسية» في سياق «قاسٍ» هو الآخر. والحال كذلك، يؤكد مؤلف هذا الكتاب، على ضرورة فهم آليات تأثير الاقتصاد العالمي الشامل، أي «العولمة» على العديد من بلدان العالم الثالث الفقيرة مثل بنجلاديش، وخاصة الآثار المباشرة على الحياة الاجتماعية والبنى الأساسية فيها وفي مقدمتها الأسرة، وما ينجم عن هذا كله على صعيد العلاقات الإنسانية. إذ ليس من السهل السيطرة على نتائج تطبيق قواعد «اقتصاد السوق» في بلدان هي إلى حد كبير خارج دورة هذا الاقتصاد نفسها. لا شك بأن الجميع، بما في ذلك الناس في بنجلاديش نفسها يريدون وضع حد لعمل الأطفال، ولكن الجميع يدركون بأن المسألة أكثر تعقيدا مما يبدو للوهلة الأولى، ذلك ان قسما هاما من تشغيل مؤسسات صناعية أو مؤسسات خدمات يقوم به «الأطفال في بلد مثل بنجلاديش» فمن سوف يحل محلهم إذا اختفت قوة العمل هذه من السوق؟ لا شك بأن عمل الأطفال، وكما يخلص مؤلف هذا الكتاب من مشاهداته وتحليلاته، هو من أكثر التعبيرات «فظاظة» عن اشكال الظلم الاجتماعي السائد في عالم اليوم. لكن ربما يكون أيضا بنفس الوقت أكبر نموذج للتنمية لا يحظى اليوم بأي احتجاج جدي في العالم، وذلك بعد «سقوط» النموذج الاشتراكي. وهناك جملة شهيرة كان قد قالها ذات يوم رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل وجاء فيها ما معناه بأن النموذج الرأسمالي فيه الكثير من المسالب ونقاط الضعف، لكن لم يجد الناس حتى الآن نموذجا أفضل منه». ثم إن دروس التاريخ تشير إلى الممارسة «الكريهة» الخاصة بـ «عمل الأطفال» إنما قد مرت فيها، بشكل أو بآخر، وبدرجة أو بأخرى، جميع «الأمم الغنية الصناعية» التي تسود اليوم في العالم والتي تبنت كلها اليوم قوانين صارمة تنص على المنع الحازم والقطعي لـ «عمل الأطفال». وفي المحصلة يرى المؤلف بأن النقاشات الكثيرة التي تثار اليوم حول قضية عمل الأطفال «أطفال العوالم الأخرى» وتصب في اتجاه ضرورة وضع حد نهائي له تشابه كثيرا تلك النقاشات التي أثيرت في القرن التاسع عشر حول العبودية وتجارة الرقيق. كتاب «أطفال العوالم الأخرى» هو وثيقة ميدانية قبل كل شيء، حول الاستغلال العالمي لـ «الطفل» وأيضا حول النقاش السائد في الغرب حول موضوع «حقوق الطفل» باعتبارها أحد المكونات الأساسية لـ «حقوق الإنسان». وحيث يحمل هذا النقاش الكثير من سمات «النفاق» فعمل الأطفال جزء من حالة البؤس التي تسود في كثير من بلدان العالم وهناك عشرات الآلاف من الأطفال الذين يموتون لانهم لا يملكون ما يقتاتون به. البؤس.. وعمل الأطفال في العالم من خلال دراسة حالة بنجلاديش