بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب هو مؤرخ ومفكر ورجل سياسة امريكي من الصف الاول. عمل لسنوات كمساعد خاص للرئيس الامريكي جون كندي. قدّم العديد من الكتب ونال عدة جوائز من بينها جائزتي بوليتزر ل،، عام 1946 عن كتاب «عصر جاكسون» وعام 1966 عن كتابه «الف يوم». ونال عام 1998 وسام الاستحقاق الانساني. ومن كتبه الاخرى: «المركز الحيوي» و«الجنرال والرئيس» بالمشاركة مع ريتشار روفر، و«عصر روزفلت» و«الرئاسة الامبريالية» و«دورات التاريخ الامريكي» و«تحلل امريكا: تأملات حول المجتمع متعدد الثقافات»... الخ. هذا الكتاب الجديد «حياة في القرن العشرين» هو الجزء الاول من السيرة الذاتية لمؤلفه «ارثر. م. شلزنجر الابن، كما يدل عنوانه الفرعي الذي يتحدث عن «البدايات البريئة: 1917 ـ 1950». ويؤكد المؤلف في هذا العمل مكانته كمؤرخ لامريكا المعاصرة، كما يطرح بالوقت نفسه المسائل المتعلقة بـ «الامة الامريكية». انه يعود الى الماضي ويطرح افاق المستقبل وامكانياته. وهو في هذا الكتاب يركز بشكل خاص على التاريخ الامريكي العام من خلال حياته الخاصة، انها عين المؤرخ التي تنظر الى ماضيه. وقلم المؤرخ الذي يكتب ذكرياته الخاصة. وما يكشف عنه بالدرجة الاولى لقارئه هناك علاقاته مع الشخصية المهمة التي عايشها او تعرّف عليها عن قرب، وايضا الاحداث الكبرى التي شهدها النصف الاول من القرن العشرين. يقول «شلزنجر» في مقدمة كتابه بان «السيرة الذاتية هي في نهاية المطاف تساؤل حول الماضي يطرحه الحاضر». وهذا ما فعله هو بالتحديد عندما اراد ان يقرأ الماضي على ضوء ما وصل اليه في واقعه الحاضر. لكن وكما يقول هو ايضا، يبقى هناك نوع من التساؤل المشروع عمّا اذا كان ما يتم تقديمه في السير الذاتية، بشكل عام هو اعادة رسم الماضي بصورة واقعية او اعادة تجميع لهذا الماضي بكثير من الانتقائية، السيرة الذاتية تعتمد دائماً على «الذاكرة» و«انا كمؤرخ اعرف نقاط ضعف الذاكرة» يقول مؤلف هذا الكتاب. لكنه يؤكد بالوقت نفسه بانه كان قد تعوّد باستمرار ان يكتب «يومياته» بمثابة «ذاكرة مكتوبة». تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة اقسام تحمل عناوين «سنوات العشرينيات» «سنوات الثلاثينيات»، «سنوات الاربعينيات».. في كتاب يغطي سنوات 1917 ـ 1950 ان القسم الخاص بعقد الاربعينيات يحتل ثلثي صفحات هذا الكتاب التي تتجاوز الـ 500 صفحة انها سنوات الحرب العالمية الثانية. الخطوة الاولى التي يقوم بها مؤلف هذا الكتاب تتمثل في تحديد المعطيات التي كانت بمثابة نقاط العلامة البارزة في حياته من مدينة «كزينيا» في «اوهايو» حيث عاش طفولته وحيث كانت اسرته التي قدمت من بروسيا الشرقية قد استقرّت منذ عام 1872، جدّه اولا ثم ابوه الذي عمل في حقل الصحافة وراسل العديد من الجرائد والمجلات، واهتم بالدراسات التاريخية حيث قدّم العديد من المؤلفات خص ببعضها مصر القديمة.. من هنا يأتي التمييز بين «الاب» و«الابن» في حقل الكتابة اذ انهما يحملان الاسم نفسه. ان مؤلف هذا الكتاب يكرس العديد من صفحاته للحديث عن ابيه وعن تجربته وبالوقت نفسه عن تاريخ ولاية «اوهايو» الحديث. وفي عودة الى سنوات العشرينيات من القرن الماضي «العشرين» يتعرض المؤلف، وفي احيان كثيرة عبر حديثه عن نشاطات والده، الى شرح المفاصل الاساسية في التاريخ الاجتماعي والثقافي للولايات المتحدة الامريكية وللدور الذي لعبته «الجمعية التاريخية الامريكية» في هذا المجال، ويرى بان الاثار التي تركتها موجات الهجرة الى امريكا خلال تلك الفترة كان لها فعلها العميق في بنية المجتمع الامريكي كله والتي لم تعد ذات طبيعة «انجلو سكسونية» صرفه الى حد كبير وانما دخلت مكونات جديدة في مقدمتها المهاجرون القادمون من امريكا اللاتينية والجنوبية وخاصة من المكسيك. لقد اصبحت التعددية الثقافية «احدى السمات الاساسية لبنية المجتمع الامريكي». ويشير المؤلف الى ان العديد من المؤرخين الامريكيين، ومن بينهم والده، رأوا بان التمازج الثقافي والتفاعل المتبادل لم يكن مجرد «امر مفروض وانما مرغوب ايضاً». لكن هذا لم يمنع مؤرخين اخرين من القول بان هذا «الانقسام الاثني» الكبير داخل بنية المجتمع الامريكي قد غدا احد سمات التاريخي الامريكي المعاصر وان لهذا الانقسام مخاطره الكبيرة، اذ ان «التعددية الثقافية ترفض في صيغتها المتطرفة مفهوم الثقافة المشتركة وكذلك مفهوم وجود قومية امريكية واحدة». وضمن هذا الاطار تأخذ قضية السود او الامريكيين ذوي الاصول الافريقية ـ افرو ـ امريكيين، كما شاعت التسمية حاليا كل ابعادها، وحيث برز في سنوات العشرينيات دور المجلة التي حملت عنوان: «صحيفة التاريخ الاسود ـ جورنال اوف نيغروستوري». واثيرت ايضا في الفترة نفسها نقاشات كبيرة شارك فيها امريكيون عاديون او اخصائيون اكاديميون حول مصير «الهنود الحمر» ابناء القارة الامريكية الاصليين. ان هذه الامور كلها تشكل جزءاً لا يتجزأ من «تاريخ الحياة الامريكية»، كما جاء في عنوان احد اعمال هذا المؤلف. ومن سنوات الطفولة والشباب الاولى وعبر القراءات الكثيرة التي قام بها «ارثر. م. شلزنجر» بتشجيع من والدته وشملت كل الميادين، وبعد سنوات الازمة الاقتصادية الكبرى في اواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات وجد المؤلف نفسه، مثل جميع الامريكيين، امام حركة «الاصلاح الجديد» الذي كان الرئيس روزفلت قد قرره من اجل الخروج من الازمة الاقتصادية ومحاولة اعادة القاعدة الاجتماعية الامريكية. وكان المؤلف قد تخرج من مدرسة «اكستر» عام 1933. كانت رؤيته السياسية قد بدأت بالتكون والتبلور وانشدّ اهتمامه بشكل خاص حيال الصين واليابان والهند وبقية البلدان الاسيوية. وكان الدخول الى «هارفارد» بمثابة التجربة الاساسية في ولوج الطريق المؤدي الى عالم كبار رجال السياسة. وعلى مدى ثلاثة فصول كاملة يتحدث المؤلف عن «هارفارد» واهميتها في الحياة السياسية الامريكية. ان مؤلف هذا الكتاب يشرح على مدى صفحات عديدة الكيفية التي كان ينظر فيها الامريكيون لصعود النازية في المانيا والتحضير لخوض حرب جديدة في القارة القديمة وحيث كان الاتحاد السوفييتي «السابق» هو بمثابة القوة الوحيدة القادرة على مواجهة المشروع الهتلري فانجلترا كانت تبدو خائرة القوى وفرنسا تعاني من انقسامات شديدة وعديدة بينما تحتمي امريكا وراء نزعة انعزالية تدعو الى عدم الاهتمام بما هو خارج الحدود. وبالوقت نفسه لعب العديد من المفكرين والمثقفين الغربيين الكبار دوراً كبيراً في تحسين صورة الاشتراكية و«بلدها الاول» وانتمى الكثيرون منهم الى الاحزاب الشيوعية. ويشكل الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة الامريكية حيال الحرب العالمية الثانية احد المواضيع التي كرس لها مؤلف هذا الكتاب العديد من الصفحات. لقد بدت امريكا منقسمة على نفسها بين تيارين عريضين بالنسبة للموقف المطلوب اتخاذه. تيار يقول بضرورة التدخل بحيث تؤكد القوة الغربية الاعظم دورها المركزي على الساحة الدولية وتيار اخر تابع موقف الدعوة الى «الانعزال» والاهتمام بالشأن الامريكي وحده بعيدا عما يجري في مناطق العالم الاخرى. بكل الاحوال كان التدخل مرهوناً بالقرار الذي يتخذه الكونجرس بشأن قرار التدخل في الحرب او عدم التدخل. قدّم كل من التيارين حجمه وأكد انصار التدخل بشكل عام بان احتمال انتصار هتلر لن يكون كارثة بالنسبة لاوروبا وحدها وانما ستصل «ناره» الى الولايات المتحدة ذاتها لاسيما وان المشروع الهتلري كان قد نال اعجاب الكثير من الامريكيين انفسهم. لكن مقابل هذا الطرح قال انصار عدم التدخل بان المصلحة الوطنية الامريكية تكمن بالاحرى في المحافظة على ميزان قوى متوازن في القارة الاوروبية. بل ورأى بعض المتطرفين في هذا التيار بان وجود المانيا النازية يمثل ضرورة في اوروبا كقوة بمواجهة الاتحاد السوفييتي. بكل الاحوال اتخذ مؤلف هذا الكتاب موقفا مؤيداً للتدخل. وكان ذلك ضمن اطار تيار الاغلبية في اوساط جامعة هارفارد. وفي هذا الاطار جاء الهجوم الياباني على قاعدة «بيرل هاربور» في المحيط الهاديء مما جعل الرد الامريكي امراً غير قابل للنقاش. وكان مؤلف هذا الكتاب قد اعتبر الهجوم على القاعدة الامريكية احد أحداث اربعة كان لها الاثر البالغ في بناء جيله كلهم. يقول: «بالنسبة لابناء جيلي هناك اربع لحظات تبقى ماثلة في الذاكرة «..» وهي: الهجوم على بيرل هاربور ووفاة فرانكلين روزفلت وموت جون كندي وصعود الانسان الى القمر». وعلى الرغم من النهاية التي آلت اليها الحرب وانتصرت فيها الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها واندحر فيها نهائياً المشروع النازي فان مؤلف هذا الكتاب يؤكد على شراسة ما رافقتها وما عرفته من «فظاعات وسادية وحماقات». يقول بصدد هذه الحرب: «كانت الحرب العالمية الثانية بالنسبة لابناء جيلي هي التجربة الاكثر عمقاً والاكثر غنى بدلالاتها». وذلك بما فتحته من آفاق حيال تطور موازين القوى في العالم، ذلك ان القوى الاوروبية الرئيسية التي كانت في معسكر المنتصرين مثل فرنسا وانجلترا، وفي معسكر المهزومين بالنسبة للحالة الالمانية قد خرجت «مهشمة» من الحرب بينما برزت قوتان على المسرح الدولي اصبحت بمثابة القوتين العظميين الوحيدتين، اي الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي «السابق»، في العالم. وكانت تلك هي احد اهم نتائج تلك الحرب الكونية التي عاش العالم بعدها مدة عقود كاملة في ظل «الحرب الباردة». من خلال هذا الكتاب يبدو التاريخ الشخصي لمؤلفه «ارثر. م. شلزنجر». هكذا تغدو حياته بعد سنوات الطفولة في وسط غرب امريكا، «متداخلة» مع تاريخ بلاده خلال عقد العشرينيات ثم دخوله الى جامعة هارفارد وعيشه الوثير في ظل اب كان هو الاخر شخصية فكرية هامة في عصره ومؤرخاً مرموقاً. ان المؤلف يروي احداث حياته «على ضوء» الاحداث الامريكية الكبرى بحيث ان الكتاب هو بالوقت نفسه سيرة ذاتية لصاحبه ولكن ايضا تأريخاً لامريكا خلال نصف قرن من الزمن. وهو ايضا تأريخ لنقاشات فكرية سادت الحقبة كلها بين توجه ليبرالي ازدهر بعد الحرب العالمية الثانية وبين توجه «يساري» اراد ان يثبت تفوقه عبر التركيز على حس العدالة الاجتماعية بشكل خاص. ويحتوي الكتاب ايضا على كم كبير من التفاصيل الصغيرة، تفاصيل الحياة اليومية و«تلاوينها» للتأكيد على البدايات البريئة لشخص الكاتب وللقرن الامريكي بالوقت نفسه. لقد جعل المؤلف من حياته «عينة» لما هو اشمل وأعم. والحكايات الشخصية الكثيرة التي يستعرضها تصب كلها في محاولة رسم الاطار العام الذي عاش فيه حياته وكوّن اراءه السياسية وقناعاته الفكرية. في المحصلة هذا كتاب يلقي الضوء على الازمة الاقتصادية الكبرى التي شهدتها نهاية عقد العشرينيات وعلى الحرب العالمية الثانية ثم على الاصول الاولى لـ «الحرب الباردة»