بيان الكتب: كريستوفر هتشنز، كاتب وصحفي من اصل انجليزي. من مواليد بورتسموث عام 1949. تخرّج من جامعة اكسفورد في العلوم السياسية والاقتصادية والفلسفة. نشر كتاباً عام 1995 عن «الام تيريزا» المعروفة في ميدان حقوق الانسان، ونال ذلك الكتاب شهرة كبيرة دفعته الى رأس قائمة الكتب الاكثر انتشاراً في الولايات المتحدة الامريكية وانجلترا بعد أشهر من صدوره. يساهم «هتشنز» بانتظام في العديد من الصحف والدوريات مثل «هاربرز ماجازين» و«فوغ» و«مجلة لندن للكتب» والملحق الادبي لـ «التايم». هل ينبغي تقديم هنري كسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية الاسبق، امام محكمة لاهاي الدولية لمحاكمته على جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية والتآمر الذي كان سبباً لعمليات قتل وخطف وتعذيب؟ على هذا السؤال لا يتردد مؤلف هذا الكتاب بالاجابة بـ «نعم»، وذلك بعد قيامه بتحقيق دقيق اعتماداً على الكثير من الوثائق السرية التي رفعت السلطات الامريكية عنها مؤخراً صفة السرية. ان هذا الكتاب يبيّن في الواقع بطريقة محددة ودقيقة الكيفية التي قام بها هنري كسنجر، الحائز على جائزة نوبل للسلام، عام 1973، بتنظيم عمليات القصف للمدنيين في لاوس وكمبوديا، كما خطط لاغتيال الجنرال الشيلي «شنايدر» كي يقطع الطريق امام الرئيس سلفادور اللندي، ثم كيف ساهم في تنصيب اوجستو بينوشيه رئيساً لتلك البلاد، وكيف دعم سراً محاولة اغتيال الاسقف مكاريوس في قبرص وكيف خرّب تجربة نظام ديمقراطي في بنجلاديش.. الخ.. كان هنري كسنجر قرابة عشرة اعوام المهندس الحقيقي للسياسة الخارجية الامريكية «1969 ـ 1977»، اثناءها رئيساً لمجلس الامن القومي ومنذ عام 1972 وزيراً للخارجية. خلال هذه الفترة كلها قام في الواقع بتطبيق النظريات التي كان قد صاغها ودرّسها عندما كان استاذاً للعلاقات الدولية في جامعة هارفارد. وهنري كسنجر هو سليل اسرة يهودية بورجوازية صغيرة هاجرت من المانيا الى الولايات المتحدة الامريكية عام 1938. ثم ان كسنجر الذي كان بمثابة الدماغ الاستراتيجي للرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون وبعده لجيرالد فورد كان بالوقت نفسه من اكثر المعجبين بـ «متر نيخ» وبـ «المنظومة الاوروبية» خلال النصف الاول من القرن التاسع عشر. ومن السمات الاساسية التي كان يتمتع بها هنري كسنجر ويؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب كثيراً، هناك نزوعه الى «الدبلوماسية الاستعراضية» والتي حاول من خلالها فرض رؤية للعالم تقوم على الحذر الكبير من الايديولوجيات واقامة السياسة على اساس موازين القوى القائمة.. ان مثل هذه الرؤية تبدو في السياسة التي تبنّاها حيال الشرق الاوسط او حيال موسكو وبكين. وهكذا كان وراء اعتراف الولايات المتحدة الامريكية بالصين الشعبية، والمفاوض من اجل انهاء الحرب في الفيتنام ـ مما كان وراء منحه جائزة نوبل للسلام عام 1973 ـ باختصار فرض هنري كسنجر نفسه بمثابة الشخصية الاولى على المسرح السياسي العالمي. كان «المشهد منسقا وجميلاً» من الخارج، ولكنه كان «دامياً» وراء الكواليس. وما «وراء الكواليس» هذا هو الذي يثير اهتمام مؤلف هذا الكتاب «كريستوفر هتشنز»، الذي لم ير في كسنجر «ساحر الدبلوماسية»، كما وصفه المعجبون به، وانما ذلك الرجل الذي قاد سياسة تقوم على التآمر وعدم الفعالية والاجرام وهي جديرة بالتالي بان تقوده للمحاكمة امام محكمة دولية. «انا خصم سياسي لهنري كسنجر، اقول هذا منذ البداية. لكنني مع ذلك لم استخدم في هذا الكتاب جميع المعطيات التي امتلكها والتي تدين حامل جائزة للسلام. انني لا اذكر هنا سوى الاسباب والتي يمكن ان تشكل الاساس لعمل قانوني ضده...، هكذا يبدأ كريستوفر هتشنز كتابه. هذا الكتاب له هدف واضح هو «تحطيم اسطورة» او «تحطيم صنم» حسب تعبير «لوران جوفران» في تقديمه للطبعة الفرنسية للكتاب. وكان كسنجر قد بدأ مسيرته السياسية كاخصائي دولي في المسائل الاوروبية وحيث رأى في مؤتمر «فيينا» لعام 1815 المنعطف الذي استطاع مترنيخ ان يحقق انطلاقاً منه نوعاً من «التوازن الدبلوماسي» الذي حقق استقرار القارة القديمة لعدة عقود من الزمن. لكن مثل هذا الرأي لا يرى ان مؤتمر «فيينا» المذكور نفسه كان وراء وأد كل الآمال «الثورية» التي كانت قد برزت من خلال قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. لم يكن هنري كسنجر «ساحر الدبلوماسية» كما يصفه معجبوه ولا يرى مؤلف هذا الكتاب في اولئك الذين اعتبروه كذلك سوى اناس يعانون من «قصر النظر». لكن لاشك بان هذين الحكمين المتناقضين ايجابا وسلباً تتجاوز دلالتهما كثيرا حالة كسنجر، فالمسألة تتعلق بالمعنى العميق لـ «فن ممارسة السياسة، وهل تعطي فيه الاولوية لما يمكن ان نسميه بـ «السياسة الواقعية» التي قد لا تأخذ باعتبارها اية مقولات اخلاقية او خاصة بحقوق الانسان وانما ترمي الى اقرار السلام بين امم متخاصمة ام تعطى لمعايير اخرى ذات طبيعة اخلاقية بشكل اساسي. وكانت المعايير ايضا خلال عقدي الستينيات والسبعينيات تخضع كثيراً لما افرزته الحرب الباردة من تنافس بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي آنذاك. المعجبون بكسنجر كانوا في عداد اولئك الذين يرددون المثل القائل: «انهم برابرة. لكنهم حلفاؤنا».. ويقصدون بذلك اكثر الانظمة الدكتاتورية شراسة وانما المتحالفة مع المعسكر الامريكي.. باختصار وباسم العداء للشيوعية كان يتم تبرير كل اشكال الممارسات. لكن، ومهما قيل عن التدخل الامريكي في الفيتنام والانخراط في حرب استمرت خمسة عشر عاماً ومساندة نظام فيتنام الجنوبية الدكتاتوري باسم محاربة الشيوعية ومنع انتشار «العدوى الثورية» في عموم جنوب شرق آسيا، فان هذا كان يمثل تدخلاً في الشئون الداخلية لبلد مستقل والدخول في حرب مدمرة فتاكة كانت نتائجها نفسها مأساوية. وما بين هذين الرأيين «المؤيد» بحماس و«المعارض» بحماس ايضا لم ينته النقاش، بل هو أبعد ما يكون من ان ينتهي وهذا الكتاب سيكون حافزاً مؤكداً على فتحه من جديد. ومن بين الحالات التي ساهم فيها هنري كسنجر بالتخطيط لاعمال غير شرعية حسب الوثائق التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب، تمثل الحالة الشيلية مثالا صارخاً على «جرائم» صاحب جائزة للسلام. ويبدو بوضوح ان كسنجر كان قد أمر بعدة اغتيالات سياسية وشجع على ممارسة سياسة قمع شديدة في تشيلي بحجة الخطر الشيوعي الذي يهدد امريكا اللاتينية كلها. كانت الحكومة التشيلية في ظل اللندي تحت سيطرة الاشتراكيين ـ وليس الشيوعيين ـ ولم تمس ابداً الحريات العامة. كما كانت توجه التهمة عادة للانظمة التوتاليتارية في اوروبا الشرقية والوسطى. وبالتالي يمكن القول بان اسقاط تلك الحكومة لم يكن يستجيب لاية ضرورة استراتيجية وانما كان يخضع بالاحرى لمصالح بعض الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. واذا كان بينوشيه يواجه اليوم تهديد تقديمه للمحاكمة بسبب جرائم الحرب التي اقترفها فانه جدير بالاحرى محاكمة «محرك الدمى» الاساسي وليس «الدمية»، لاسيما وان التآمر الامريكي بتخطيط من كسنجر ضد تشيلي ادى الى الاطاحة بالنظام الديمقراطي المنتخب لسلفادور اللندي واعدامه على يد العسكريين الانقلابيين الذين كان يقودهم بينوشيه. كانت اجهزة الاستخبارات الامريكية قد قررت ان تقتصر نشاطاتها في تشيلي منذ مطلع عقد الستينيات الماضي بتمويل الاحزاب «المقبولة» امريكياً. لكن مع انتخابات 1970 الرئاسية وحصول مرشح اليسار «سلفادور اللندي» على اعلى نسبة من اصوات المقترعين احس اليمين تشيلي المتطرف والشركات الامريكية متعددة الجنسيات بالخطر. وجرى في البيت الابيض اجتماع بين الرئيس نيكسون ورئيس شركة بيبسي ـ كولا، دونالد كنداك ودافيد روكفلر وريتشار هولمز، مدير جهاز الاستخبارات الامريكية «سي. اي. آ» وهنري كسنجر. كان القرار: «يبتغي بأي ثمن كان ابعاد اللندي عن السلطة». كانت تشيلي تتميز «تقليدياً» بحياد العسكريين فيها في علاقتهم مع السلطة السياسية. هكذا عارض رئيس اركان الجيش تشيلي الجنرال «رونيه شنايدر» اي تدخل عسكري في سير الانتخابات. هكذا تقرر بتاريخ 18 سبتمبر 1970 اثناء اجتماع بين المسئولين الامريكيين ضرورة ابعاد هذا الجنرال. كانت الخطة تقتضي بخطفه من قبل ضباط متطرفين في الجيش على ان يتم الصاق التهمة بعناصر يسارية متطرفة وموالية لسلفادور اللندي. لم تكن المهمة سهلة وينقل المؤلف عن ريتشار هولمز قوله في مذكرة عن محضر احد الاجتماعات: «لقد حاولنا ان نجعل كسنجر يفهم مدى ضآلة امكانية نجاح العملية». لكن كسنجر اصرّ عليها وأمرهما بحزم بضرورة تنفيذ الخطة. بعد أيام جرى اعلام هنري كسنجر بان الجنرال التشيلي «روبرتو فيو» القريب من اوساط اليمين المتطرف قبل تنفيذ مهمة «ازاحة» الجنرال شنايدر مقابل مبلغ خمسين الف دولار امريكي. كان تعبير «الخطف» لا يزال مستخدماً ولكن سمح فريق كسنجر بتزويد المساهمين في العملية بالرشاشات والقنابل المسيلة للدموع، ويبدو بوضوح انه لم تكن هناك أية تعليمات عما ينبغي فعله مع الجنرال شنايدر بعد اختطافه. وبسبب عدم انضباط مجموعة الجنرال «روبرتو فيو» ثم استبدالها بمجموعة اخرى يترأسها الجنرال «كاميلو فالونزويلا» التي كانت في مساء 19 اكتوبر 1970 بمحاولة اختطاف فاشلة للجنرال «شنايدر» الذي استخدم في ذلك المساء سيارة خاصة غير تلك التي كان يستخدمها عادة. اعطت القيادة المركزية لجهاز الاستخبارات الامريكي اوامرها «لمكتبها» في تشيلي بانه ينبغي التحرك فوراً اذ «ينبغي على الادارة ان تجيب يوم 20 اكتوبر على اسئلة في احد الدوائر العليا». فشلت المحاولة الثانية مساء 20 اكتوبر، لكن يوم 22 اكتوبر ثم اغتيال الجنرال رونية شنايدر بواسطة رشاشات «جرى مسح أية اشارة عن مصدرها عمداً».. وكان القتلة من رجال عصابة الجنرال «روبرتو فيو»، الذين يبدو انهم قد أظهروا «فاعلية» اكبر. انتهى نظام سلفادور اللندي بانقلاب عسكري في 11 سبتمبر 1973. وفي تلك الاثناء كان هنري كسنجر يواجه اسئلة مجلس الشيوخ الامريكي قبل تعيينه وزيراً للخارجية. لقد كذب آنذاك وأكد امام لجنة الشئون الخارجية لذلك المجلس بان حكومة الولايات المتحدة الامريكية لم تساهم ابداً بتلك العملية الانقلابية. ان مؤلف هذا الكتاب يقدم العديد من البراهين على ان العكس كان هو الصحيح. وفي فصل تحت عنوان: «قبرص: اسقف مشاغب»، يتحدث مؤلف هذا الكتاب عن تورط وزير خارجية امريكا الاسبق في محاولة اغتيال الاسقف مكاريوس في قبرص عام 1974. هذه المحاولة التي «فضّل» هنري كسنجر تأجيل الحديث عنها في كتابه الذي يحمل عنوان «السنوات العاصفة»، اي الجزء الثاني من مذكراته وحيث قال: «علي تأجيل الحديث في هذه القضية الى مناسبة اخرى فهي تستحق بحثاً معمقاً، اذ انها تركز اثارها في ظل رئاسة فورد ولم تظهر نتائجها النهائية حتى الآن». لقد تم قصف القصر الرئاسي في «نيقوسيا» في خطة انقلابية ضد الاسقف مكاريوس الذي اصيب بجروح بليغة.. لم تكن واشنطن تريد بقاءه في السلطة ولذلك كانت مصدر التمويل الرئيسي لمحاولة الانقلاب ضد مكاريوس. و«حمام من الدم في بنجلاديش» وآخر في «تيمور الشرقية»، وقبل هذا كله دور كبير في «ورطة» الحرب الفيتنامية.. هذا هو بعض «رصيد» هنري كسنجر على جبهة جرائم الحرب التي اقترفها كما يقول ويؤكد ويقدم الصحفي الامريكي كريستوفر هتشنز البراهين الدافعة بالاعتماد على الاراشيف الرسمية الامريكية نفسها. في المحصلة ان هذا الكتاب يبيّن بصورة استثنائية ودقيقة كيف يمكن لسلطة ديمقراطية مثل الولايات المتحدة الامريكية ان تقوم بتنظيم جرائم على الصعيد العالمي، كما يكشف ايضا عن الدوافع الحقيقية التي كانت توجه سياسة هنري كسنجر وفي مقدمة هذه الدوافع المال والسلطة. كتاب وصفه معلق الواشنطن بوست بتاريخ 30 يناير 2001 بانه «قنبلة ألقيت على هنري كسنجر»