بيان الكتب: مرة ثانية تعود مدينة الاسكندرية مثلما كانت فى التاريخ القديم، منارة ثقافية تشع بنورها، وتحفظ للحضارة الإنسانية تألقها.. ففى القريب العاجل تفتتح مصر أعظم مشروع ثقافى بافتتاح مكتبة الإسكندرية، التى تعيد إلى الأذهان، دور المكتبة القديمة فى الحفاظ على الثقافة الإنسانية. وإذا كانت مكتبة الإسكندرية فى العالم القديم والتى بناها بطليموس الأول عام 290 قبل الميلاد قد حافظت على ما أنتجه العقل اليونانى من آداب وفنون وعلوم وفلسفات وعقائد، فإن مكتبة الاسكندرية الجديدة والتى تأتى فى عصر ثورة المعلومات وتكنولوجيا الإتصال العالية وتدفق المعرفة ينتظر أن تقوم بدور جديد يتصل بعصرها، فى التفاعل والتبادل والتقريب بين الحضارات والثقافات، وتقديم الثقافة العربية للإنسانية كلها، وفتح نافذة جديدة تطل من خلالها الأمة العربية على أحدث منتجات العقل المعاصر والاستفادة منها. ولا شك أن بين المكتبة القديمة والمكتبة الجديدة وشائج قربى قوية رغم تباعد الزمن. المكتبة الحديثة وحسب المعلومات التى وفرتها إدارة مكتبة الإسكندرية الجديدة، فإن مبنى المكتبة الذى يقع فى منطقة الشاطبى فى مواجهة البحر مباشرة يقوم على مساحة من الأرض مقدارها 85 ألف و405 أمتار ويتكون المبنى الذى وصلت تكلفته إلى 800 مليون جنيه مصري من 11 طابقا، الطوابق الأربعة الأولى تقع تحت سطح الأرض، لكنها ترى البحر فلا يشعر الزائر أنه فى مكان تحت سطح الأرض والمبنى كله مغطى من الخارج بالحجر الجرانيتى المقطوع بطريقة فرعونية وبدون تكنولوجيا حديثة، من منطقة أم رشوان جنوب أسوان. وعلى هذا الحجر الجرانيتى نقشت كتابة بمختلف أبجديات العالم. أما داخل المبنى فتوجد عدة مكتبات متداخلة متصلة تؤدى عدة أدوار متكاملة ففى الطوابق الأربعة الأولى مكتبة للكتب النادرة من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الثقافات تضم 10 آلاف كتاب ويتسع المكان لـ 150 ألف كتاب من نفس النوع. إلى جوار هذه المكتبة، مكتبة للخرائط تضم 50 ألف خريطة، ومكتبة للمخطوطات من مختلف أنحاء العالم تضم 50 ألف مخطوط، ثم مكتبة عامة للكتب تضم 400 ألف كتاب فى كافة فروع المعرفة ويتسع المكان ليضم مع الوقت 8 ملايين كتاب، وتقع هذه المكتبة بموازاة سطح الأرض ولها ساحة مساحتها 36 ألف متر وقاعة كبرى تسع حوالى 2000 قارئ وفى الأدوار الأخرى مكتبة للوثائق التاريخية تضم آلافا من الوثائق التى أهدتها دول عديدة للمكتبة وهناك مكتبة للموسيقى تضم عشرات الآلاف من الشرائط والاسطوانات من مختلف دول العالم ومكتبة سمع بصرية، ومكتبة للمكفوفين فاقدى البصر، مجهزة بطريقة علمية وتضم آلافا من الكتب المكتوبة بطريقة (بريل) ومكتبة للشباب تحتوى على مجلدات وكتب تعنى باهتماماتهم ومكتبة للأطفال ومكتبة للفنون والعمارة وعدد من القاعات الصغرى للقراءة والاجتماعات والندوات ومتحفا للعلوم ومعهدا للدراسات والمعلومات وقبة سماوية. ومكتبة الاسكندرية الجديدة مجهزة بشبكة معلومات داخلية مبرمج عليها ما تحتويه الكتب من الموضوعات وأسماء المؤلفين وسنوات الطباعة لتسهيل وصول القارئ بسرعة للكتاب الذى يريد الإطلاع عليه ومجهزة بشبكة معلومات خارجية تربطها مباشرة بمكتبة الكونجرس ومكتبة روما ومكتبة المتحف البريطانى وكبرى المكتبات والجامعات والدوائر العلمية والثقافية فى العالم ومن المنتظر أن يكون الاحتفال بافتتاح المكتبة احتفالا دوليا يستمر ثلاثة أيام وتشارك فيه وفود ثقافية وعلمية من مختلف أنحاء العالم وتعقد فيه ندوات وحلقات بحثية ونقاشية حول دور المكتبة فى الحاضر والماضى.. وكان مجلس الشعب قد وافق فى 11 فبراير الماضى على القانون رقم 1 لسنة 2001 والذى يقضى بجعل مكتبة الاسكندرية هيئة تابعة بشكل مباشر لرئاسة الجمهورية وذلك لتحريرها من القيود البيروقراطية والإدارية المعمول بها فى الوزارات وقد فاز مبنى مكتبة الاسكندرية بجائزة أفضل تصميم معمارى لعام 2000 فى مسابقة دولية تقام سنويا فى لندن. وإذا كان الدور المنتظر لمكتبة الإسكندرية الجديدة كما يؤكد الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالى والبحث العلمى يتوخى الدور الثقافى التاريخى القديم كهمزة وصل بين الثقافات والحضارات فإن إلقاء الضوء على مكتبة الاسكندرية القديمة سوف يعيد إلى الحاضر عبق الماضى ويؤصله برونق التاريخ. المكتبة القديمة وقصة مكتبة الاسكندرية القديمة لابد أن تستدعى قصة إنشاء المدينة العريقة على يد الاسكندر الأكبر المقدونى ذلك الحاكم الفذ الذى غزا العالم ليس فقط بقوة الجيوش ولكن أيضا بقوة المعرفة والحضارة التى أبدعتها فى الماضى بلاده اليونانية. ومن المعلوم أن الاسكندر الأكبر تلميذ نجيب لأرسطو تربى وتعلم على يديه وشرب منه أسرار العلوم القديمة، وعلى رأسها علوم المصريات التى كانت منبعا أساسيا للحضارة اليونانية كما يؤكد (مارتين برنال) العالم البريطاني الشهير. وعندما وصل الاسكندر إلى مصر عام 331 قبل الميلاد وكان عمره 25 عاما كانت محكومة بالامبراطورية الفارسية التى هزمها الاسكندر فى معارك عديدة، وكان المصريون يكرهون الفرس أشد ما تكون الكراهية لفسادهم ودمويتهم وجورهم الرهيب، وهكذا سقطت مصر فى يد الاسكندر برغبتها وانضم المصريون لجيشه الذى دخل مصر دون مقاومة. أما هو فقد آمن بآلهتهم وزار معابدهم وقدم القرابين، ونصبه الكهنة ابنا لآمون. ومن مدينة منف العاصمة المصرية انحدر الاسكندر إلى النيل إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وعلى ذلك الشريط من اليابسة بين البحر وبحيرة مريوط أمر مهندسه (ديتوقريتس) ببناء مدينة رائعة تكون عاصمة المملكة المصرية الحديثة على الساحل، وتكون مرتبطة بمقدونيا بميناء جديد. وبمجرد أن أعطى أوامره ووضع تخطيط المدينة رحل إلى الشام دون أن يرى حجرا قد وضع فى العاصمة الجديدة ثم مات هناك عام 3 2 3 ق.م. واستكمالا للقصة التى نرويها من خلال مصادر ثلاثة هى موسوعة (مصر القديمة): الجزء الرابع عشر للدكتور سليم حسن وكتاب (الاسكندرية: تاريخ ودليل) للكاتب الإنجليزى أ.م فوستر. وكتاب (الاسكندرية: المكتبة والأكاديمية للكاتب محمد عبد المنعم عامر فإن رحيل الاسكندر الأكبر عن الدنيا قد انتهى بتوزيع امبراطوريته بين كبار قادته العسكريين، وكانت مصر من نصيب (بطليموس الأول ) (سويتر) الذى حكمها فى الفترة من (323-285) قبل الميلاد وفى عهده أقيمت مكتبة الاسكندرية عام 290 ق.م كما يرجح سليم حسن. وكان المبنى الذى يقع مع مبنى الاكاديمية وسط المدينة جزءا من القصور الملكية، وبالمناسبة فإن المبنى الجديد للمكتبة يقع فى نفس الحى اليونانى المركزى القديم. وكان بطليموس الأول يسير سيرة الاسكندر الأكبر فى الاحتفاء بالعلماء والأدباء والإنفاق عليهم وتوفير المناخ الملائم لابداعهم. ويرجح سليم حسن أن مكتبة الاسكندرية كانت أول مكتبة عامة تسمع بها بلاد اليونان، فالمصريون القدماء هم أول من فكروا فى تدوين أفكارهم وآرائهم على الورق، ولا غرابة فى ذلك فهم أول من اخترعوه ونشروه فى العالم كله وكانت لهم بيوت يحفظون فيها كتاباتهم الخاصة بتاريخ بلادهم وعلومهم الدينية والدنيوية، وكانت تسمى هذه المؤسسات (بين الحياة) لكن بلاد آشور عرفت المكتبات بعد المصريين ففى القرن الثامن قبل الميلاد أسس الملك (آشور بنيبال) مكتبته الشهيرة التى كانت تحتوى على آلاف المجلدات أما اليونانيون فكانت أول مكتبة عامة يشيدونها هى مكتبة الاسكندرية لهذا وضع بطليموس الأول كافة الامكانيات التى تجعلها فى أكمل صورة، وجمع لها من مختلف أركان المملكة اليونانية عشرات الآلاف من المجلدات على أن المجلد فى ذلك الزمان كان عبارة عن لفافة تضم مجموعة من أوراق البردى المكتوب عليها والملفوفة والمحفوظة بطريقة خاصة تسهل الإطلاع عليها. يقول سليم حسن فى تلك الفترة التى أسست فيها مكتبة الاسكندرية لم تكن قد نظمت بعد لتكون مؤسسة عامة للقراءة على نطاق واسع، غير أنها بوصفها حركة إيجابية نحو امتداد واسع للعلوم وشحذ الفكر واليقظة التى غمرت العالم وقتئذ لينهض الأرث الهيلانى القديم ولا نزاع إذن فى أن مكتبة الاسكندرية من هذه الوجهة تستحق المكانة الشريفة العالية التى تستحقها حقبة طويلة فى المجتمع القديم لتنمية العقل الإنسانى، فقد كانت النموذج الذى اتخذته مكتبات عالم البحر الأبيض المتوسط مثالا تحذو حذوه، ومن ثم كانت النواة ونقطة الإنطلاق نحو ديمقراطية العلم والتعليم الذى تميز بهما العالم الاغريقى الرومانى أثناء إزدهار حضارتيهما. أهم الكتب ويذكر سليم حسن أن حكم البطالمة والذى ظل فى مصر حوالى 300 عام لم يكن متواترا فى التطور والازدهار بل أن هناك فترات ضعف واضمحلال، ولهذا فإن تطور المكتبة من حيث عدد مجلداتها كان يزيد أو ينقص حسب استقرار الحكم، ففى المراحل الأولى وصل عدد المجلدات إلى 700 ألف مجلد وفى ختام القرن الثالث قبل الميلاد كان العدد حوالى 400 ألف مجلد وفى عهد يوليوس قيصر وصل العدد إلى 700 ألف. ولم يكن من بين هذه المجلدات كتب من تأليف المصريين سوى كتاب التاريخ الذى وضعه مانيتون بالاغريقية. ويقدم لنا سليم حسن نبذه عن أهم الكتب وأهم أمناء مكتبة الاسكندرية فى العصر القديم فقد استعار بطليموس الثالث (246-221 ق.م) من أثينا إضمامات البردى التى كانت ملك الحكومة الأثينية وكانت تحتوى على معظم المتون القيمة لتمثيليات (اسكلس) و(سوفولكيس) و(إبريبيديس) وغيرهم لنسخها من أجل مكتبة الاسكندرية، وكانت المكتبة تضم ترجمات للآداب العالمية. وقد أدار المكتبة مجموعة من العلماء الفطاحل المبرزين فى القرنين الثالث والثانى قبل الميلاد وعملوا أمناء لها، ومن هؤلاء (زنودوتوس ) ويعد أول إغريقى يضع للعالم متنا منقحا لكتابى هومر (الألياذة) و(الاوديسا) وخلفه (أبو للونيوس) الاسكندرى وهو مؤلف الملحمة المسماة (الحملة الارجونيتية)، وفى عهده نظم الشاعر الغنائى (كاليموكوس) فهرس مكتبة الاسكندرية المشهور. والفهرس الذى وضعه ـ الكلام لسليم حسن ـ كان قد نظم من حيث الموضوعات فى ثمانية أقسام كما يأتى: كتاب الروايات والملاحم والشعر الغنائى (كل هذا معا) ثم المؤرخون ويتلوهم الشعراء والبلغاء والخطباء والفلاسفة وأخيرا كتاب المنوعات. وهذا ما يقابل فى الواقع على وجه التقريب موضوعات الفهرس فى المكتبة الحديثة ومن أمناء المكتبة القدامى أيضا الجغرافى القدير ذائع الصيت (آراتوسينيس) و(أريستوفانيس ) البيزنطى ناشر المتون الممتازة للشعر الكلاسيكى ولكتاب ومؤلفين سبقوا أفلاطون. الحريق ومن كتاب محمد عبد المنعم عامر نتوقف أمام النهضة الفكرية التى شهدتها مكتبة الاسكندرية فى عهد بطليموس فيلادلفن ابن بطليموس الأول، والذى حكم مصر فى الفترة (285-246 ق.م) حيث اكتظت مخازن المكتبة وزاد رصيدها فى هذه الفترة، وهناك أرقام تقريبية لعدد الكتب أو اللفافات ذكرها المؤرخون القدامى على وجه التقريب، فهى تتراوح ما بين 45000 مجلد و700.000 مجلد، لكن الفترة من عام 221 حتى 181 ق.م والتى شهدت حكم أربعة ملوك بطالمة بعد بطليموس الثالث كانت فترة إضمحال وتدهور انعكست آثارها على مكتبة الاسكندرية، وفى عهد بطليموس السابع دب الخلاف بين أبنائه وانقسمت البلاد وتمزقت شيعا وأحزابا واستمر الحال إلى أن استطاع بطليموس الحادى عشر توحيد البلاد تحت حماية ورعاية ووصاية روما، وعندما مات عام 51 قبل الميلاد انتقل الحكم حسب وصيته إلى ابنه البالغ من العمر عشر سنوات، وابنته كليوباترا ذات الـ 17 ربيعا، وكان الحكم تحت وصاية رومانية ودب الخلاف بين الاخوين الحاكمين واشتعلت بينهما الحروب، وفرت كليوباترا إلى سوريا وفى التوقيت نفسه كان قيصر قد هزم بومبى فى موقعة فارسيليا وفر الأخير إلى مصر فتبعه قيصر بجيشه إلى هناك عام 48 ق.م وإرداه قتيلا. غير أن كليوباترا التى تعرفت إلى قيصر من قبل قد عادت إلى مصر تطالب بحقها فى الحكم حسب وصية أبيها مستندة إلى قيصر الذى بدأ فى أول الأمر باعتباره محكما بين الاخوين، ولم ينزل بطليموس الصغير على حكم قيصر، وبدأت الحرب بينهما واعتبر المصريون أن تدخل قيصر إهانة لهم، وكان قيصر مقيما فى القصور الملكية، بينما قواته أقل بقليل من القوات المصرية المواجهة له وفكر فى حيلة للإنقاذ بإحراق سفنه وإحراق القصور الملكية وهكذا أتت النار على المدينة وعلى الجزء الذى كانت مكتبة الاسكندرية كائنة فيه فأتت النار عليها وأحرقتها.. هذا هو رأي محمد عبد المنعم عامر خبير المكتبات الأسبق بجامعة الدول العربية والذى ينفى نفيا قاطعا عن عمرو بن العاص وقواته التى فتحت مصر فيما بعد تهمة حرق مكتبة الاسكندرية. القاهرة ـ فتحى عامر