في قرية بحرية نائية تعيش على هامش العالم ويعيش سكانها بدائيتهم بكل تجلياتها حتى انهم لا يعرفون النقود بل يقايضون حاجاتهم، في هذه القرية يمر عابر سبيل أمريكي فيقلب حياتها رأساً على عقب، تدخل حضارة الكاوبوي بكل بهرجتها وعنفوانها لتمحي هوية المكان والسكان الذين يقررون الرحيل بسبب انكساراتهم الداخلية وعدم قدرتهم على التأقلم والتوازن في ظل التحولات الفجائية الجديدة. هذا هو باختصار مضمون العرض المسرحي «بحر الزمن الضائع» الذي يقدم حالياً في مسرح القباني بدمشق، عن قصة بنفس العنوان للروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز من مجموعته القصصية «اجمل رجل غريق في العالم»، قام باعدادها للمسرح القاص موفق مسعود، واخرجها سلمان صيموعة ويمكننا القول منذ البداية ان الاقتراب من شخوص ماركيز المركبة ومناخاته الغرائبية يعتبر مغامرة جريئة وخطوة أولى من نوعها في العرض بتفصيلاته المختلفة لم يكن عرض احداث وانما عرض شخصيات وعوالم داخلية، فلدينا مثلاً شخصية بترا «انجي اليوسف» الغجرية التي غادرت قومها من اجل حبيبها جاكوب «بسام لطفي»، ولدينا الغانية سارة «لميس عباس» التي تحاول اغواء الراهب «اياس أبو غزالة» ولدينا دون ماكسيميو «علي شهاب» وهو رجل واسع المعرفة والاطلاع لكنه مصاب بجنون العظمة، كذلك لدينا شخصية الأمريكي هربرت «ياسر عبداللطيف» وكلها شخصيات مثيرة اشعلت صراعات فكرية بحكم تلاوينها واختلاف انتماءاتها، وهذه الصراعات قادت للخوض في نقاشات ذات طبيعة فلسفية وجودية، كالتساؤل حول ماهية الخطيئة والفضيلة او البحث في اشكال النقل المعرفي عبر الحكاية والاسطورة. طبعاً المقولة النهائية للعرض ادانت بشدة واقع الامركة والعولمة والاعداد اتى بحوارات شعرية شفيفة حاولت اختراق تابوهي الدين والجسد بجرأة عالية، دون المساس بكينونة القصة الاصلية أو محاولة مقاربة بيئتها من البيئة المحلية، اما الاخراج فقد اعتمد الاسلوب التعبيري للوصول إلى عوالم ماركيز مع التركيز على فضاء شرطي أدواته الأساسية الاضاءة وتقليص الاعراض المسرحية وتوظيفها لاكثر من دلالة واستخدام ورسم المناخ النفسي بالاعتماد على المؤثرات الصوتية والموسيقى، وفي كل ذلك كان العمل موفقاً في بناء فضاء اشاري ذي مستويين داخلي وخارجي واسع الدلالات وغني من الناحية الفنية لم يستطع الاداء توصيل كافة ابعاده على الرغم من الجهد الواضح الذي بذله الممثلون، لكن شخصيات ماركيز العصية والمتمردة ظلت تفلت من بين الايدي وتلوذ بعيداً في سماواتها المتفردة. في لقاء مع المخرج سلمان صيموعة سألناه عن مغامرة نقل عوالم ماركيز إلى خشبة المسرح، وكيفية تعامله مع النص والشخوص والفضاء المسرحي؟ فأجاب: لطالما سحرتني نصوص ماركيز بعوالمها وشخوصها الخلابة، وهذا ما دفعني إلى المغامرة بنبشها ومسرحتها، ووجدت في قصة «بحر الزمن الضائع» ضالتي، فالنص غير معروف كفاية وفيه الكثير من الغرائبية الموظفة لاثارة تساؤلات تمس الواقع المعاصر وماهية الوجود والذات البشرية، واعتقد ان اهمية اي جهد انساني تكمن في قدرته على اثارة الاسئلة والبحث عن الذات وهو درب شاق وطويل يستعصي على غالبية الناس ومن يسلكه لابد وان يمتلك مخزوناً روحياً ذا خصوصية كما هو واقع الحال عند ماركيز. وقرأت مع الصديق موفق مسعود وهو كاتب يمتلك قلماً كثير السلاسة والجماليات، مطولا ماركيز وتناقشنا كثيرا للوصول إلى صيغة العرض النهائية حيث قمنا بادخال بعض الحوارات والعبارات مثل: الله لا يحب الخدم أو مشهد نقل ارث الغجرية الروحي إلى ماتيلدا «حنان شقير» كذلك قمنا بتطوير بعض الشخصيات التي تم التعريف بها بجملة أو أكثر فقط بالنص الاصلي، مثل شخصية سارة أو شخصية دون ماكسيميو، وتحويل بترا إلى غجرية واغناء الشخصيات أيضاً تم اثناء الحوار مع الممثلين، بمعنى ان المخزون المعرفي لكل منا ساهم في ايجاد صيغة العرض النهائية. بالنسبة للاضاءة فاني اعتقد انها تقوم بدور درامي أساسي مهمته ترجمة الاحاسيس والانفعالات الداخلية بصرياً، فالافكار والاحاسيس لها ألوانها، وقد التقيت مع مصممي الاضاءة بسام حميدي وبسام الطويل حول هذا الرأي، كذلك فيما يخص الموسيقي وقد استطاع عازف الجيتار الموهوب خالد خالد ان يؤسس بألحانه لحالات انفعالية مسموعة. لكن أدوات التوصيل الرئيسية واقصد الممثلين لم يكونوا بمستوى الشخوص، ماذا تقول؟ أعترف بذلك مع انهم بذلوا الكثير، لكن معاناتي منذ البداية كانت كبيرة من انسحاب الممثلين بسبب الاغراء المادي الذي يوفره التلفاز حتى لاولئك الذين يعون بالوفاء للمسرح، تخيلي مثلا ان الممثل الذي كان ينبغي ان يقوم بشخصية هربرت قد انسحب قبل عشرة أيام من العرض، وتخيلي بالمقابل حجم الجهد الذي بذله ياسر للقيام يهدا الدور، واعتقد انه سيأتي يوم وهو قريب، سيتحول فيه المسرح السوري إلى مسرح مونودراما لحل أزمة الممثل، ولا بأس لمزيد من الانشراح ان يقوم الممثل بتأليف النص واخراجه. دمشق ـ تهامة الجندي
«بحر الزمن الضائع» على خشبة القباني بدمشق، مغامـرة الاقـتراب مسرحيـاً مـن عـوالم مـاركيز الغـرائبيـة
