قصص الجاسوسية الذكية التي اشتهر بها الروائي جون لوكاريه هي أقرب إلى رديف معتدل لقصص مغامرات جيمس بوند التي تشبه أكثر مجريات حديقة الملاهي. ومن هنا تأتي طرافة فيلم «خيط باناما» المقتبس من رواية لوكاريه التي تحمل الاسم نفسه، ويشترك في بطولته جيمس بوند الحالي بيرس بروسنان في دور عميل مزدوج يقوم به. والفيلم الذي يؤدي بطولته جيفري راش هو مزيج مريح للأكشن والدسائس والحوار القوي والكوميديا القاتمة. والاخراج الذي حققه جون بورمان متقن ومتزن. وهذا انجاز ليس صغيرا إذا أخذنا بعين الاعتبار طابع التهجين الذي يأخذه الفيلم من مختلف الأنواع السينمائية، كالتآمر والجاسوسية والدراما السياسية والكوميديا المنزلية والصداقة بين الأفراد. ويلعب راش هاري بندل، المهاجر البريطاني الذي يدير محلا للخياطة في باناما ولا يعتمد على مهارته في خياطة الأزياء بقدر ما يعتمد على مهارته في اختلاق القصص ـ وخاصة ادعائه انه ورث مهنته عن أحد أبرع الخياطين في شارع سافيل رو المشهور في لندن. ويقول هاري: «هناك عدد محدود فقط من الناس الذين يمكنك أن تقول لهم الحقيقة. والباقون مختلفون وينبغي أن تبالغ لإقناعهم». ويحيا هاري حياة سعيدة مع زوجته (جايمي لي كورتس) وأطفالهما ومجموعة من الأصحاب الأوفياء والمعارف والزبائن. إلا أن ثمة أسرارا يخبئها هاري وراء هدوئه وقناع سعادته. وهنا يدخل في الصورة أندرو أوزنارد (بروسنان) الجاسوس البريطاني المخضرم المنفي إلى بناما بعد فشله في احدى مهامه. وفي بحثه عن سبق كبير يستعيد به سمعته ويتيح له أن يتقاعد موفور الكرامة، يشتم أوزنارد بعض الروائح عن هاري، وتبدأ اللعبة. وبسرعة يفضح أوزنارد مزاعم هاري حول عمله في حي سافيل رو، ويرغم الخياط على جمع المعلومات عن قناة باناما من زبائنه ومن زوجته التي تعمل مخططة في القناة. والمشكلة هي أن هاري يعجز عن جمع أي معلومات ذات قيمة، ولذلك يعمد إلى اختلاق قصص أكثر إثارة عن مصالح وشركات أجنبية تجري مفاوضات لشراء القناة. ولا ينخدع أوزنارد بهذه القصص إلا أنه يدعي انه يصدقها لأن قصص القناة تتيح له وسيلة لتحقيق أهدافه المالية. ويصف بورمان أوزنارد بأنه «جيمس بوند مضاد». وقد تمكن بروسنان أن يعكس صورته الجديدة هذه بمهارة على الشاشة. وفي ما يتعلق بالخياط فلعل ليس هناك ممثل يستطيع أن يلعب الدور أفضل من راش، الذي رأينا قدرته التمثيلية في فيلمي «شاين» و«كويلز». فهو يضفي على هاري سحر الشخص الذي يخوض صراعا من أجل البقاء ثم القلق والألم من الاحساس بأنه على وشك أن يفتضح. وتتقدم جايمي لي كورتس على طاقم الممثلين المساعدين في أدائها وتنفلت من صورة الزوجة الغافلة عما يجري حولها. ويقدم هارولد باينتر بعض الوصلات الكوميدية في دور عم هاري المتوفي ـ الأنكل بني ـ كشبح يوجه ابن شقيقه. وهناك براندون غليسن، الذي صنعه بورمان، في دور ميكي، صديق هاري، والثائر السابق الذي أصبح مدمنا على السكر. وتلعب لينور فاليرا دور مديرة مكتب هاري التي تعرضت للتشويه على أيدي البوليس السري للرئيس السابق نورييجا. وشارك لوكاريه نفسه في الفيلم كمنتج تنفيذي وفي اعداد نص الشاشة مع بورمان واندرو دافيس. وقد تمكن الثلاثة في إشاعة أجواء أكثر واقعية وأمانة في عالم أكثر واقعية من عالم جيمس بوند في فيلم «License to Kill». ويستغرق عرض الفيلم الذي توزعه شركة صوني 109 دقائق، ويفضل عدم دخول العرض لمن هم دون السابعة عشرة من العمر لما فيه من جنس ولغة قاذعة وبعض العنف. لوس أنجلوس ـ خدمة ـ أ.ب
