على اسم مصر يقدر التاريخ يقول ماشاء .. انا مصر عندي احب واجمل الاشياء هنا.. داخل حواري قاهرة مصر المحروسة يتمدد شريان التاريخ في الجسد النابض.. يستلقي على جدران مساجدها ويفترش ارصفة حواريها العتيقة.. يفتح دفاتره وصناديق تذكاراته للعاشق والدرويش والباحث عن حنين تولى وشوق مازال يلوح من أعلى هامات المآذن والقباب بشارات التمني. هنا.. بدأت الحكاية.. للقاهرة.. من الأزهر والحسين والسيدة صعوداً إلى قلعة صلاح الدين.. إلى حواري التاريخ وزقاقه.. يبدأ تجوال لا ينتهي مع الحنين برائحته وعبقه المنثور على الأماكن ووجوه البشر.. في الصاغة والغورية والجمالية وبوابة المتولي وسوق السلاح وقصر الشوق وزقاق المدق وخان الخليلي.. اسماء اختزنت بداخلها مئات الحكايا والاسرار التي تطل من عيون مشربياتها ونوافذها المتلاصقة.. ومازالت تنبض بالحياة رغم عمرها المرصود بعدد مآذنها الألف.. فأصوات الباعة مازل تطرب الاذان ودقات النقش على الحلي والصواني النحاسية تملأ الآفاق وكل دقة تحكي تاريخ المهنة القديمة.. ورائحة البخور تضفي بعبقها اللمسة الاسطورية على المكان. تتداخل الوجوه.. وتتشابه ترسم ابتسامة الصبر على الرزق ولقمة العيش... هنا عاش ملوك وامراء.. وهبت ثورات واستشهد ثوار وجاء قياصرة ومر ملوك وبقي الشعب واقفاً كالوتد، صامداً كالحقيقة، متشبثاً بأزهره الذي تحطمت عند اسواره سنابك القهر والبطش. صاغ المصريون حواري ملوكهم وأمرائهم العادل منهم والظالم إلى حكاية شعبية محبوبة وصارت اسماؤها امثالاً تتداولها الأجيال دليلاً على صفات اصحابها، فقراقوش وزير صلاح الدين الايوبي في مصر نال النصيب الاكبر واصبح حكمه ـ حكم قراقوش ـ مثالاً للبطش والتسلط. ولكن مازالت حواري وأسواق القاهرة الشعبية ببضائعها وهداياها المتميزة خير سفير لهذا التاريخ في الداخل والخارج وعبرت عنها بعض الاغاني الشعبية «يارايحين الغورية هاتوا لحبيبي هدية»... وعندما يهبط شهر رمضان ويحل ضيفاً كريماً على هذه الحواري.. يتجول صوت المسحراتي ويسابق صداه النسمات في الأزقة.. «أصح يا نايم وحّد الرزاق.. وقول نويت بكره ان حييت الفجر قايمه والشهر صايمه».. منذ أول مسحراتي «ابن نقطة» في العصر المملوكي إلى صوت فؤاد حداد وغناء سيد مكاوي. ومثل أي عاشق للتراث والتاريخ لا يمل أبداً من معاودة المكان.. وزيارة واحدة. بالتأكيد لا تكفي لحواري مصر المحروسة و.. «الرجل تدب مطرح ما تحب وانا صنعتي مسحراتي في البلد جوال.. دبيت وحبيت كما العاشق ليالي طوال وكل شبر وحتة من بلدي حتة من كبدي حتة من موال». هذا هو حال العاشق للمكان كما كان حال مسحراتي الوطن فؤاد حداد. عادل السنهوري