في الخامس من نوفمبر عام 1996، اجتمع حشد مؤلف من 370 شخصا من قدامى المحاربين من مختلف دول العالم على سهل اخضر محاذ لنهر جاراما الى الجونب من مدريد، وهو موقع معركة دموية وقعت خلال الحرب الاهلية الاسبانية التي استمرت من عام 1936 الى عام 1939. وبينما كانت الموسيقى العسكرية تعزف منطلقة من مكبرات الصوت، سار العديد من المسنين في مارش عسكري عبر ما تبقى من جسر آرجاندا الضيق، وهم يرفعون رؤوسهم فخرا، واعتزازا، بينما جلس آخرون يذرفون الدمع بهدوء على اصدقاء لهم قضوا نحبهم في المعارك قبل 60 عاما. كان ذلك الحفل المؤثر مناسبة نادرة للتذكير بالدور الحاسم الذي لعبه قدامى المحاربين في الصراع العنيف مع الفاشية. وقبل ثلاث سنوات من بدء الحلفاء الغربيين بمحاربة هتلر ومن ثم موسوليني خلال الحرب العالمية الثانية، سافر الرجال الذين كانوا شبابا في حينه، وكانوا متطوعين وليسوا جنودا محترفين الى اسبانيا لمساعدة الحكومة المنتخبة هناك على محاربة قوات الزعيم الفاشستي فرانشيسكو فرانكو، في حرب اهلية اصبحت واحدا من الصراعات الملحمية في القرن العشرين. كانت تلك الحرب نذيرا بالحرب العالمية الثانية التي تلتها. فقد سقط 500.000 شخص، على الاقل، خلال الحرب الاسبانية، قتل 130.000 منهم تنفيذا لأحكام بالاعدام. ولقد حاربت القوات الالمانية الى جانب الفاشيين الاسبان ومضت تشحذ تكتيكاتهم العسكرية وتجرب القنابل في اسبانيا في تجربة مسبقة للشكل المرعب للحرب الحديثة، التي ستؤثر بعد ذلك بوقت قصير على معظم اوروبا. اصبح الصراع في اسبانيا بمثابة حملة اخلاقية فقد تزامن مع الحملة الالمانية التي استهدفت الاعداد داخليا للحرب ومع الزحف الفاشستي الايطالي على اثيويبا الذي استخدم الايطاليون فيه غاز الخردل لاخضاع ابناء اثيوبيا بينما نظم العاطلون عن العمل في بريطانيا مسيرة من جارو الى لندن مطالبين بإيجاد فرص عمل لهم. وفي عالم سادته مشاعر الاحباط والانزعاج من الركود الاقتصادي وغياب العدالة، رأى الكثيرون في الصراع الاسباني فرصة للتغيير. ويقول بول بريستون، استاذ التاريخ الاسباني المعاصر في مدرسة الاقتصاد بلندن ومؤلف العديد من الكتب عن اسبانيا: «لم تعمل اي حرب في المعهد الحديث على الهاب مشاعر الناس العاديين والمثقفين كما فعلت الحرب الاهلية الاسبانية». كان تأثيرها الاعظم قد وقع على هتلر، فالانظمة الديمقراطية الغربية كانت قد تبنت سياسة «عدم التدخل» وفشلت في تقديم الدعم للحكومة الاسبانية الشرعية في معركتها ضد الفاشية. ويعتقد العديد من المؤرخين ان هتلر استنتج في حينه ان الدول الغربية لن تفعل اي شيء لوقف تطلعاته التوسعية وهذا الاستنتاج شجعه على غزو بولندا وبدء الحرب العالمية الثانية. ان جذور الحرب الاهلية الاسبانية معقدة تماما، لكن اسبانيا التي تعد الدولة الافقر في اوروبا كانت تعيش مرحلة من الاضطرابات السياسية. وفي عام 1931 تم انتخاب حكومة جمهورية اصلاحية، واعدة باحالة ضباط الجيش الكبار في السن الى التقاعد وبمساعدة الفقراء وتقليص ثروة الكنيسة الكاثوليكية. وعمل النظام الجديد على تهميش العديد من ضباط الجيش الكبار ومن بينهم فرانشيسكو فرانكو. كان فرانكو، الذي ينحدر من اسرة عسكرية، اصغر ضابط يحمل رتبة كابتن في الجيش الاسباني برمته، يقود حملات عديدة ضد المغاربة ويصبح بطلا قوميا. ولقد راقت له فكرة ان يكون مسيطرا على الامور، وسر سرورا كبيرا عندما اطاح نظام يميني بالحكومة الجمهورية في عام 1933. وبعد ذلك بعام، برز من المجهول ليقود حملة قمع ضد عمال المناجم، عندما دخلت البلاد في فترة من الاضطهاد والقمع. وفي عام 1936، بدل الناخبون الاسبان ولاءهم السياسي بانتخابهم بأغلبية ضئيلة ائتلافا يساريا من الجمهوريين والمناهضين للفاشية وعلى اثر ذلك، زاد اليمينيون والفاشيون والمناهضون للماركسية من دعمهم للاحزاب المعارضة وانزلقت اسبانيا نحو الفوضى. وبحلول صيف عام 1936، كان ضباط الجيش اليمينيون يخططون لتمرد عسكري ولهذا عندما اغتيل زعيم اليمين المتطرف خوسيه كالفو سوتيلو، في الثالث عشر من يوليو 1936، فانهم اعتبروا ذلك شرارة لاندلاع الحرب. وبعد اربعة ايام، ساعد فرانكو في شن تمرد عسكري ضد الحكومة المنتخبة بصورة ديمقراطية بمباركة من الطبقة الارستقراطية والكنيسة وتم نقل جنود فرانكو من الغرب الى جنوبي اسبانيا وبدأوا بالقتال متوجهين صوب العاصمة الاسبانية، مدريد. وقرر قادة الجيش اختيار قائد واحد لما ظنوا انه سيكون حربا قصيرة من اجل السيطرة على المدينة، وللحكومة العسكرية اللاحقة. وكان من المفترض ان يتم اختيار جنرال سانجورجو كقائد اعلى للجيش الاسباني لكنه قتل في حادث تحطم طائرة. وقد تم بدلا منه اختيار فرانكو، الذي كان يعتبر بطل حرب، كقائد اعلى للجيش. وبينما كان فرانكو يستعد للهجوم على مدريد تلقى تعزيزا ودعما من نظرائه في الخارج فقد زوده هتلر بالدبابات والمدفعية والطائرات الحربية، التي وصل عددها الى 100 طائرة بينما ارسل موسوليني دبابات ومدفعية وقرابة 50.000 جندي. ومن جانبهم حظي الجمهوريون كذلك بدعم من الخارج. فقد زودهم السوفييت بالسلاح، وناشدوا المتطوعين من انحاء العالم الانضمام الى لواء دولي للمساعدة في الحاق الهزيمة بالفاشية ولقيت الدعوة صدى لها في انحاء المعمورة حيث استجابت لها الطبقة العاملة في اوروبا والشيوعيون والمناهضون للفاشية والمثاليون والطلاب والاشخاص المدمرون بفعل المعاناة الاقتصادية. وهكذا اندلعت المواجهة بين المعسكرين ان صح التعبير، وكانت الغلبة في النهاية للفاشية التي حظيت بدعم قوي من ألمانيا وايطاليا بينما انهزم الجمهوريون والمتطوعون الذين عانوا الامرين من اجل مثلهم ومبادئهم. ضرار عمير