على امتداد سنوات طويلة، ظلت منطقة «كومبلسكو دا ماري» الممتدة على الأرض المنبسطة وراء خليج جوانابارا المتلأليء في العاصمة البرازيلية، مكاناً مهجوراً مقفراً. ومع مرور الزمن تدفق الى هذا الحي القذر مئات الألوف من الفقراء الذين أقبلوا بحثاً عن العمل وسعياً وراء أفضل، إلا أن قلة من هؤلاء البائسين المتكدسين في الأكواخ، هم الذين وجدوا العمل أو الحياة الأفضل، والعديد من الأشخاص الذين سيطر عليهم اليأس تحولوا الى الجريمة لكسب العيش. لكن في السنتين الماضيتين، أصبح حي ماري وغيره من التجمعات المتطرفة المكتظة والتي تؤوي 17 بالمئة من سكان ريو دي جانيرو حقولاً للقتل والجريمة، فالمراهقون المسلحون بمختلف أنواع الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية وحتى قاذفات الصواريخ الصغيرة يعيثون فساداً تحت جنح الظلام، ولا يتورعون عن استخدام اسلحتهم لتدمير البيوت والمتاجر وقتل المدنيين، لكن ما الذي جعل حياً كهذا يصبح عنيفاً الى درجة الهوس؟ إنه الكوكايين. فحي ماري أصبح مقسما بل ومنظماً من قبل عصابات تحاول الاستفادة من الازدياد الحاد في كميات المخدرات المتدفقة الى البلد لخدمة عدد متزايد من الزبائن. وفي أمسية سبت هادئة الشهر الماضي، انقضت على المكان عناصر شرطة مزودة بسترات واقية من الرصاص ومسلحة ببنادق آلية متطورة، ومهمتهم استعادة منطقة خرجت عن سيطرة الحكومة وأذعنت لهيمنة عصابات المخدرات. البرازيل تعاني الان من مشكلة كبيرة وجديدة في المخدرات. فبعد أن كان البلد يعتبر بمثابة نقطة عبور أو مركزاً تجارياً ضخما على الطريق البيضاء بين حقول الكوكا في الانديز وأسواق الكوكايين في لندن وميامي، تغيرت الحال الى ما هو اسوأ الان. اذ يقول خبراء المخدرات إن الاستهلاك المحلي في البرازيل وبالأخص من الكوكايين في ازدياد مستمر. والعائدات المالية المغرية من تجارة المخدرات تواصل إفساد المشرعين وحتى تلطيخ بريق الاقتصاد. ولم يعد بوسع البرازيل أن تنحي باللائمة فقط على الأجانب (لاسيما حتى الامريكيين والبريطانيين» وجشعهم في دعم صناعة المخدرات بأمريكا الجنوبية، وعليه الان تفكر باستهلاكها المحلي الشره للكوكايين. ويقول البروفسور ارجيميرو بروكوبيو، من جامعة برازيليا: «قبل عشر سنوات كانت المخدرات محصورة في المدن الكبرى، أما الان فهي في كل مكان».، لا أحد يعرف عدد البرازيليين المتورطين في تعاطي العقاير الممنوعة، لكن الخبراء يقولون ان هذه الأمة الضجرة التي وصل تعدادها الى 180 مليون نسمة استساغت مذاق الكوكائين والمخدرات العالمية الاخرى. الشرطة الفيدرالية في البلاد ضبطت العام الماضي 4700 كيلو جراما من الكوكايين يعتقد أنها كانت في طريقها الى السوق المحلية المزدهرة. ومع ان هذه الكمية كانت أقل من سابقتها التي صودرت عام 1999 وبلغت 6.8 أطنان، فإن الشرطة تقول ان الانحسار يعني فقط أن المهربين أصبحوا أكثر ذكاء ومكراً من قبل. تجربة الشباب وفي مسح أجرى على 1900 صبي وفتاة من الطبقة الوسطى في شهر يناير الماضي خلال المهرجان الموسيقي الكبير «روك في ريو» أجاب 26 بالمئة من الشباب بأنهم جربوا العقاقير المخدرة، وأقر 16 بالمئة بأنهم تعاطوا الكوكايين. واضافة للتأثير الكبير على اقتصاد البلد والذي ينجم عن تحويل مبالغ طائلة من البنوك البرازيلية الى الولايات المتحدة في اطار صفقات تجارة المخدرات، فإن التأثير الأكثر تدميراً حتى الان هو ارتفاع معدلات الجريمة ليس فقط السلب والسطو المسلح بل ايضاً العنف القاتل، ففي ريودي جانيرو تضاعفت حالات مصادرة الاسلحة النارية غير المرخصة ثلاث مرات خلال عقد واحد. ومنذ 1985 تضاعف معدل جرائم القتل الى حوالي 27 ضحية في كل 10 آلاف مواطن، وهذا يعني أن نسبة الوفيات المدنية بالأسلحة النارية في البرازيل هي الأعلى على صعيد العالم. ورغم ان معدل جرائم القتل انحسر قليلاً خلال السنوات القليلة الماضية، لكن البرازيل لاتزال واحدة من اخطر المدن على وجه المعمورة، وتزيد جرائم القتل فيها بخمس مرات على نيويورك وتعزو السلطات 70 بالمئة من جرائم العنف الى المخدرات. لكن لماذا وجد هذا الوباء أخيراً طريقه الى البرازيل؟ العولمة هي سبب من بين جملة من الأسباب، لقد كانت البرازيل على الدوام جاهزة لاستقبال غزو المخدرات. وفي حين ان البلد ينتج القليل من الكوكايين فإنه مورد كبير للمواد الكيماوية الداخل في تكوين المخدرات، مثل الاثير والاسيتون. وغاباته المطرية الممتدة شمالاً توفر بيئة مثالية للمزارع السرية. وبفضل المعاهد التجارية التي توحد البرازيل والارجنتين وبرجواي والاوروجواي، تتدفق السلع الزراعية والبضائع الصناعية بحرية عبر الحدود الجنوبية للبلاد، وهو ما يوفر طريقاً سهلاً لمرور المخدرات ايضاً. ولمواجهة هذه المشكلة الخطيرة المتفاقمة في البرازيل أطلق رجال الدين حملة تحمل شعار «نعم للحياة، لا للمخدرات» في 8000 أبرشية في البلاد. وفي أحياء ريو ديجانيرو الأكثر رقياً ارتدت كوكبة من المفكرين والفنانين ثياباً ناصعة البياض وسارت على طول الواجهة الشاطئية التماساً للسلم في أردأ شوارع العاصمة. قلق دائم ويبدي بعض المراقبين قلقهم من تحول البرازيل الى كولومبيا ثانية. لكن ذلك الاحتمال يبدو غير مرجح. ففي البرازيل ليس هناك حرب عصابات مشبعة بالايديولوجيا وليس هناك سفاكون عسكريون ولاتغدق الأموال على الاغتيالات السياسية. وزعماء المخدرات في البرازيل ليسوا سوى صبية متدربين بالمقارنة مع الفيلة الكولمبيين والمكسيكيين. وفي ابريل الماضي، عندما خرج أشهر المهربين البرازيليين فرندينارو بيراما مترنحاً من أثر الجروح تحت وصاية الجيش الكولومبي، بدا وكأنه سكير متشرد مفاجئاً الناس الذين طالما انتظروا رؤية الرجل الذي يعتبر من أخطر المجرمين المطلوبين للعدالة في العالم. علي محمد