لو انك سألتني إلى اين تتمنى ان تعود على امتداد ارض «تايلاند المدهشة» كما يحلو للتايلانديين ان يصفوا بلادهم، لما وجدتني الا متردداً، فقد انطلقت عبر ارجائها قاطعاً من الشمال إلى الجنوب طولها الرهيف الذي يزيد على 1500 كيلومتر، وتنقلت من الطائرات النفاثة إلى ذات المحركات، ومن التاكسي إلى الباص والفان والدراجة البخارية والسير على الاقدام، بالطبع، فوق الجبال وتحت الشلالات وعبر السهول وعلى امتداد الشواطيء وفي قلب الادغال. ولكن مهلاً، دعني اجيب على سؤالك بالسلب، فأنا قد لا اعود باتايا، على الرغم من انها جوهرة الساحل الشرقي لتايلاند وحلم كل بحار في الدنيا ومنتجع «ثقافة الشمس والمرح» كما يصفونها على سبيل الاختصار. وربما لا أذهب الى تشانج ماي البديعة في الشمال حيث المناخ المعتدل أو ان شئت البارد بمعاييرنا، حيث ضباب الصباح الساحر والليالى الطالعة من قلب الاساطير، والتي تقلك اليها الطائرة في ساعة والقطار في يوم وليلة، ولكنها بكل المعايير المنطقة التي تحلم بها العائلات في ترحالها نحو الطريف والنادر والمسلي. وبصعوبة اعلن انني قد لا اذهب إلى ساموي جوهرة خليج تايلاند، حيث الطريق الدائري الممتد على شاطيء الجزيرة بطول 54 كيلومترا، والذي يقودك من السحر إلى الفتنة، وسأحاول ان انسى لحظات النشوة تحت مياه شلالاتها الثلاثة التي تجعلك تعيش الفتنة بالطبيعة والخضرة، فتنسى الزمان والمكان وتتوحد مع الرقة والشجن والشفافية. وعلى الرغم من استنكار عشاق جزيرة فوكيت، فانني قد لا اذهب إلى الجزيرة الاكثر سحراً في بحر الاندامان، حيث الاقامة في فندق اماري الذي يملكه رجل اعمال يمني يضمن لنفسه استقطاب زوار الجزيرة من أبناء الخليج. اذن إلى اين تؤثر ان تعود اذا حملت حقائبك وعدت إلى تايلاند المدهشة ذات يوم من أيام الرضا عن النفس والتصالح مع الدنيا والتسامح مع الكون؟ أكاد أرى ابتسامتك، والمح غمزتك المرحة، وانت تتوقع ان يكون مقصدي العاصمة التايلاندية بانكوك او «كرونج ثب» أو «مدينة الملائكة» الغافية على ضفاف نهر تشاوفرايا او نهر الملوك التاريخي الشهير. لكن المدينة المترامية الاطراف التي تضم تحت آفاقها عشرة ملايين نسمة ليست مقصدي، على الرغم من حماسي الشديد لمجمع قصورها الشهير الذي شيده ملوك الشاكري عبر سنوات طويلة، كما انني لست شديد الحماس للشوارع التقليدية التي يرتادها السياح العرب، ولاتخلو منهم أبداً حتى ان محالها ومتاجرها ومقاهيها ونواديها تعلن عن نفسها باللغة العربية قبل أي لغة أخرى. تسألني اذن إلى اين احلم بشد الرحال في ارض تايلاند المدهشة؟ واقول لك وفي العين بريق وفي السمع اغنية وفي القلب وجيب وفي الخيال حلم كالاسطورة: الى هواهين لابد لي من ان اشد الرحال ذات يوم. ولكن لماذا هواهين على وجه الدقة؟ الاجابة ليست لي، وانما هي لعدنان ابو حجاب، مدير المكتب التمثيلي في الامارات لهيئة السياحة التايلاندية، والذي يبادر إلى القول ان هواهين تجتذب النخبة الراقية من ابناء تايلاند في اطار السياحة الداخلية، كما انها تستقطب السياح الاجانب الذين يقصدونها في اطار تجمعات عائلية تنشد المنتجعات واماكن الراحة والاستجمام الراقية. ويضيف ان أبرز ما في هواهين هو مستواها السياحي الرفيع حيث تضم عشرة فنادق من فئة الخمس نجوم، كما ان بها قصراً تقضي به العائلة المالكة التايلاندية جانباً من وقت استجمامها الأمر الذي يعكس بشكل مباشر روح المكان. ويتابع مشيرا إلى ان تسهيلات هواهين لا يمكن الا ان تخاطب ذوق السائح الخليجي الراقي والذي يسعى إلى الأفضل، فهذه المنطقة الواقعة في الجنوب من العاصمة التايلاندية، بانكوك، يمكن الوصول إليها بسهولة بالطائرة، حيث يوجد بها مطار مخصص لمواجهة تدفق الزائرين جرى تطويره حديثاً. أما الذين يؤثرون الانطلاق اليها من بانكوك بالسيارة فيمكنهم الوصول اليها في رحلة تستغرق ساعتين ونصف الساعة تقريبا، حيث يتاح لهم بعد الاختيار بين الفنادق العشرة الانطلاق إلى الشواطيء الممتدة بلا انتهاء أو إلى ملاعب الجولف والتنس وغيرها من التسهيلات الرياضية، أو شق الطريق إلى مراكز العناية والرعاية الصحية أو «السبا» الشهيرة ذات الشهرة العالمية. وما يقوله عدنان أبو حجاب تجسده انطلاقة إلى فندق من مستوى سوفوتيل العريق الذي يلفت الانظار بطرازه الكولونيالي العريق وبامتداده الهائل، حيث البطولة فيه للصغار الذين يتاح لهم الانطلاق إلى الحدائق المترامية والمسابح والتسهيلات المختلفة والملاعب. وليس من قبيل الصدفة ان تنتهي زيارة إلى «شيفا سوم» ذلك المعقل الصحي البديع في قلب هواهين بقول أحد الأصدقاء ضاحكا انه حينما يضع يده على مكافأة نهاية خدمته سيكون أول ما يفعله الحجز أياماً طويلة والعودة إلى «شيفا سوم» حيث التصالح بين الذهن والجسم والروح. دع جانبا الحقيقة القائلة: ان هذا المكان يقصده المشاهير والنجوم من عيار ناعومي كامبل لانقاص اوزانهم، فالحقيقة البسيطة هي انه يكفل لك الابتعاد عن كل همومك ومتاعبك ومصادر ازعاجك لتكلف على الراحة والتأمل والعناية بنفسك جسماً ونفساً. البداية في «شيفا سوم» هي بفحص طبي شامل للتأكد من مدى ملاءمة برامج هذه الواحة البديعة لحالتك، فهذا المكان ليس منتجعاً، ولكنه ليس أيضاً مستشفى، وانما هو ببساطة «سبا» أو «مركز رعاية صحية». ليس من قبيل الصدفة ان تلتقي قبل ان تدخل إلى «الساونا» برجل أعمال من اصل لبناني قدم إلى هنا من الولايات المتحدة، وسيذهلك الرجل حينما يقول لك انه فقد من وزنه ستة كيلوجرامات في خمسة أيام، ولاعجب فمن الرياضة إلى برامج انقاص الوزن إلى الرياضات تحت اشراف اختصاصيين تجد نفسك في نهاية المطاف وقد خرجت من «شيفا سوم» انساناً آخر مختلفاً غير الذي دخل هذا المكان. من يدري ربما اذا وقفت يوماً عند مدخل «شيفا سوم» تتأمل شعاره الذي يشبه المثلث رمزا للذهن والروح والجسم ستجدني هناك اشاركك الابتسام وأمد لك اليد بمصافحة ودودة من صديق قديم. رسالة تايلاند: كامل يوسف