لقد أرسى الراحل الكبير سلطان العويس طيب الله ثراه تقليداً مباركاً حينما قام قبل اثنى عشر عاماً بتبني «جائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي»، هذه الجائزة الرائدة التي خص بها ابناء وطنه من الذين بذلوا جهوداً مشكورة في مجال البحث الفكري والابتكار العلمي والابداع الفني والريادة الثقافية. وقد ادرك سلطان العويس رحمه الله ومنذ مرحلة مبكرة من حياته أهمية التنمية الثقافية والتربوية حيث قام ببناء المدارس، وتمويل العائلات الفقيرة في المناطق النائية من الامارات لكي تسمح لأبنائها بالتفرغ لطلب العلم، وساعد بأريحيته المعروفة قبل قيام الدولة طلاب البعثات الجامعية من أبناء الامارات في العواصم العربية المتقدمة ثم تتابعت بعد ذلك جهوده الكريمة في دعم التنمية الثقافية التي لا يتم بدونها اي بناء اقتصادي او حضاري سليم ومتكامل. هذا بالاضافة الى أعمال الخير والاحسان والعطاء في مختلف المجالات الزراعية والطبية والاجتماعية والتي وضعت سلطان العويس في مقدمة أبناء الامارات الكبار الذين كتبت ذكراهم في قلوب ابناء شعبنا بحروف من نور. ان اعمال الخير والاحسان وغيرها من المساهمات الكريمة التي يدفع بها رجال الأعمال وبناة الاقتصاد ضريبة المواطنة الحقة بكل حماسة وطيب خاطر هي التي تخلد سيرتهم في الذاكرة الجماعية لشعوبهم، وتكون تلك السيرة الطيبة نبراساً واضحاً للأجيال اللاحقة توضح الطريق وتنير المعالم وتقدم القدوة الطيبة.. وكلما كثرت هذه النماذج الرائدة في مسيرة اي مجتمع من المجتمعات فإن هذا المجتمع سائر الى تطور ونماء وكلما قلت هذه النماذج فإن ذلك المجتمع سائر الى تخلف وانحطاط. تنفق الدول المتقدمة في مختلف قارات العالم مبالغ طائلة في مجالات البحث الفكري والعلمي لأنها تدرك ان التقدم في مجال البحوث العلمية يعني المقدمة لكل تقدم صناعي او تجاري او اجتماعي او حضاري.. ويكفي ان نلقي نظرة فاحصة على احصائيات التنمية والانجاز الاقتصادي والحضاري التي تصدرها هيئة الأمم المتحدة لكي نكتشف ان الدول التي يزداد فيها الانفاق على البحث العلمي هي التي تقف على رأس سلم الدول المتقدمة اما الدول التي يقل فيها الانفاق على البحث العلمي فهي التي تراوح في أسفل السلم. وهذه الحقيقة البدهية تثبت انه يجب على الدول الخليجية وباقي الدول العربية اذا ارادت حقاً ان تساهم في السباق الحضاري العالمي ان تهتم اهتماماً جدياً بمسألة الانفاق على تشجيع البحث العلمي الذي وصل في بعض دولنا العربية الى وضع مأساوي يوجع القلب ويكسر الخاطر. لقد اهتمت «جائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي» في دوراتها المتوالية بتشجيع المواهب المواطنة على مختلف مستوياتها سواء كانت المواهب الناضجة والراسخة قدماً في مجال البحث العلمي او كانت المواهب الشابة والمتوثبة للسباحة في بحر البحث الفكري، ولقد قدمت هذه المواهب المبدعة من أبناء وبنات الامارات دراسات في جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتاريخية والجغرافية والثقافية العامة. وفي هذه الأمسية المباركة نكرم كوكبة مختارة من هذه المواهب الاماراتية البارزة في مجال البحث الفكري والابتكار العلمي والابداع الفني. لقد قدمت المرأة في وطننا الحبيب عبر العقود التاريخية الماضية نماذج باهرة في البذل والعطاء والتضحية، ولم يمنعها شظف العيش والظروف الاجتماعية الصعبة التي كان يعيش فيها مجتمع الامارات من المساهمة الايجابية الفعالة في كفاحنا للبقاء والتغلب على الظروف الصعبة الحياتية والاقتصادية والحضارية، وانه لمن دواعي سرورنا ان يتم اختيار الدكتورة موزة غباش لتكرم بجائزة شخصية العام الثقافية لعام 2000م وذلك تقديراً لدورها الثقافي البارز في مجالات متعددة، فهي مربية اكاديمية فاضلة درست علم الاجتماع لأفواج متعاقبة من طلاب وطالبات جامعة الامارات فاستفادوا من علمها الغزير وتوجيهاتها الايجابية وساهمت بشكل فعال في تأسيس رواق عوشة بنت حسين الثقافي وكانت اول رئيسة له حيث وضعت له البرامج الثقافية والاجتماعية الطموحة لكي يسهم بشكل فعال وايجابي في مجال العمل التطوعي والاجتماعي الخيري. ولشخصيتنا الثقافية هذا العام مساهمات نشطة وبارزة في مختلف أوجه النشاط الاكاديمي والثقافي والاجتماعي في المجال الوطني داخل دولة الامارات العربية المتحدة وفي المجال العربي والدولي حيث شاركت في عضوية العديد من الجمعيات والهيئات والمؤسسات الأكاديمية والعلمية والاجتماعية وساهمت في الكثير من المؤتمرات والندوات الوطنية والعربية والعالمية بالاضافة الى مساهماتها الاعلامية الفاعلة في الصحافة والتلفاز وغيرهما من وسائل الاعلام.. واخيراً وليس آخراً نأتي الى نشاطها المعروف في التأليف العلمي حيث صدر لها العديد من الكتب والدراسات التي خصصتها لمناقشة مشكلات تنمية مجتمع الامارات ودراسة عاداته وتقاليده وفي النشر والتوزيع حيث ساهمت في تأسيس دار القراءة للجميع للطبع والنشر وكانت من دور النشر الطموحة والنشطة في مجال طبع ونشر الكتاب الاماراتي. ان الدكتورة موزة غباش شخصية هذا العام الثقافية نموذج بارز لما حققته المرأة في دولة الامارات العربية المتحدة من مساهمات اكاديمية وعلمية واجتماعية وثقافية واضحة، هذه المساهمات الايجابية كان لها اكبر الأثر في مدى الانجاز الثقافي والحضاري العام لبلادنا الحبيبة في العقود الثلاثة الماضية. قدمت جامعة الامارات العديد من الكفاءات الاكاديمية التي كانت لها بصمات واضحة في النشاط الثقافي والاجتماعي ومن هذه الكفاءات يبرز اسم الدكتور عبدالخالق عبدالله الذي اختير كتابه «الحركة الثقافية في الامارات» ككتاب العام، وقد ناقش في صفحاته العديد من الهموم والقضايا الثقافية الخاصة بمجتمع الامارات بعد ربطها ببعدها الاجتماعي والحضاري العام وذلك بأسلوب علمي شيق يجمع الخاص بالعام والبسيط بالمركب فقدم اضافة ايجابية للمكتبة الوطنية وهذا الكتاب هو لؤلؤة واحدة من عقد لآلئ كتب كثيرة نشرها هذا الاكاديمي البارز الذي يعد من أغزر وانشط الباحثين في وطننا المعطاء. يدشن حفلنا اليوم قاعة سلطان العويس هذه القاعة الحديثة التي ستشهد مستقبلاً العديد من المؤتمرات والندوات الطبية والعلمية المنتجة والمفيدة وهي غيض من فيض هذا المحسن الكبير ارادها تكملة لمشروعه الخيري والانساني الكبير والمتمثل في مستشفى البراحة الذي يقدم لأبناء الوطن خدمة طبية وانسانية من الطراز الأول، لله در سلطان العويس الانسان صاحب القلب الكبير الذي جاد بماله لكل وجوه الخير والعطاء، رحمك الله رحمة واسعة وجعل افعالك الكريمة في ميزان اعمالك الطيبة.
