كانت البيوت مبنية بدقة هندسية شديدة بحيث تصطف بمواجهة الشمس، اما واجهاتها الأمامية الموجهة للجنوب فكانت مصممة على نحو يسمح لها بامتصاص الحرارة خصوصاً في الشتاء، عندما تكون الشمس منخفضة في السماء. ويعمل نظام تهوية مطور على ابقاء البيوت باردة في الصيف ودافئة في الشتاء. وفي ذلك الوقت، كانت الحياة رائعة في توز بولاية نيومكسيكو وسط المروج الامريكية. وحتى عندما كانت درجة الحرارة الخارجية تصل إلى 50 درجة مئوية في الصيف، او تهبط إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر في الشتاء، فان درجة الحرارة داخل تلك البيوت كانت تتراوح بين 15 و25 درجة مئوية على مدار العام بدون استخدام وسائل للتدفئة أو أجهزة للتكييف. على الاقل، فان رالف ديتش لديه عداد للكهرباء. ويقول هذا المهندس المعماري: «لقد استهلكنا 460 كيلوواط ساعة منذ مايو الماضي، مشيراً نحو الجزء الداخلي من صندوق العداد ويضيف «لقد انتجنا اكثر من 4000 كيلوواط ساعة بدون استخدام الغاز أو النفط. وفي هذه الايام، لم يعد الصحافيون هم الوحيدون الذين يقومون بجولة في أول صف من البيوت يتم تشييده في اطار أحدث مشروع للبناء الشمسي في أوروبا وذلك في مدينة فرايبورج الألمانية». ويقوم معماريون ومهندسون وبناؤون وسياح بالسفر إلى العاصمة الشمسية في ألمانيا لمشاهدة هذا المشروع الاسكاني الأول القابل للتحقيق من ناحية مالية، والذي ينتج من الطاقة في المتوسط اكثر مما يستهلك. وفي هذا المكان، تشاهد السياح اليابانيين وهم يمرون بجوار «البيوت ذات الطاقة الزائدة» وذات الألوان الزاهية. ويقول ديتش: «اليابانيون مبهورون بالتقنية الراقية». لكن هذا المهندس المعماري لا يكتفي بوضع ثقته بالتقنية الحديثة فحسب، وانما يقوم أيضاً باستغلال مهارات معماريي المباني الشمسية التي تم تناقلها عبر القرون. وسواء أكان ذلك في توز بنيومكسيكو أو في روما القديمة، أو على ضفاف النيل أو على منحدرات جبال الألب، فان الناس كانوا يبنون بيوتهم دائماً تبعاً لحركة الشمس في السماء. وقد نقلوا معارف الاجيال المتراكمة فيما يتعلق بالحرارة والتجمد والمطر والرياح، ومواد البناء واستخداماتها المتعددة. ولكن مع بداية الثورة الصناعية، وعندما بدأ الناس باستخراج أنواع الوقود الاخفورية، فقد شعروا بأنهم لم يعودوا بحاجة للبيوت التي تأخذ وضعية الشمس بعين الاعتبار. وقد جعلت أنظمة التدفئة الجديدة التي تستخدم البخار والماء الساخن من غير الضروري بناء البيوت بمواجهة الجنوب. وكان الناس مقتنعين بأن التقنية ستتيح لهم تجاهل الطبيعة واستخدام الكهرباء وأنواع الوقود المستخرجة بالحفر لترتيب شئون عالمهم من التدفئة إلى الاضاءة والتكييف. ولم يكونوا مهتمين بالآثار التي ستتركها مصانعهم واعمالهم وبيوتهم على البيئة. وكان المهندسون المعماريون يصممون بنايات تستهلك قدراً من الطاقة يعادل ما تستهلكه قرية صغيرة. وعندما فتح رالف ديتش مكتبه المعماري في عام 1969، لم يكن الناس في الدول الصناعية على وعي بالأزمة النفطية، التي ستكشف بعد أربعة أعوام الطبيعة المحدودة لمصادر الوقود الاحفورية، وانطلاقاً من ادراكه للأبعاد الاجتماعية والسياسية لعمله كمهندس معماري، بدأ ديتش يركز على آثار المباني الاسكانية على البيئة. ويقول ديتش: «اعتبرت منذ البداية ان الضوء والشمس عنصران اساسيان في بناء البيوت، كمصدر للضوء والرفاة في البداية ومن ثم كعامل للطاقة حتى تحولت بالكامل إلى التصميم المعماري الشمسي». والآن يعتبر ديتش أحد أبرز المهندسين المعماريين في مجال البيوت الشمسية في أوروبا. ويهدف من خلال عمله إلى المساهمة في اعادة اكتشاف أساليب البناء الشمسي التي أهمل استخدامها خلال القرن العشرين. ويقول ديتش ان: «مهمة الهندسة المعمارية اليوم هي اعطاء الناس مساحات للعيش، لها مستقبل من الناحيتين البيئية والاقتصادية». ان البيوت الخشبية الانيقة والمرتبة في فرايبورج تواجه جميعها الجنوب وهي مزودة بنوافذ كبيرة معزولة بشكل فعال. واتباعاً لمبدأ الاستخدام الايجابي للطاقة الشمسية، فان شمس الشتاء المنخفضة تساعد في تدفئة البيوت في الاشهر الباردة، بينما تعمل الشرفات والاسطح على حماية البيوت من شمس الصيف العالية. تقع غرف المعيشة في الجهة الجنوبية من البيوت بينما تقع المطابخ والغرف الجانبية في الجهة الشمالية وتعمل كعازل للحرارة. أما الجدران الخارجية، فهي مقاومة للرياح وتتمتع بقدرة ممتازة على العزل. ومع ذلك، فان المنازل «تتنفس». فنظام التهوية الفعال يطرد الهواء الفاسد بينما تعمل وحدات التبديل الحراري حرارة الهواء المطرود إلى الهواء النقي الذي يجري شفطه إلى داخل البيوت. وبالتالي، فان بيوت الطاقة الزائدة لا تحتاج إلى التدفئة الا لبضعة اسابيع في السنة وتتطلب سبع الطاقة المطلوبة لتدفئة ما يسمى ببيوت الطاقة المنخفضة. ويتم توليد نصف الدفء المطلوب من الألواح الشمسية والنصف الثاني من محطة للتدفئة أو من خلال فرن حديث يغذى برقائق الخشب في كل بيت، وهو نظام تدفئة لا مركزي يستخدم مواد عضوية قابلة للتجديد. وبالاضافة إلى المزايا البيئية للبيوت التي تعتمد على الشمس في التزود بالطاقة، فان هناك ميزة اقتصادية مهمة، حيث تعتبر هذه البيوت أقل استهلاكاً للطاقة الموّلدة عن طريق استخدام النفط، وأكثر أمنا لقاطنيها. ضرار عمير


