«بدون فن لا توجد حياة».. هذه هي كلمات شين يانج شون، الرسام التايواني الذي كرّس أكثر من ثلاثين عاماً من حياته لإلهام الآخرين بمشاركته رؤياه. وبينما يصفه الآخرون بأنه أستاذ في فن الرسم، فإنه يعتبر نفسه سفيراً للثقافة. ويقول شين يانج شو إن: «الفن يشمل الحقيقة والخير والجمال. والفن حب بالمعنى الواسع للكلمة». ويلخص هذا الفنان الذي يرسم بالألوان المائية إيمانه الجوهري وكأنه قال هذه العبارة ألوف المرات. وإذا كانت الكلمات لا تفي بالغرض، فإن رسوماته تحمل الرسالة البليغة نفسها. وعلى امتداد السنوات الماضية، تولى هذا الفنان التدريس والكتابة في إطار جهد يهدف إلى نشر إحساسه بالفن، لكنه لايزال يفضّل التأثير البصري على التأثير اللفظي. تضم الألوان المائية الواقعية التي يستخدمها شين في جوانحها روحاً حالمة يستمدها من العالم الواقعي. وتمثل كل لوحة لديه وتسمو في آن عن كل ما هو دنيوي. وتحدث مزايا الضوء والشفافية الكامنة في الألوان المائية إحساساً بالنقاء والانسجام، مما يضفي على رسوماته لمسة محلقة فريدة، ويكّن الرسام احتراما كبيرا للطبيعة وتقديرا لجمالها. وينعكس هذا التقدير في المناظر الطبيعية وكذلك الصور الأنثوية التي ظهرت لاحقا في مسيرة شين الفنية، وتسترعي مناظره الطبيعية، التي تعرض مشاهد مألوفة من الحياة اليومية، الانتباه إلى العلاقة بين الإنسان والطبيعة. وهو قادر على نقل المزايا الفريدة والعناصر الثقافية الدقيقة لمكان معين سواء أكان حقلا أو ضفة نهر أو مستوطنة بشرية من دون أن يكون نزاعاً إلى أسلوب الوعظ. ولتحقيق هذا الغرض، أمضى شين سنوات عديدة يجري تجارب على الألوان المائية وأساليب الرسم. وقد جر عليه ولعه بالموضوعات المحلية والأسلوب التجريبي الذي اتبعه في بداية مشواره الفني لقب «رسام الريف في تايوان». ويسترجع شين ذكرياته بابتسامة قائلا: «قضيت طفولتي وشبابي في ريف يونلين الواقعة وسط تايوان. وكان من الطبيعي أن أرسم صوراً من ذاكرتي، فقد كانت تنساب بسلاسة من فرشاتي». ويشير شين إلى أنه كان محظوظا لاكتشافه ميوله الفنية في وقت مبكر من حياته، ولقد اختار فن الرسم بالخطوط وهو لايزال في سن السابعة من عمره، وسرعان ما بدأ يحصد الجوائز. ويقول شين: «ذهبت إلى ثلاث مدارس ابتدائية مختلفة. وقبلتني تلك المدارس بسرور لأنني كنت موضع فخر لها. وأرسلتني إلى جميع أنواع المسابقات المتعلقة بالرسم بالخطوط، وكنت أفوز دائماً بالجائزة الأولى». ويبدو أن هذه النجاحات المبكرة قد منحته الثقة بقدراته التي ساعدته في المقابل على تطوير مهاراته. ولم يتعلم شين الرسم إلا بعد مرور بعض الوقت. وكان وانج شيا ليانج، وهو صاحب معرض فني، قد لاحظ مراقبة شين له عبر النافذة كل يوم. وقد راقب هذا الصبي البالغ من العمر أربعة عشر عاما وقتها لبعض الوقت قبل أن يقدّم عرضه السخّي بتعليمه فن الرسم مجانا، بعد انتهائه من دروسه. وقفز شين فرحاً بالعرض الذي فتح عالما جديدا أمام هذا الفنان الناشيء. تحوّل عالم شين يانج شو ثلاثي الأبعاد إلى عالم ثنائي الأبعاد. وهو يصف كيف أدى تصويره للواقع على الورق إلى ملاحظة ذلك الواقع عن كثب أكثر من أي وقت مضى، وإلى إعادة اكتشاف نواح أخرى كان يعتبرها أموراً مسلم بها. وقد قاده النظر إلى الأمور بمنظار جديد إلى إعادة ترتيب الحقائق الأساسية وألهمه القدرة على التعبير عن نفسه من خلال هذا الوسيط الجديد. وبدأ شين يدرك أيضا أن الرسم هو الشيء الذي سيواصل متابعته طوال حياته. والفن لا يتحقق بدون درجة معينة من المعاناة، وقد نال شين نصيبه من تلك المعاناة، عندما كان عليه أن يتخلى عن الرسم من أجل الدراسة لامتحان القبول في احدى الجامعات التايوانية، وهو الامتحان الذي يتسم بمنافسة شديدة. وأثناء ذلك، اتضح له أن حياته لن تكتمل إذا ما اضطر للتخلي عن الرسم. وبعد اجتيازه للامتحان وبموافقة أسرته، سجل شين في قسم الفنون والحرف في الكلية الوطنية للفنون، حيث كان سعيدا «كسعادة السمكة في الماء» حسبما يقول. وهو يدين بالفضل لوالديه الذين لم يقفا في طريق متابعته لهوايته، خاصة في وقت كان الفن لا يعتبر مجالاً جديراً بالدراسة على المستوى الجامعي. كانت البرامج الأكاديمية في الفنون في ذلك الوقت موجهة لتنمية مهارات الطلاب وأساليبهم الفنية. وقد اعتمد شين في الأساس على محال بيع الكتب المستعملة في الاطلاع بشكل أوثق على الفن خارج تايوان. واستطاع خلال دراسته الجامعية أن يحسن من أسلوبه الفني بفضل مساعدة مدرسيه ذوي الخبرة الواسعة. وتمكن خلال هذه الفترة أيضاً من صقل موهبته الفنية وعمل على التوفيق بين التصورات الفنية الغربية والشرقية. ويقول بهذا الخصوص: «أعتقد أنني إذا رسمت بالزيت، فإن عملي سيقارن مع التشكيلة الكاملة من الرسوم الزيتية الغربية. وإذا ركزت على الرسم بالحبر الصيني، فعليّ أن أتنافس مع ألوف الفنانين القدماء. فبدا أن لدي فرصة أفضل في إيجاد مكان لي في مجال الرسم بالألوان المائية». لقد جمع شين بين عناصر القوة في الرسم بالحبر الصيني والرسم الغربي بالزيت، وأوجد لنفسه أسلوبا خاصاً ينقل طاقة اللوحات الزيتية من دون أن يضحّي باللمسة الغامضة في الرسم بالحبر الصيني. وبالفعل، حقق شين نجاحاً منقطع النظير داخل وطنه تايوان وخارجه، وبات اسماً لامعاً يشار إليه بالبنان، لدى الحديث عن فن الرسم التايواني بالألوان المائية. وأخذ يجوب الدول المختلفة على امتداد العالم وبالأخص الولايات المتحدة، محاضراً، وعارضاً لأعماله، محققاً طموحه بأن يكون سفيراً للثقافة. ضرار عمير