في ظاهره يأتي كتاب بيتر هيسلر«مدينة نهرية» منسجماً مع التوجه الأوروبي ـ الأمريكي الذي عودنا عليه كتّاب الرحلات منذ القرن التاسع عشر. في حين تأتي اهميته الحقيقية من ان مؤلفه يخالف في الواقع التقليد القديم الذي يعود الى اكثر من خمسة قرون والذي دأب رحالة ومؤلفون آخرون في اطاره الى الكتابة عن الصين الرسمية أو «صين الامبراطور» كما تتجلى في مدنها وموانئها وشخصياتها المهمة، وهو ما يذكرنا بمؤلفات أشهر الرحالة الى الصين ومنهم ابن بطوطة وماركو بولو اللذين لم يتجاوزا هذا الوصف. يجسد هيسلر في كتابه اسلوبا رائعا في الكتابة عن الثقافات الاخرى من منظور لا يفهمه سوى القلة ولكن القاريء من جانبه يستطيع ان يتذوق الحكاية التي تفرض نفسها بقوة من مجرد الاطلاع على حديثه عن تلك الاوقات التي امضاها في مدينة «فلنج» ثم جاء تفاصيلها لا عن تجربته هو فقط وانما عن اشياء اكثر جاذبية تتعلق بجوانب لم يكتب عنها من قبل لصغر حجمها ذات أهمية خاصة بالنسبة للحضارة الصينية تتمثل في جعلها أكثر سحراً وتفرداً وهي معلومات لم نكن نعرف عنها الا القليل. ومؤلف كتاب «مدينة نهرية» بيتر هيسلر كان قد تطوع لتدريس اللغة والأدب الانجليزي في احدى كليات المعلمين في فلنج وهي مدينة صغيرة كما يراها العالم بالنسبة لبلد كالصين، ويبلغ عدد سكانها 250 ألف نسمة وأغلبهم من التلاميذ والطلاب، وعلى الرغم من انها لا تشتهر بشيء معين الا ان نوعاً من التغيير كان قد طرأ على المنطقة بدخول مشروعات صناعية وتنموية جديدة متزامنا مع حركة التغييرات السياسية التي شهدتها الصين. والأهم من ذلك ان هيسلر كان قد تمكن في اثناء اقامته في فلنج من نقل صورة حية للمدينة ولغيرها من المدن والمناطق النائية التي يطويها النسيان ولم يعرف عنها احد شيئا بسبب توجيه الكثير من الرحالة والمكتشفين الى التركيز على ما يعتبرونه مهما من النواحي التاريخية او السياسية او الاقتصادية، الأمر الذي حدا بالمؤلف الى الكتابة عن مغامراته في فلنج المكان البعيد كل البعد عن ان يفكر احد في المغامرة بالتوغل في اعماقه كما فعل هو حين عثر على الدجاجة التي تبيض ذهبا مخبأة في ذاكرة سكانه من تلاميذ المدارس الذين يروي على لسانهم قصصا حقيقية عن الحياة في فلنج وأبناء الجيل الجديد الذين ما زالوا يتأرجحون بين الماوية وبين السياسات الاصلاحية الجديدة. يوثق المؤلف لرحلته الى فلنج التي استمرت عامين امضاهما في التدريس في اثناء انتدابه عضوا عاملا لدى احدى منظمات السلام الامريكية. و ينظر الكثيرون الى هذا العمل باعتباره جسرا للتواصل بين ابناء الشعبين الصيني والامريكي بشكل جديد وبأسلوب حضاري اكثر عمقا يحمل القاريء الغربي على احترام ثقافة الآخرين على الرغم من الفروق التي تبرز في الواقع ما بين الحضارتين والشعبين (بين الشيوعية والرأسمالية) الأمر الذي يجعل الانسان في كل مكان يدرك انه من الصعب عليه ان يدرس التاريخ السياسي لأي بلد دون ان يربط ذلك بدراسة آثاره الاجتماعية على الشعوب. يلقي كتاب هيسلر نظرة فاحصة على العالم الآخر كما تجسد ذلك الرؤية الحساسة لأطفال المدرسة الذين يقوم بتعليمهم اللغة الانجليزية، ومن هنا يتوسع في وصف التأثير القوي للمجتمع الشيوعي على التركيبة الاجتماعية والثقافية للتلاميذ. ومن جملة ما يستخلصه ان هؤلاء الصغار بتذبذبهم ما بين المفاهيم الشيوعية والارتداد العاطفي لفهمهم لشكسبير كانوا قد نجحوا في تعريفه بالمعنى الحقيقي للحياة في المجتمع الصيني الجديد شديد التحفظ. بين عامي 1996 ـ 1998 عمل هيسلر في احدى منظمات السلام الامريكية وكان مقرها الرئيسي في احدى المناطق الواقعة على نهر يانجستي بالقرب من الحدود الشرقية لمقاطعة ستزوان وكانت منطقة فلنج كغيرها من المناطق القريبة تعاني من مشكلة التلوث الصناعي الذي يصل الى مستوى خطير يهدد الحياة في المنطقة التي كان عدد سكانها قد وصل الى 200 ألف نسمة، ومن هذا المنطلق يستخدم هيسلر في تعبيره عن المأساة لغة موسيقية تأملية مثيرة تعتقد بأنها قادرة على تجسيد مشكلة شريحة من شرائح المجتمع الصيني تعاني من التهميش تاريخياً وعبر العصور المختلفة. وبدورها تعكس المنطقة (المدينة النهرية) صورة قلما يعرفها الآخرون عن الصين بعيدة عن الجوانب الرسمية والفخامة، صورة الصين التي تعرف اليها عن كثب مما يمنح القاريء فرصة مشاركته رأياً مبنياً على اساس عملي تجريبي لا سيما وان المؤلف كان يسعى دائماً للتوصل الى وضع تفسير لمظاهر السلوك الانساني الذي كان يثير دهشته أو يبدو صادما في الكثير من الاحيان ولكنه وعلى الرغم من ذلك يبدو مختلفا عن الكثيرين ممن كتبوا عن الصين فهو لا يفترض احكاماً مسبقة. يتناول كتاب هيسلر اندلاع حركة المطالبة بإطلاق الحريات الفردية التي اججت النقاش حولها حركة الاصلاحات السياسية في الصين وأثر هذا التحول على المدن والمناطق الصغيرة. وكان المؤلف قد جمع معلوماته من مصادر متعددة منها مرتادي وأصحاب المطاعم الخاصة التي ازدهرت على نحو غير مسبوق ومحلات بيع «النودلز» التي كان يتناول فيها طعامه وصالونات التجميل وملوك المال والعقارات والشباب الذين يشقون طريقهم في عالم الاعمال والمثقفين الذين كانوا يجتمعون في لقاءات لمناقشة الاوضاع السياسية ومستقبل الديمقراطية في الصين. وفي هذه الاثناء ينقل هيسلر صورة مفعمة بالحيوية للمكان (فلنج) الصاخب الذي يمتليء بالناس من مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية ومنهم الطلاب والمهنيون واصحاب رؤوس الاموال ورجال الدين الكاثوليك وحتى الفلاحين الذين يعيشون على اطراف المدينة في المناطق الريفية. يسلط هيسلر في كتاب «مدينة نهرية» الضوء على الكثير من الاشكاليات التي تمخضت عنها حركة الاصلاح السياسي ومنها مشكلة الخيارات الصعبة التي اصبحت تواجهها حياة الألوف المؤلفة من النساء الصينيات اللاتي حصلن على مكاسب اجتماعية وسياسية ومادية جديدة في الوقت الذي بقين فيه ـ كما يقول ـ شبه مخلصات وعلى ولاء لا يشوبه الشك للمباديء الكونفوشيوسية وإحدى المشكلات المسببة للقلق التأثير السلبي المستمر للافكار والمفاهيم السياسية القديمة التي تجاوزها الزمن وظلت موروثاً راسخاً تتناقله الاجيال لتحول دون استيعاب عملية التطور. ويخصص المؤلف جزءا من كتابه للحديث عن احدى المشكلات التي يسميها «المشكلة المستديمة» وهي بالتحديد مشكلة الصين في تعاملها مع العالم الخارجي وهذه مشكلة كما يرى تظهر على مستوى الافراد في تعاملهم مع الآخرين من الثقافات الأخرى وعلى مستوى الدولة في تعاملها على الصعيد العالمي. ويصف هيسلر المناخ السياسي التاريخي والأجواء الساحرة المميزة لمدينة فلنج بقوله: «قلة من المسافرين فقط هي التي تزور فلنج... وهكذا فإن فلنج تبدو كما لو أنها نقطة توقف في حلم... النهر الذي تنساب مياهه بهدوء والمقصورات التي يتكدس فيها المسافرون الذين يغطون في النوم وأضواء المدينة تنهض مستيقظة من جوف الظلام الذي يغطي بسواده الدامس نهر يانجتسي. أما أكثر جوانب الامتاع في كتاب هيسلر فتظهر عندما يمزج في هذه الرواية بين الماضي والحاضر في سرده للجانب التاريخي ثم يوضح بعد ذلك العلاقة بينهما وبهذه الطريقة يبدو وكأنه يهييء القاريء للتعرف الى كل من الثقافة الصينية الحالية وتاريخ الصين القديم وهو ما يجعله يقف بوضوح على نقطة التحول الحقيقية في حياة أهالي منطقة فلنج حيث المدينة على موعد مع التغيير بدخول مشاريع جديدة منها مشروع سد «الثلاثة ممرات» الذي سيخترق المدينة وسيحولها من مجرد مدينة صغيرة منسية تفتقر الى وسائل الجذب الى ميناء صيني مهم. ويشتمل كتاب رحلة هيسلر الى الصين على وصف العديد من الأماكن الأخرى التي زارها المؤلف ومنها مناطق نائية لا يكاد أحد حتى في الصين نفسها يعرفها ولكن جولته التي امتدت الى ما يقرب من العامين كانت قد منحته الفرصة لإعادة اكتشاف هذا البلد ورؤيته من منظور آخر أكثر واقعية في اثناء تعامله مع عناصر الثقافة والمتغيرات السياسية المحلية والعالمية فهناك كما يقول الصراع من أجل اثبات الذات والعلاقات المتوترة داخلياً وخارجياً والصراع الإنساني الرئيسي الذي يشكله الانفجار السكاني. وفيما ترافق كل واحدة من تلك التجارب اجواؤها الفريدة الساحرة الشديدة التأثير في النفس فإن هاتين السنتين اللتين كان المؤلف قد امضاهما في الصين تزامنتا أيضاً مع وقوع حدثين تاريخيين مهمين شهدتهما الصين الحديثة في تلك المرحلة هما موت الزعيم الصيني «دنج زياوبنج» و«عودة هونج كونج الى الصين» بعد زوال الاحتلال البريطاني وكلها أحداث وقعت في سنة 1997 وكأنها كانت تمهد أمامه الطريق للاكتشاف وتفسير الصين بأسلوب روائي جذاب يشعل رغبة القاريء في التعرف على تلك البلاد العجيبة. عمل هيسلر وهو خريج جامعتي «برنكستون» و«اكسفورد» في صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال»، وفي مجلة «أتلنتك مونثلي» وهو يقيم الآن في بكين. مريح جمعة فرج